كتاب البيوع 31

الدرس في كتاب البيوع 31، ألقاها

تعريف الربا والصرف وتحريمهما

يتناول تعريف الربا والصرف في اللغة والشرع، وتحريم الربا بالكتاب والسنة والإجماع. يبين أن الربا من الكبائر ويشرح أنواع الربا هما ربا الفضل وربا النسيئة.

تحريم الربا بنوعيه ووجوب التقابض

يناقش تحريم الربا بنوعيه، ربا النسيئة وربا الفضل، مستندًا إلى أحاديث نبوية. يبين وجوب التقابض والتماثل في المعاملات التي تتضمن أصنافًا ربوية مثل الذهب والفضة.

تطبيق أحكام الربا في بيع التمر

يشرح حديثا نبويا عن بيع التمر وبيان أن مبادلة تمر رديء بتمر جيد هو ربا. يوضح كيفية البيع الجائز بتفادي الربا.

التسبيح والاستغفار وتأكيد العقيدة

يتضمن الدعاء بالتسبيح بحمد الله والاستغفار والتوبة إليه. يظهر التزام العقيدة الإسلامية وتأكيد الخضوع لله الواحد الأحد وإقرار العبد بذنبه ورجوعه إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع: باب الربا والصرف. قوله رحمه الله تعالى: باب الربا والصرف. الربا في اللغة: الفضل والزيادة، وهو مقصور على الأصناف الربوية، ويجوز أن يثنى ربوَان بالواو على الأصل، أي أن أصل الألف فيه واو، وقد يقال: ربيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه، فيقال: ربوي. قاله أبو عبيد. وزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ، لا يقال: ربوي بالفتح، ولكن يقال: ربوي. وربيان. ورب الشيء يربو إذا زاد. وأربى الرجل بالألف: دخل في الربا. ذكر هذا الفيومي في "المصباح المنير"، وبنحوه ابن الأثير في "النهاية". وأما شرعا، فقد ذكر له العلماء رحمهم الله تعالى عدة تعاريف. فقال ابن الأثير رحمه الله تعالى في "النهاية": وهو في الشرع الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع. وقال ابن قدامة: هو الزيادة في أشياء مخصوصة. عرف ابن قدامة في "المغني" فقال: هو الزيادة في أشياء مخصوصة. وقال ابن الملقن في شرحه للعمدة في كتاب الإعلام: أنه اسم لمقابلة عوض بعوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع ما يخير في البدلين أو مع ما يخير في البدلين أو أحدهما. قال: فإذا باع ربويا بمثله واتفق الجنس، فلابد من الحلول والمماثلة وعدم التفرق قبل التقابض. وفي نسخة الإعلام: وعدم يعني والتفرق قبل التقابض. لكن نبه المحقق على زيادة لابد منها، وهي قوله: عدم. قال: وإن اختلف وكان من نوعه، كذهب وفضة، وحنطة وشعير، جاز التفاضل، لكن يجب التقابض. يعني إلى هنا انتهى كلامه. يعني جاز التفاضل، لكن يجب التماثل. والشيخ العثيمين رحمه الله تعالى قال في "الشرح الممتع" بعد أن ذكر التعريف الأول: هو الزيادة في أشياء مخصوصة. ونحن قال: قاصر. ثم قال: إن ربا الفضل هو التفاضل في بيع كل جنس بجنسه مما يجري فيه الربا. وربا النسيئة: أخير القبض فيما يجري فيه الربا. وهذا لعله أوضح هذا التعريف الأخير. لعله أوضح وأقرب للمعنى الشرعي، لأن الربا ليس محصورا ولا مخصوصا على الزيادة، لأن الأشياء إذا لم تكن من جنس واحد، كما تقدم، يجوز فيها التفاضل، لكن لا يجوز النساء. وإذا كانت من جنس واحد أو من نوع واحد، فإنه لا يجوز فيها التفاضل، كما سيأتي معنى بإذن الله عز وجل في المسائل. وأما الصرف، فهو مصدر صرف يصرف صرفا، إذا دفع ذهبا وأخذ فضة أو عكسه. فإن باع ذهبا بمثله أو فضة بمثلها، سميت مراطلة. والصرف الآن المتعامل به غالبا في الأوراق النقدية. فقال: اصرف لي كذا. طيب. قال ابن الملقن رحمه الله تعالى: وهل الصرف مشتق من التقلب، ومنه صرف الدرهم، أو من الصريف وهو الصوت المتولد عن تحريك أحد النقدين، أو من الوزن؟ ومنهم من قال: لما روي عن النبيه صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. قال: أقوال لأهل العلم. وصحح النووي في شرحه لمسلم: أنه سمي صرفا لصرفه عن مقتضى المبايعات، من جواز التفاضل وعدم التفرق قبل التقابض والتأجيل. قال: يعني واضح. هذا يقول الآن لما يسمى بهذا؟ يقول: لصرفه. سمي صرفا لصرفه عن مقتضى المبايعات، من جواز التفاضل وعدم التفرق قبل التقابض والتأجيل. يعني الآن الأصل في الذهب أن يكون متماثلا، الفضة بالفضة يكون متماثلا، لكن الذهب بالفضة لا بالتفاضل. يعني مثلا عندي عشر دراهم أصرفها مثلا بدينار، هذا يجوز أو لا يجوز؟ يجوز. فالتفاضل جائز، لكن يشترط فيه أن يكون متقابضا في مجلس واحد. قال: وإنما خص المصنف الصرف بالذكر، وإن كان داخلا في الربا، لأن الربا فيه أضيق من غيره. يعني صرف. يقول: حقيقته داخل في معنى من معاني الربا، ولكنه مخصوص محصور، بخلاف الربا. الربا يدخل في عدة أشياء، وفي عدة أنواع، وفي عدة أجناس. فيقول: ذكره لأجل هذا المعنى. ذكره لأجل هذا المعنى. مسألة: حكم الربا. الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو كبيرة من الكبائر. قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ [البقرة: 275]. وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَانُ مِنَ ٱلۡمَسِّ﴾ [البقرة: 275]. وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ۝٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-279]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات..." وذكر منها: "أكل الربا". متفق عليه. وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله". وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء". هم سواء في المأثم واللعنة. وقال النووي رحمه الله: أجمع المسلمون على تحريم الربا، وعلى أنه من الكبائر. قال: وقيل: إنه كان محرما في جميع الشرائع. قال: وممن حكاه: الماوردي. والله سبحانه وتعالى أعلم. مسألة أخرى: الربا على ضربين: ربا الفضل وربا النسيئة. ربا الفضل: الربا بالزيادة فيما لا يجوز فيه التفاضل شرعا. مثاله: أن أبيعك صاعا من التمر بصاعين. سواء كان جيدا بجيد أو جيدا برديئ. بيع التمر بتمر من أصناف الربوية. فيجب فيه التماثل. فمن باع صاعا بصاعين، فوقع في الربا. في ربا الفضل. لأنه زيادة. وربا النسيئة: هو بيع ربويين بربوين مع تأخير التقابض فيهما أو في أحدهما. يعني مثاله: أبيعك صاعا من التمر بصاعين أو بصاع مثلا بصاعين أو بصاعين من الشعير نسيئة. يقول له: غدا أتيك بالثمن. أو يقول له: تبيعوني عشرين درهما بدينار إلى غد. وهو الصرف. فإن قال: نعم. وتم العقد عليه. لا يكون من النسيئة. يكون من النسيئة. لماذا؟ لأنه لم يحصل التقابض في المجلس. سواء كان يعني المجلس أن يكون في المجلس التقابض من الطرفين، أو قبض أحدهما وتأخير الآخر. كله يدخل في النسيئة. ما حكمه؟ أو ما حكم الربا بنوعيه؟ قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في "المغني": وقد أجمع أهل العلم على تحريمهما. وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة. فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير: أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة. لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ربا إلا في النسيئة". رواه البخاري. والمشهور من ذلك قول ابن عباس. أي المشهور هذا القول. هذا المقال. أنه خالف ابن عباس. بخلاف أولئك. لم يشتهر عنهم أنهم خالفوا. فالله أعلم: هل ثبت عنهم أم لا؟ وابن عباس رحمه الله تعالى ورضي الله عنه وأرضاه. روي عنه أنه رجع. ذكر هذا إمام الترمذي وابن المنذر وغيرهما: أنه رجع. أنه كان يقول بذلك، ثم لما أخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الربا بنوعيه، تراجع عن هذا. وبعضهم حكى عنه أنه لم يتراجع. وبعضهم حكى عنه أنه لم يتراجع. وإن قيل: بأنه لم يتراجع. وثبت هذا عنه: أنه لم يتراجع حتى الموت. فيكون هذا خطأ منه رضي الله عنه وأرضاه. والصواب القول بتحريم الربا بنوعيه: ربا النسيئة وربا الفضل. لأدلة كثيرة. ومنها أدلة الباب. حيث ذكرها الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء". قوله رضي الله عنه: وارضاء. قول عمر رضي الله عنه: وارضاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب ربا..." الذهب معروف. ومعنى قوله: "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وها". ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن الخليل: أن ها وها كلمة تستعمل عند المناولة. والمقصود من قول: ها وها: أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: ها. فيتقي بضاعته في المجلس. وذكر بعضهم: أنها أصلها هاك هاك. وهاك بمعنى خذ. بيدك وآخذ. وعلى كلا المعنيين. المعنى كما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: المقصود منه أن يحصل التقابض. أن يحصل التقابض. وهل معنى هذا: ها وها إن حصل التقابض لم يحصل لفظ؟ لم يقول أحدهم: ها والآخر قال: ها. هل يكون ربا؟ الجواب: لا يكون ربا. وإنما المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: "ها وها" التأكيد على حقيقة التقابض. التأكيد على حقيقة التقابض. وأن التقابض يحصل حقيقة. وهذا كما كانوا يتعاملون. يقول أحدهم للآخر: ها. أي خذ. والآخر يقول له: خذ. واضح هذا أم لا؟ يعني سواء قال: خذ. والآخر قال: خذ. أو قال: هات. وهذا قال: خذ. أو لم يحصل تكلم. وإنما اتفقا: تبيعني كذا. يقول: نعم. كما مر معنا في البيوع. تبيعني هذا الذهب عشرين دينارا مثلا بمئة درهم. قال: نعم. فهذا مد يده والآخر مد يده. هذا أخذ. هذا أخذ. تم البيع. لابد من التقابض. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا هاء وهاء" في الذهب بالذهب. وفي الفضة بالفضة. وفي البر بالبر. والشعير بالشعير. يدل على وجوب التقابض في هذه الأصناف. فما كان من هذه الأصناف الربوية. ما كان نوعها واحدا. فإنه يجب فيه التقابض. يجب فيه التقابض على ظاهر هذا الحديث. ويجب فيه التماثل. كما سيأتي في الحديث الذي يليه بإذن الله جل وعلا. فيستفاد من حديث عمر رضي الله عنهم وأرضاه: وجوب التقابض فيما كان من نوع واحد من الأصناف الربوية. وفي هذا الحديث ذكرت أربعة أصناف من أصناف الربوية. وسأتي معنى بإذن الله جل وعال: كلام على هذه المسألة. أي ما هي الأصناف الربوية؟ أو ما هي الأصناف التي يدخلها الربا؟ ويجب فيها التفاضل أو لا يجب فيها النسأ؟ ساتي معنى بإذن الله جل وعال: كلام على هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورقة بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز". قال: وفي لفظ: "إلا يدا بيد". وفي لفظ: "إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء". قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب". يدل على أن هذه المعاملات هي نوع من أنواع البيوع. هذه المعاملات. أي شراء الذهب أو بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة. هي نوع من أنواع البيوع. فإن كانت بشروط البيوع الجائزة. فهي جائزة. وإن اختل شرط من شروطها. فتكون من قسم البيوع الممتنعة المحرمة. فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل". فيه دليل على وجوب التماثل في هذه الأصناف المذكورة. قال: "ولا تشفوا بعضها على بعض". ومعنى: لا تشفوا. أي لا تزيدوا بعضها على بعض. هذا يدلنا كذلك. أي لا يدلنا على ما تقدم ذكره من أن هذه الأصناف: الذهب والفضة. جاء الحديث: "ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض". كذلك. أي لا تزيدوا بعضها على بعض. لا يكون أحدها أزيد من الآخر. فمثلا لو اشترى إنسان مثلا عشرين دينارا من الذهب جديد بواحد وعشرين دينارا من الذهب قديم. لكن تقابض في المجلس. هل يجوز هذا؟ الجواب: لا يجوز. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل". إلا مثلا بمثل. سواء كان من نوع واحد. أي كان جيدين أو كان رديئين أو إلى غير ذلك. لابد فيه من مماثلة. ولو كان يقول أحدهم الآن: عندنا من الذهب الآن مثلا موجود في السوق عيار أربع وعشرين. وهو ذهب صافي. ونوع الثاني من الذهب واحد وعشرين. فهل يجوز بيع هذا مثلا عشرين جراما من عيار أربع وعشرين بخمسة وعشرين جراما من عيار واحد وعشرين؟ نقول له: لا يجوز. لا يجوز. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الذهب بالذهب". قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض". أي لا تزيدوا بعضها على بعض. هذا نص واضح صريح فيما ذا؟ في النهي عن هذه البيوع. وأنها من أنواع الربا. وقوله كذلك: "لا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل". كذلك الحكم هو الحكم. وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز". غائبا بناجز. ذكر بعض أهل العلم: أن هذه زيادة إنما انفرد بها الإمام مسلم رحمه الله تعالى دون البخاري. وقوله: "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز". أي فيه دلالة على وجوب التقابض. فإذا في حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه: دليل على تحريم نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسيئة. ربا الفضل في قوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض". ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض. ثم قال: "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز". قول: "لا تبيعوا منها غائبا بناجز". فيه دلالة على تحريم النسأ في هذه الأصناف. فالربا يدخل في هذه الأصناف باعتبار التفاضل. ويدخل فيها باعتبار النسأ. أي باعتبار التأخير والتأجيل. قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين لك هذا؟" قال بلال: كان عندي تمر رديء. فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه أوه. عين الربا. لا تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به". قوله عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاء بلال. بلال رضي الله عنه وأرضاه معروف. صاحب مناقب. ومن أهل الثبات على دين الله جل وعلا. وقصته معروفة مشهورة في تعذيبه وفي صبره على دين الله جل وعلا. وقد كان عمر رضي الله عنه وأرضاه الخليفة الراشد يقول: "بلال سيدنا. وأعتق سيدنا بلالا". يريد أن بلالا ساد أهل الإسلام بما له من تقواه وبدينه. رضي الله عنه وأرضاه. قوله: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني. والتمر البرني يعد من أفضل أنواع التمر التي في المدينة. وفي المدينة أنواع كثيرة من التمر. ذكر بعضهم أنها بلغت نحو من عشرين ومئة نوع. نحو من عشرين ومئة نوع. فقوله: بتمر برني. أي تمر من التمر الجيد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين هذا؟" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين هذا؟" يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجب. بأن يأتي بلال بهذا النوع من التمر. وهو يعلم أنه ليس تمر جيد. ليس تمر جيد. وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا شك في مطعوم ما. فله أن يتحرى ويسأل عنه. ولا يكون هذا من باب التنطع ولا من باب التشدد. لا سيما إذا شك. ولو كان ذلك الطعام الذي جاء به رجل من أهل التقوى وأهل العدالة. لكن ربما يقع في نفسه شيء. ولابد أن يكون هناك قرينة تدل على ذلك الشيء. ما تكون وسوسة. ما تكون مجرد وسوسة. يشك في كل شيء. لا. إذا كان ثم قرينة. كما هاهنا. النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن ما عندهم من هذا النوع الجيد. فلما رأى النوع الجيد. قال: "من أين هذا؟" فمثل هذا لا بأس أن يسأل الإنسان عن الطعام إذا شك في ذلك الطعام. وقوله: "من أين هذا؟" فقال بلال: "كان عندي تمر رديء". في إشارة إلى أن بلالا رضي الله عنه غيره من الصحابة. كان