شرح كتاب لم الدر المنثور 69

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 69، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

هجر السلف لأهل البدع

يسرد المقطع آثار السلف في هجر أهل البدع، مثل قصة ابن المبارك الذي هجر من أكل عند مبتدع ثلاثين يوماً، وابن طاوس الذي سد أذنيه عند كلام قدري. ويبين أن مجالسة أهل الأهواء تترك أثراً في القلب، مستشهداً بتأثير الحزبيين في العصر الحديث، ويعرّف بالإمام عبد الرزاق الصنعاني كمصدر لهذه الآثار.

تحذير من التأثر بأهل البدع

يوضح المقطع أن عبد الرزاق تأثر يسيراً بالتشيع بسبب شيخه لكنه بقي إماماً ثقة مدافعاً عن السنة. بينما يحذر من إبراهيم بن أبي يحيى الذي جمع بين الاعتزال والرفض والكذب، وروى عنه الشافعي ظاناً صدقه، في حين طعن فيه أئمة الجرح والتعديل مؤكدين عدم الرواية عنه.

النهي عن مجالسة أهل البدع

يروي المقطع رفض الإمام عبد الرزاق مجالسة المبتدع إبراهيم بن أبي يحيى خوفاً من ضعف القلب ودخول الشبهات، مستدلاً بقول الإمام مالك: "الدين ليس بالجدال". ويؤكد السلف أن مجالسة المساكين أسلم للقلب من مجالسة صاحب بدعة، كما فعل سفيان الثوري وفروة بن يحيى حين قاموا من مجلسهم عند كلام سالم الأفطس بالإرجاء حمايةً لدينهم.

