الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 54، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ملة إبراهيم تقوم على عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، ومن يرغب عنها فقد سفه نفسه. يُبين أن اتباع ملة إبراهيم أمر ضروري للمسلم.
السفه في القرآن يُفسر على أنه ضد الرشد أو بمعنى الجهل، والكفار يُعتبرون سفهاء لخروجهم عن ملة إبراهيم. يُبين المقطع تفسير العلماء لهذا المفهوم.
المسلمون الراسخون في التوحيد هم الأكمل عقولًا، وإبراهيم عليه السلام اصطفاه الله وفضله في الدنيا والآخرة. يُبين فضل إبراهيم وأهمية التوحيد.
يُبرز أهمية الإصلاح وأداء حقوق الله وحقوق خلقه، ويطلب من الله النفع بما قيل والصلاة على النبي وآله. يُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. هذا الاستدلال الثاني من استدلالات المؤلف -رحمه الله تعالى- لهذا الباب، والذي قد مضى معناه بالأمس، حيث استفتحه المؤلف -رحمه الله تعالى- بذكر الآيات التي جاءت في شأن إبراهيم عليه السلام، من أن الله سبحانه وتعالى جعله حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين. ثم ناسب أن يذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- ما يتعلق بهذه الملة التي بعث بها إبراهيم عليه السلام، فذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ﴾، في هذه العبارة يقال: فلان رغب في كذا، ويقال: فلان رغب عن كذا، فهناك فرق بينهما، ففي قولك: فلان رغب في كذا، بمعنى طلبه وأراده، وأما قولك: فلان رغب عن كذا، بمعنى تركه ولم يرده. فهذا الفرق بينهما. فأنت مثلًا تقول: أنا راغب في أخلاقك، أنا راغب في القرب منك، أنا راغب في كذا، أي أطلب. وفي هنا في هذه الآية، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ﴾، أي يترك. قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، والملة هنا بمعنى الدين، أي من يرغب عن دين إبراهيم. وقد ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن ملة إبراهيم عليه السلام تقوم على أمرين اثنين، أولاها: عبادة الله، ثانيها: عدم عبادة ما سوى. هذه هي ملة إبراهيم التي بعثه الله عليها، أولاها: عبادة الله، ثانيها: عدم عبادة ما سوى. ويقابل ملة إبراهيم ملة الشيطان، فهي أيضًا تقوم على أمرين اثنين، أولاها: عدم عبادة الله، والثاني: الإشراك به. فملة إبراهيم تقوم أولًا على أنك تؤمن بالله، ثم لا تجعل معه شريكًا كائنًا ما كان. وقد مر معنا في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ما كان من المشركين، فهذه ملة إبراهيم، هذه هي ملة إبراهيم التي نحن قد أمرنا بها، كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فنحن مأمورون باتباع ملته. وما ذكره ربنا جل وعلا في حق إبراهيم، وما كان عليه من صفات: ﴿كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ليس المراد فقط الإخبار أن هذا هو حال إبراهيم، بل المراد أن نتأسى به، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فنأتسي به، فهو القدوة للأنبياء ولمن كان بعدهم. فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، أي تارك وابتعد ونفر عن ملة إبراهيم، ما حاله؟ ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، أي وقع في السفه. وقد ذكر العلماء أن السفه يحتمل أن يراد به أمران اثنان، إما المقصود بالسفه هو ضد الرشد، فهو السفيه، أي أوقع هذا الذي ترك ملة إبراهيم أوقع نفسه في السفاهة والحماقة. هذا قول، لأن السفه يطلق على ضد الرشد. ومن أهل العلم من قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، أن السفه بمعنى الجهل، فيكون المعنى: إلا من جهل نفسه، ويكون المراد: أي أنه جهل ما ينبغي أن يكون لنفسه. أو كما نعبر نحن: هذا جاهل بمصلحة نفسه، جاهل. وأعظم الجهل -يا عبد الله- أنك تبعد هذه النفس عن ملة إبراهيم عليه السلام. إذن فعندي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، يحمل السفه على عدم الرشد، أو يحمل السفه على الجهل. ومن أهل العلم من جمع بين الأمرين، وقال: أن الآية تصلح أن تكون في هؤلاء في صفة السفه، أو في صفة الجهل. قال: وكيف ذاك؟ قالوا: إذا كان الشخص خالف ملة إبراهيم عمدًا وقصدًا، فهذا سفيه، وإن خالف ملة إبراهيم عن غير عمد، فهو جاهل. ونستفيد من هذا الوصف -إخواني في الله- نستفيد فائدتين عظيمتين، أولاها: أن الكفار سفها، لأنهم ما نووا ملة إبراهيم عليه السلام، ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا. فكل كافر، سواء كان يهوديًا أو كان نصرانيًا، فإنه من أهل السفاهة، عنده سفه، عنده عدم رشد، عنده ضلال في عقله. ولو كان يسمى عند الناس بأنه حكيم من الحكماء، دعك -يا عبد الله- من مقاييس البشر، البشر أحيانًا يأتون عند رجل كافر أو رجل زنديق من الزنادقة، ويسمونه حكيمًا من الحكماء، وإذ بهم يعظمونه ويشيدون به ويرفعون من قدره. هل هذا صحيح؟ لا، ما يجوز هذا، لأن هذا السفيه، في لسان الشرع، يعتبر السفيه كل كافر سفيه. مثاله: لا أذهب بعيدًا عن تلك الشخصية التي لا يزال الناس يعظمونها، وهو معروف باسم غاندي، هذا غاندي معروف، رجل من بلاد الهند، وله أقوال مسطرة، وله كتب مؤلفة، ولا زال الناس يعظمونه. قال غاندي في كتابه -ومن حكم غاندي- أنه قال: لكن -يا غاندي- هذا غاندي كافر، وليس أي كافر، بل كافر يعبد البقر، كافر يعبد البقر، أهذا تلتمس منه الحكمة؟ هذا ما يقول: تلتمس منه الحكمة؟ أتدري من أقوال غاندي هذا أنه مر سئل حول عبادته للبقر، فذكر من نفسه أنه يعظم أمه البقرة، يعظم أمه البقرة على أمه الحقيقية. ووجه التعظيم، قال: لأن أمي الحقيقية هذه إنما تعطيني اللبن لي -أي بالرضاعة ترضعني أنا-، لكن أمي البقرة ترضع الشعب بأكمله، هذه حماقة، سفيه. هذا هو غاندي، لهذا: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، فلا تغتر -يا عبد الله- بالألقاب التي يعطاها الكفار أنفسهم، فهم بما أنهم قد خرجوا عن ملة التوحيد، خرجوا عن ملة الإسلام، دخلوا في ملة الشيطان، فهم سفها، عندهم سفاهة. وفي الفائدة الثانية في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، دل مفهوم الآية على أنه من اتبع إبراهيم ليس بسفيه، بل أنه راشد، راشد عنده رشد. فكل مسلم موحد راشد، وإن المسلم كلما تمسك بالتوحيد، فإن رشده يكبر ويعظم، حتى قال من قال من بعض العلماء: أن أكمل الناس عقولًا هم أهل الإسلام، أكمل عقل أعطاه الله من القدرات، ومن الذكاء، ومن الفطنة والحذق، ما ليس عند الكافر. وهذا من بركة التوحيد، من بركة التوحيد. قد يقول قائل يسمع هذا الكلام: إيش تقول؟ ونحن نرى الدول العربية والإسلامية أصبحت معدودة من العالم الثالث، والغرب وصلوا إلى الاختراعات العظيمة. قال: لا -يا عبد الله- هذا ليس من قياس الذكاء، وإلا العرفهم أذكى من الغرب، بدليل وارجع -يا عبد الله- إلى التاريخ الذي كتب وصطر، أن تعرف أن هذه الاختراعات التي الآن موجودة ومنسوبة للغرب، إنما ابتدأوها تابعًا لما كان عند الإسلام والمسلمين. ما تسمع من الرياضيات، ومن المعادلات، ومن الطيران، ونظريات النووي والذري، وكل ما تسمعه، إنما بدأ به أهل الإسلام، هم الذين بدأوا به، والغرب يعترفون بهذا. وقد أُلِّفت كتب، ككتاب شمس العرب، تصطر على أرض الغرب، وذكروا كيف كان الغرب في شقاء، حتى أن من سفاهة أحدهم من الغربيين والأوروبية خاصة، أنهم كانوا إذا أراد أن ينام، يأتي بالوسادة ويجعلها تحت رجله، ولا يجعلها تحت رأسه. لماذا؟ يقول: لأن التعب والنصب في الرجلين -هي التي تمشي- فهي أحق بالراحة من الرأس، هذا سفه. هكذا كانت عقولهم، ما كانوا يعرفون شيء، حتى عرفوا ما عند العرب والإسلام، هي الاختراعات، فأخذوها، أخذوها، أخذوها، ثم طوروا. في حين أن المسلمين عندما ضيعوا دينهم، ضيعوا دنياهم، فأصبحوا في عزلة، ولو أنهم رجعوا للدين، رفعهم الله سبحانه وتعالى، لأن كما قلنا القاعدة: من تمسك بالتوحيد، يجعل الله له رشدًا. ولهذا أكمل الناس عقولًا هم أهل الإسلام، كما قال العلماء، ولهذا من بركة التوحيد. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، نستفيد هاتين الفائدتين: أن المشرك سفيه، وأن المسلم راشد. ثم قال سبحانه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾، اصطفيناه بمعنى اخترناه، أي إبراهيم عليه السلام، وجعله الله من الصفوة، إذ أنه من صفى يصفو، اختاره الله اختاره الله على جميع الأنبياء ما عدا نبينا عليه الصلاة والسلام، فما هناك أحد أفضل منه -صلواته ربي وسلامه عليه-. قال: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وإنه في الآخرة من الصالحين. والصالح -قد مر ذلك- معنى تكرارًا ومرارًا، هو الذي يقوم بحق الله وبحق عباده، هذا الرجل الصالح الذي يقوم بحق الله وبحق خلقه، وهكذا كان إبراهيم عليه السلام. وفي هذه الآية في فضيلة لإبراهيم عليه السلام، وأن الله زكاه في الدنيا، إذ أنه من المصطفين، وزكاه في الآخرة، إذ أنه من الصالحين. وفي كذلك بيان لعظم مقام الإصلاح، وأن تكون -يا عبد الله- رجلًا صالحًا، وهو أنك تؤدي حق الله وتؤدي حق خلقه، فهذا ما يذكر -إخواني في الله- في هذه الآية من مسائل. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.