شرح رسالة فضل الإسلام 22

شرح رسالة فضل الإسلام 22

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الإسلام في القرآن الكريم وإسلام الوجه لله

يتناول المقطع الأول تفسير كلمة الإسلام في القرآن الكريم من خلال آية في سورة آل عمران، حيث يشير إلى أن الإسلام يعني الاستسلام الكامل لله تعالى. كما يشرح المقطع الثاني معنى إسلام الوجه لله ويبين أنه يعني الإخلاص لله تعالى في الأعمال والأقوال والاعتقادات.

أهمية الإخلاص والاتباع في الإسلام

يُوضح المقطع الثاني أن الإسلام الحقيقي يتطلب الإخلاص والاتباع لسنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. كما يشدد المقطع الرابع على أهمية اتباع سنة رسول الله في كل أحواله وأفعاله وأقواله.

التحذير من الانصات للكفار والتسلح بالعلم

يجب على المسلم أن يتسلح بالعلم لتحصين نفسه من شبهات الكفار، خاصة عند الاحتكاك بهم في بلاد الغرب. وقد حذّر العلماء من الانصات لهم والانخراط في جدل معهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تفسير الإسلام وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية وهو بصدد ذكر التفسير لكلمة الإسلام، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ هذه الآية من سورة آل عمران، والتي كانت فيها آيات كثيرة تتحدث عن النصارى وما يتعلق بعقائدهم في عيسى وفي مريم. وكان من ما ذكر من هذه الآيات حول قدوم وفد أهل نجران على رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ كانوا من النصارى، بل الذي قدم على رسول الله من أكابرهم، ومن كبرائهم السيد والعاقب، كما جاءت بذلك الآثار، منها في الصحيح ومنها خارج الصحيح، كما ذكر ذلك المسعودي وهكذا البيهقي في دلائل النبوة. وكان مقدم هذا الوفد في السنة التاسعة للهجرة في عام الوفود، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عندهم من الأمور التي يجادلون فيها نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان من أصول مجادلتهم حول صحة ما هم عليه من دين النصراني. فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾، وكان من أعظم حاجاتهم في موضوع الإسلام، ولهذا قبل هذه الآية قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، قبل هذه الآية: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ثم جاءت هذه الآية: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾. الأصل أنك أخبرتهم وأبلغتهم أن الدين المرضي والدين المقبول عند الله جل وعلا هو دين الإسلام، لكن إن أبوا وأرادوا بعد هذا كله أن يحاجوك، ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ فاستمروا في محاجاتك، فانت امضي على ما كنت عليه، فقل: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ﴾، قال: أنا مسلم شئتم أم أبيتم، هذا ديني. لكن انظر هنا لم يقل نبينا على لسان رسوله: أسلمت، وإنما أشار أيضًا لمسألة مهمة في بيان حقيقة هذا الإسلام الذي استسلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ﴾ أي دخلت في الإسلام، ما هو هذا الإسلام؟ ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، أسلمت وجهي لله، وهذا فيه بيان، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من بيان أن هذه الآية احتوت على تفسير كلمة الإسلام. فما هو الإسلام؟ هو إسلام الوجه، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، وهنا الوجه -إخواني في الله- بمعنى البدن كله، لكن هنا في هذا الباب يقول العلماء: هذا من باب ذكر البعض وذكر الجزء ويراد به الكل، يراد به الكل، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فتحرير رقبة، فهل الرقبة -رقبة العبد- هي التي تحرر أم البدن كله؟ البدن كله. وإنما هذا من هذا الباب من ذكر البعض ويراد به الكل، فهنا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ بمعنى أن الوجه وأن الجسم كله استسلم لله، فدخل في ذلك أن الوجه أسلم لله، وأن القلب أسلم لله، وأن الأعضاء والجوارح أسلمت لله، وأن الإرادات والمقاصد أسلمت لله، فالمسلم كله قد استسلم لله سبحانه وتعالى. وهنا فائدة كذلك أن ذكر الوجه -إخواني في الله- قال العلماء: له نكتة عظيمة، وهي طبعًا ذكر الوجه لأنه هو العضو وهو محل يعتبر كما يعبر به العلماء أنه من أشرف الأعضاء، فجمال الإنسان وبهاؤه في وجهه، وزد على ذلك فائدة وهي أن الوجه هو مركز الإحساس، فحواس -حواس الإنسان- جلها في وجهه، التركيز في وجهه. وبهذا إذا علم إذا الشخص إذا أسلم وجهه إلى جهة معينة فإن البدن تبع للوجه، البدن تبع للوجه، فإذا التفت الوجه إلى جهة فالبدن يلتفت معه، فالبدن يلتفت معه، فإذا كان كذلك فالوجه إذا أسلم وجهه لله إذا لابد للأعضاء أن تسلم وجهه لله أيضًا، فمن التناقض أن يسلم وجهه لله وأعضاءه تلتفت يمنة أو يسرة، هذا لا يكون، بل هذا التناقض لأن من أصول التوجه أن البدن يتجه حيثما توجه الوجه، لأن الوجه هو مركز الحواس ومركز الأحاسيس. وهذه الآية -أخوانا في الله- ذكر ربنا كثيرًا في كتابه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، فهذا هو الإسلام، هو أن الإسلام عبارة أن الإنسان بكليته ظاهرا وباطنا يستسلم لله سبحانه وتعالى. ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي أن هذا الإسلام وهو الذي نادى به نبينا صلى الله عليه وسلم وحاج به الكفار، وهو إسلامي الذي ارتضاه الله لي، بأني قد أسلمت وجهي لله، هذا ليس خاص به، وإنما كذلك من اتبعني، فكل من كان من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وكلنا أتباعه، إذا ما الذي علينا؟ علينا أن نسلم كما أسلم. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام قد توجه بكليته إلى ربه جل وعلا إذ عانا لهذا الدين، فنحن كذلك علينا أن نسلم جميعًا ظاهرا وباطنا نسلم لله سبحانه وتعالى. وهذه الآية -إخوان في الله- اجتمعت على فوائد، منها أولًا التفسير لكلمة الإسلام، وأن الإسلام هو استسلام، هو إسلام الوجه. وقد دارت كلمة المفسرين على أن إسلام الوجه هو بمعنى الإخلاص، بمعنى الإخلاص، هذا هو إسلام الوجه، أن تكون أعمالك وأفعالك وأقوالك واعتقاداتك وإراداتك ومقاصدك كلها لله، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله، هذا هو الإخلاص، هذا هو حقيقة الإسلام -يا عبد الله- أنك تخلص كل شيء لله جل وعلا، فأنت لا تصرف شيئًا لغير الله. فإن فعلت كنت من الكافرين، ولا أن تجعل لله شريكا، لأنك إن فعلت كنت من المشركين، فحين -يا عبد الله- خروجك عن الإخلاص إما أن يوقعك في الكفر، كأن تصرف شيئًا لغير الله، أو يوقعك في الشرك، إن جعلت مع الله شريكا، فما هناك إلا الإخلاص، وهو إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى. وهنا فائدة -إخواني في الله- في هذه الكلمة: إسلام الوجه، تجد أن هذه الكلمة، والذي قد مر معنا، ومنهم من نقل الاتفاق، اتفاق المفسرين على أن إسلام الوجه بمعنى الإخلاص، تجد أن هذه الكلمة تُقرن بكلمة أخرى، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، لله وهو محسن. قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، الجمع بين هاتين العبارتين وبين هاتين الجملتين: إسلام الوجه والإحسان، ما مفادها؟ قال العلماء: مفادها على أن دين المسلم ينبني على هذين الأمرين، أولهما إسلام الوجه لله، وهو الإخلاص، والإحسان في العمل، وهو الاتباع. فلا قوام للدين -يا عبد الله- ولا تصح الأعمال إلا بهذين الأمرين: بالإخلاص وبالاتباع، الإخلاص من أسلم وجهه لله، والاتباع وهو محسن، تكون محسنًا قد أحسنت العمل، ولا حسن للعمل إلا إذا كان على وفق سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. والإخلاص والاتباع هو حقيقة «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، فبالشهادة لله بالوحدانية هو الإخلاص، وبالشهادة لنبينا بالنبوة والرسالة هو الاتباع، وهذا هو حقيقة الإسلام -يا عبد الله-. الفائدة الثانية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾، كما قلنا هذا خطاب لما قد وقع لنبينا من محاجات الكفار لرسول الله، فيه بيان وإشارة إلى أن هذا المسلك قد سلكه الكفار قديمًا، ألا وهو فتح باب المهاترات والجدل والنقاشات وفتح باب المحاجة، وهذا الذي سلكه قديمًا لا زال الكفار عليه في العصر الحديث. انظر إلى قنواتهم وإلى كتابهم وإلى مفكريهم، كيف أنهم بين الفينة والأخرى يشغلون على أهل الإسلام بماذا؟ بإثارة الشبه، إثارة الشبه هنا وهنا وهنا، إما عبر كتبهم، وإما عبر قسيسيهم ورهبانهم وبطارقتهم وأساقفتهم، وإما عن طريق وسائل الإعلام المقرية والمقرؤة والمسموعة والمرئية، يبثون الشبه ولا زال. وهذا -إخواني في الله- فيه التحذير إلى أنك لا تنصت إليهم، فلا تلتفت -يا عبد الله- إلى ترهات الغرب، والعجيب -إخواني في الله- ومع وجود هذه القنوات الفضائية وما يسمى بالدشوش، حتى وجدت قنوات خاصة بالنصارى، توجد قنوات خاصة بالنصارى، وليست كلها بالإنجليزية، بل بعضها باللغة العربية، بعض قنوات للتنصير باللغة العربية. فتجد أحد المتهوكن من المسلمين من شدة الفراغ والحمق أنه يأتي إلى السم فيستمع إلى إيش يذكر هؤلاء؟ إيش يذكر؟ يذكرون الكفر، يذكرون الردة، يذكرون الزندقة، بل يذكرون ما فيه تضليل لك، فعلى ما يعدل تقحم نفسك فيما حرم الله أن تدخل فيه؟ فلا يجوز. ولهذا -إخواني في الله- قال العلماء: فيستفاد من ذلك إلى أن المسلم عليه أن يتسلح بالعلم، لأن شبهات الكفار هي لن تنقطع، مستمرة، مستمرة، قد يأتيك منها ما يأتيك شعرت بهذا أو لم تشعر، فكيف تتحصن منها؟ ما تتحصن إلا بالعلم. ولهذا نبينا عندما أرسل معاذ بن جبل إلى أهل اليمن، وكانوا على الدين النصراني، عندهم اليهود، قال: «إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه» الحديث، قال العلماء: نبينا عندما نبه معاذًا إلى أنه سيأتي إلى قوم -بين قوسين- أهل كتاب، قال العلماء: إشارة إلى أن عندهم علم، فتسلح -يا معاذ- بالعلم. وعلى هذا -إخواني في الله- تجد أن فتاوى العلماء في هذا العصر خاصة عندما يسألون حول المبتعثين، هو الذي تأتيه بعثة، ومن أراد أن يذهب إلى بلاد الكفر لحاجة، يذهب بعضهم للتجارة، وبعضهم لعلاج، وبعضهم للدراسة، ولابد لحاجة، فإن العلماء ينصحون ويوصون من أمثال هؤلاء بضرورة التسلح بالعلم، وإلا ستكون -يا عبد الله- لقمة سائغة للكفار. وكم رأينا، كم رأينا من أناس بالأمس كانوا من أهل لا إله إلا الله، فإذا بهم اليوم من عباد الصليب، ارتدوا، تجد أن هؤلاء لارتباطهم واحتكاكهم بالكفار في بلاد الغرب خاصة، وأنهم يستمعون وينصتون، إذا كان بعض من المسلمين من ارتداده في بلاد المسلمين يرتد لما يسمع عن شبهاتهم عن بعد، فما ظنك بالذي يعيش بين ظهرانيهم؟ فهو أولى أن يتحصن بالعلم النافع، وخاصة بالعقيدة الصحيحة. وتأمل أيضًا كما يقول العلماء في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي إن كانت المحاجة من عندهم، فرد عليهم، قال، ولم يقل الله: وحاجهم، قال، واستدل العلماء على التحذير من الجدل، لا تجادل، لا تجعل دينك عرضة للجدل، قال: إن أمنك تدعو: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ فرد عليهم، فلا تجعل تثير -يا عبد الله- ذبذبة وتجعلهم إضمارًا في التأثير على الناس، إنما التأثير بأن تبلغ دين الله سبحانه وتعالى من غير جدل ولا من غير مهاترات. والفائدة كذلك الأخيرة التي نقف عندها أن في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي أني أسلمت وجهي لله، وهكذا من اتبعني قد أسلم وجهه لله، وفيه إشارة إلى أن أتباع أتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام صدقًا وحقًا لا كذبًا، والدعاة إلى الله، أن من طريقتهم اتباع ما سار عليه نبينا صلى الله عليه وسلم. فيقول نبينا: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ كذلك قد أسلم وجهه لله، وهذا مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، كذلك من اتبعني على هذا الدين هو كذلك يدعو على بصيرة. وفي ذلك -إخواني في الله- إشارة إلى أن المسلم يحرص على أن يلازم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، وفي كل أفعاله وأقواله، وفي كل أموره وشؤونه، كيف لا وهو أسوتنا؟ «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، وبهذا استدل العلماء على قضية عموم التشريع، فكل ما جاء به رسول الله فهو تشريع لنا، إلا ما خصه الدليل. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.