هجر أهل الأهواء كوسيلة لتقويمهم

يصف الراوي كيف يتجنب الناس مجالسة صاحب البدع والأهواء، ويتركونه وحيداً كعقوبة اجتماعية. يهدف هذا الهجر إلى أن يكون حافزاً للشخص للرجوع عن ضلاله عندما يجد النفور من حوله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وعلى أصحابه، وبعد. فقد أخذنا باب هجر السلف أشخاصاً من أهل البدع بأعيانهم، وأيضاً تنفير الناس عنهم، وعدم السماع منهم، ومن مشى معهم. وأخذنا أثر نافع مولى عبد الله بن عمر في قصة صبيغ بن عسل العراقي مع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. طيب، قال المؤلف حفظه الله تعالى: قال عبد الله بن عمر السرخسي رحمه الله: أكلت عند صاحب بدعة أكلة، فبلغ ذلك ابن المبارك، فقال: «لا كلمته» أو «لا كلمته ثلاثين يوماً». وفيه الزجر من ابن المبارك رحمه الله تعالى لهذا الرجل الذي أكل عند صاحب بدعة، أراد بذلك الزجر: «لا كلمته ثلاثين يوماً». ثم قال: وقال معمر، وهو أبو عروة البصري، نزيل اليمن، نزل باليمن، وهو ثقة ثبت فاضل كما قال الحافظ رحمه الله تعالى، وحديثه عن أهل البصرة فيه شيء كما قال الحفاظ. قال معمر رحمه الله: كنت عند ابن طاوس، وهو عبد الله بن طاوس، ابن التابعي الجليل طاوس بن كيسان اليماني. قال: كنت عند ابن طاوس، وعنده ابن له، إذا جاء رجل يقال له صالح، يتكلم في القدر، يتكلم في مسألة القدر، وكان التابعون وأتباع التابعين ينهون عن هذه المسألة، وهي الكلام في القدر؛ لأنها بدعة، بدعة القدرية التي ظهرت، الذين ينفون العلم عن الله سبحانه وتعالى، والذين كذلك ينفون أقدار الله سبحانه وتعالى، أن تُقضى على العبد، وأنه لا يعلمها إلا بعد وقوعها. قال: فتكلم بالشيء، فأدخل ابن طاوس أصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: «أدخل أصابعك في أذنيك، واشدد، فلا تسمع من قوله شيئاً، فإن القلب ضعيف». والآثار قد رواه عبد الرزاق، فيه أيضاً الزجر من السماع لأهل البدع. فابن طاوس لما تكلم الرجل بالقدر، قال لابنه: «ضع أصابعك في أذنيك، ضع أصابعك في أذنيك، لا تسمع شيئاً من كلام هذا القدري، لأن القلب ضعيف». هؤلاء السلف يعرفون معنى هذا؛ لأن القلب ضعيف، فكيف بمن يجالس الفترات الطويلة عند أهل الأهواء والبدع؟ لا شك أنه يتأثر، يتأثر بكلامه عندما يجالسه. وقد حصل هذا من كثير من إخواننا هداهم الله، ذهبوا وجالسوا الحزبيين، ثم جاءوا يأتون إلى مراكز السنة، ويبثون الشائعات، ويثنون خيراً على مراكز الحزبيين؛ لأنهم جالسوا معهم، جالسوا فأثنوا عليهم خيراً، فوضعوا لهم من الشبه ما شاءوا، فوقرت في قلوبهم، ثم جاءوا ويبثون هذه الشائعات بين أهل السنة. لهذا، الرجل يحذر على نفسه، لا يدري من أين تأتيه البدعة، ومن أين يركبه الهواء. يحذر على نفسه، إذا رأى شخصاً يوشوش عليه، بل يتركه، يتركه ويهجره، ولا يجالسه. ثم قال رحمه الله: وقال عبد الرزاق رحمه الله، وهو الإمام الصنعاني، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وهو إمام له المصنف المشهور، مصنف عبد الرزاق، وقد جاء إليه الإمام أحمد، رحل إليه الإمام أحمد ويحيى بن معين، وهذا يدل على إمامته وجلالته، كان حافظاً كبيراً ومصنفاً للآثار، فهو صنف المصنف العظيم، مصنف عبد الرزاق، على مسند الصحابة رضي الله عنهم، فذكر فيه الأحاديث، وذكر فيه الآثار، فإذا أردت الآثار عن الصحابة والتابعين فعليك بمصنف عبد الرزاق. قال: قال لي إبراهيم بن محمد، وأيضاً دخله شيء من التشيع، يعني ذكروا العلماء أن عبد الرزاق لم يسلم مع