ربما ملك تمرا رديئا. والدخل شيئا من التمر. وقوله: "تمر رديء". يدلنا على ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التقلل في العيش. من التقلل في العيش. فكان هذا التمر مما كان يطعم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذا قال: "فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم". والصاع كما تقدم معنا: أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم. وبعض أهل العلم يقوم بمد الرجل المتوسط. فقال: "بعت منه صاعين بصاع". يقول بلال: "بعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم". ففيه ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من حبهم لإكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضا: أن النوايا الحسنة. النوايا الحسنة لا تغير الحكم الشرعي. النوايا الحسنة والمقاصد الطيبة لا تغير الحكم الشرعي. فبلال نيته حسنة ومقصده صالح. يريد أن يكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن يطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء الجيد. ولكنه وقع فيما وقع من هذا الأمر المحرم. ولم يكن ذلك أو تلك النية وذلك القصد سببا لإباحته له أو لاعتذار له. وفيه أيضا: أن من الصحابة ممن قد يكون قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تخفى عليه بعض المسائل من المسائل الربوية. كما حصل لبلال رضي الله عنه وأرضاه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أوه". وكلمة "أوه" كلمة يقالها. يقولها الرجل عند الشكاية. وعند التوجع. هذه كلمة "أوه" تؤتى أو يؤتى بها عند ماذا؟ عند التوجع من شيء يتوجع منه. وقال: "أوه". فالنبي صلى الله عليه وسلم تألم وتوجع. أن يكون هذا الأمر قد حصل من بلال. تألم وتوجع. أن يكون هذا الأمر قد حصل من بلال. ثم نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له: "عين الربا". عين الربا. أي هذا الفعل الذي فعلته يا بلال. هو عين الربا. لماذا؟ لأنه بعت شيئا بشيء آخر من جنسه متفاضلا. بعت شيئا بشيء آخر من جنسه متفاضلا. وهذا فيه دلالة على تحريم التفاضل. على تحريم ربا الفضل. فيه دلالة على تحريم ربا الفضل. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوه. عين الربا". أي الربا. أي ذات الربا. العمل الذي فعلته هو ذات الربا. وهو عين ماذا؟ وهو عين الربا. فقال: "لا تفعل بعد أن قاله عين الربا". لا تفعل ذلك مرة أخرى. لا تفعل ذلك مرة أخرى. الدليل على هذا: أنه قال: "ولكن إذا أردت أن تشتري". أي في المستقبل. "ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به". وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل". ولكن فيه إرشاد. وفيه دلالة على أن المفتي أو الحاكم أو المعلم إذا نهى الناس عن مسألة ما. عليه أن يبين لهم ما يجوز لهم في تلك المسألة مما لا يجوز. فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بين لبلال رضي الله عنه وأرضاه البيع المحرم. بين له ما يجوز من البيع في مثل هذا. ما يجوز من البيع في مثل هذا. وفيه أيضا دلالة على أنه يجوز أن يباع الربوي بشيء آخر ليس من جنسه. بيع الربوي بشيء آخر ليس من جنسه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قاله: "ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر". مثلا بيعه بشعير. بيعه بدراهم. بيعه بما شئت. ولكن إذا كان بشعير أو نحوه مما هو من جنس واحد. اشترط فيه ماذا؟ التقابل. ثم بيع ماذا؟ ثم اشتر به. واضح. يعني مثلا عندي صاعين من تمر رديء. يقول لي أن أبيع التمر مثلا بعشرة دراهم. ثم أشتري بهذه الدراهم ماذا؟ صاعا من تمر جيد. أو أبيع التمر الذي مثلا بصاعين من شعير. ثم أشتري بهذه الصاعين صاعا من إيش؟ من تمر. وهكذا. فهذا جائز. هذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على