إمامته، دخله شيء من التشيع، شيء، وليس هو شيعياً، إنما دخله شيء من التشيع بسبب شيخه، بسبب الشيخ الذي تلقى عنه، فربما أنه أعجب بشيخه في شيء من الزهد أو من الصلاة أو نحو ذلك، فقد يغتر الإنسان، قد يغتر الإنسان ما يعلمه، لكن ما طُعن في عبد الرزاق لأنه معروف أنه إمام رحمه الله، وهو صنف المصنفات في الدفاع عن السنة، حفظ لنا أيضاً الله عز وجل، حفظ لنا به كثيراً من السنة، مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيره من المصنفات، حفظ الله بهم الدين، فالعلماء لم يطعنوا في عبد الرزاق، وإنما ذكروا هذا في ترجمته أنه تأثر بشيء من التشيع، لكنه كان رجلاً صادقاً فيما نقل من الآثار والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. الشاهد من هذا أن الإنسان يحذر، يحذر، يكون على حذر شديد، فهذا قد تأثر في شيء، لكنه ليس معتزلياً كما سيأتي في هذا الأثر، أنه ذكر له أو قال له إبراهيم بن أبي يحيى، قال: وكان معتزلياً، هذا الرجل الذي ذكر عنه إبراهيم بن أبي يحيى، شيخ الشافعي، شيخ الشافعي، يعني من أقران هذا عبد الرزاق. فقال: قال لي إبراهيم بن أبي يحيى، وكان معتزلياً، المعتزل أيضاً أصحاب البدعة، بدعة الاعتزال، وهم أيضاً يكفرون بالمعصية، ويقولون: إن هذا العاصي في منزلة بين المنزلتين، في منزلة بين المنزلتين، فلا يدخلونه الجنة، ولا يدخلونه النار، يقولون: منزلة عندهم، منزلة بين المنزلتين، ويأخذونها بأحاديث أو آيات الوعيد، يغلبونها أكثر مما يغلبون الوعد، فالاعتزال مصيبة. فكان هذا الشيخ إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد اقترن به الشافعي، فروى عنه، وليس فقط هذا الرجل كان معتزلياً، بل كان أيضاً رافضياً، وكان أيضاً كذاباً، يعني فيه صفات ذميمة، التهم بالكذب، كان كذاباً، وكان شيعياً، وكان رافضياً، وكان معتزلياً، كما قال الإمام أحمد: «كل بلاء فيه». ومع ذلك روى عنه الإمام الشافعي، لا إله إلا الله، انظروا، روى عنه من؟ الإمام الشافعي، وأحياناً ما يذكره باسمه، كان يكني عنه فيقول: «حدثنا بن أبي يحيى». شو إلى الشافعي؟ هذا الرجل، هذا الرجل معتزلي، لماذا تروي عنه؟ قال: «لا، إن يخر من بعد في رواي من السماء أحب إلي من الكذب». يعني أن هذا الرجل ما يكذب، هذا الرجل صادق اللهجة، صادق اللهجة، أي في الحديث، هكذا ظن الشافعي، وأخطأ رحمه الله تعالى؛ لأن الكلام والجرح فيه شديد، خاصة من الفحول، أئمة الجرح والتعديل، أمثال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن المديني، وغيرهم، كلهم تكلموا وطعنوا فيه، فمنهم من قال: خبيث، رافضي، معتزلي، شيعي، كل بلاء فيه، وهكذا، منهم من قال: متروك، ليس بشيء، فلا يروى عن أمثال هؤلاء، فالله المستعان. الرجل قد يغتر به، الحافظ قال في إبراهيم هذا بن أبي يحيى: قال: متروك. فانظروا، عبد الرزاق ما روى عن هذا المعتزلي، قال لي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وكان معتزلياً، يعني ليس من كلام عبد الرزاق، وكان معتزلياً، وإنما هو من كلام المؤلف، وضعها بين قوسين. قال: «أرى المعتزلة عندكم كثيراً»، قلت: نعم، وهم يزعمون أنك منهم، قال: «أفلا تدخل معي هذا الحانوت حتى أكلمك؟». يقول لعبد الرزاق: تعال معي ندخل هذا الحانوت، يعني الدكان، وأكلمك. قال عبد الرزاق: لا. قال: قال لما قلت: «لأن القلب ضعيف، والدين ليس لمن غلب». لأن القلب ضعيف، والدين ليس لمن غلب. رفض الإمام عبد الرزاق أن يدخل الدكان مع إبراهيم بن أبي يحيى لأنه معتزلي، وعبد الرزاق إمام عنده علم، فقال: تعال ندخل الدكان وأكلمك، يعني يكلمه في ماذا؟ يقول لك في حالك: صباح الخير؟ لا، يكلمه في هذه المسائل، مسائل الدين، فسيلقي عليه بعض الأمور، بعض الأمور التي هو يعتقدها. فقال عبد الرزاق: لا، لن أدخل معك. قال لما قال: «لأن قلبي ضعيف، أنا ما قلبي ما أملكه ضعيف، فربما تتكلمني وأنا أصدق، أو أن أقل شيء تدخل هذه الشبهة وأجلس أفكر فيها». ثم قال: «الدين ليس بالجدال»، حتى لو أنا ما أصدقت، إذن سنرجع إلى أمر آخر، وهو ماذا؟ أننا نتجادل، أنت تقول الحق معي، وأنا أقول الحق معي، نجلس نتجادل أنا وأنت، فالدين ليس بالجدال، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى، لذلك الذي دخل عنده وأراد أن يناظره، قال: «فإن غلبتني»، قال: اتبعتني، قال: «فإن غلبتك»، قال: اتبعتك، قال: «فإن جاء ثالث فغلبنا»، قال: اتبعنا، قال: «اذهب إلى شاك مثلك، اذهب إلى شاك مثلك، فأنا على ثبات من ديني». قال: إذا يصير ديننا عرضاً للتنقل، تارة معي، تارة معك، تارة مع فلان. هكذا أصحاب الوجوه الكثيرة الآن، بعض ممن ينتسب إلى السنة، تارة سني، بعد فترة إخواني، بعد فترة مع أصحاب الجمعيات، بعد فترة مع أصحاب ماركس ولينين، يعني شيوعي اشتراكي عادي، لماذا؟ لأنه جعل دينه عرضاً للتنقل، تارة هؤلاء على حق، ثم هؤلاء على حق، ثم هؤلاء على حق، فبين هؤلاء يفتن، يفتن الرجل في دينه بسبب هذا الأمر. لكن لو من البداية وضع له حاجز، قال: لا، الدين ليس للتنقل، أنا ما أجالس هؤلاء، وليس عندي قدرة أن أجالس هؤلاء، أو قوة أو طاقة أجادلهم وأناظرهم، فربما يغلبوني، أو تستقر الشبه التي ستلقى في قلبي، فالقلوب ضعيفة. قال إسماعيل الطوسي رحمه الله: قال لابن المبارك: «كن مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة». يعني تجلس مع المساكين أفضل، المسكين الذي ليس عنده شيء، اجلس معه لأنك ستسلم، المسكين ما سيلقي عليك شبهاً، لأن يكون مجلسك مع المساكين أفضل من أن تجالس صاحب بدعة فتذهب إلى بدعته. ثم قال: وقال الفريابي رحمه الله: كان سفيان الثوري ينهى عن مجالسة فلان، يعني رجلاً من أهل البدع. ثم قال: وكان فروة بن يحيى يجالس عبد الكريم خُصَيْفاً، فقدم عليهم سالم الأفطس من العراق، وسالم الأفطس هذا الذي هو من العراق كان مرجئياً، كان مرجئياً، سالم الأفطس عنده بدعة اسمها الإرجاء، وقد تقدم معنا الإرجاء، تأخير العمل عن الإيمان، يعني الإيمان بالقول، الإيمان بالقول أو بالقلب، فهمهم من يخرج الأعمال، ومنهم من يخرج الأعمال والأقوال، يكفي أن يؤمن بقلبه، فعندهم أنه لا يزيد ولا ينقص. فهذا سالم الأفطس هو ابن عجلان الأموي مولاهم، قال الحافظ الثقة، روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وقتل هذا سالم الأفطس صبراً، ومعنى قتل صبراً أي حبساً، قتل حبساً. قال: جاءهم سالم الأفطس من العراق، فتكلم بشيء من الإرجاء، فقاموا عن مجلسهم، جلس الرجال، الضيف عندهم أولاً، الجماعة، لما جلس مباشرة بدأ يتكلم في الإرجاء، في الأمر هذا الذي هو عنده، وهي البدعة، بدعة الإرجاء، فالجماعة ما تحملوا، قاموا وتركوا. قال الراوي: وربما رأيته جالساً وحده، لا يجلس إليه أحد، لا يجلس إليه أحد. هكذا يصنع الرجال إذا رأوا صاحب الشبه وأهل الأهواء، ما يجلسون معه، بل ينبذونهم ويتركونهم حتى يعودوا إلى رشدهم، فإن الشخص إذا رأى أن الناس نفروا عنه، قد يكون هذا حافزاً له للرجوع، حافزاً له للرجوع إذا هجر وترك. أنه صاحب هواء، ما نجلس، أعلن محاضرة، ما أحد يروح، واضح، ما نروح، ن