الدرس في آداب خصال الفطرة 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الختان هو إزالة الجلد الزائد في الذكر أو اللحم الزائد في الأنثى، وهو من خصال الفطرة التي جاء بها الإسلام.
يستحب الختان عند الولادة، وله فوائد صحية، ويختلف العلماء في تحديد الوقت المستحب للختان.
الختان واجب على الرجال عند البلوغ، بينما يختلف العلماء في حكم ختان الإناث بين الوجوب والاستحباب.
يختتم الشيخ درسه حول الختان ويعلن عن متابعة خصال الفطرة في الدرس القادم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الإشارة إلى ما نحن بصدده في ذكر خصال الفطرة، فيها من الآداب العظيمة التي أتى بها الإسلام. وفي هذا المقام، ما سيأتي بإذن الله، الدخول والذكر لهذه الخصال التي جاء ذكرها في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم في الصحيحين. فأولى هذه الخصال، إخواني في الله، الختان. الختان أولًا من حيث المعنى، مادة "ختن" تدل على القطع، وعملية الختان، إخواني في الله، هي عملية يراد منها إزالة جلد أو لحم قدر زائد ندب الإسلام إلى إخراجه وإزالته من بدن الآدمي. ويكون هذا الجلد المزال في حق الذكر بإزالة القلفة، وهي الجلدة التي تغطي الحشفة، والمراد بالحشفة عند الفقهاء هو رأس الذكر، يسمى الحشفة. فالقلفة وهي الجلدة التي تغطي الحشفة، فإنها تزال. هذا في حق الذكر، أما في حق الأنثى، فهو استئصال لللحم الزائد فوق مخرج البول. عرفه العلماء أو شبهه العلماء بما يشبه عرف الديك، فهذا قدر زائد من الأنثى يستأصل. واستعمل العلماء رحمهم الله تعالى كأن هذا مما جرى به في العرب أن الختان في حق الذكر يسمى "إعذار"، وفي حق الأنثى يسمى "خفض" أو "إخفاض". ولهذا جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «اخفضي ولا تنهكي، فإنه أحظى للزوج». وهذا الحديث يحسن جماعة من أهل العلم. إذن، هذا هو المعنى الإجمالي لمعرفة ما هو الختان، وعلى ماذا تدور هذه العملية. هي عبارة عن إزالة لهذا الجلد في حق الذكر والأنثى. المسألة الثانية، مشروعية الختان. الختان من المسائل الشرعية التي جاء بها الإسلام، وندب إليها المسلمين إلى فعلها وتطبيقها، وهذا بإجماع العلماء بلا خلاف. ومما يدل على مشروعية الختان، الأحاديث المروية في هذا الباب، منها هذا الحديث الذي نحن فيه، حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «خمس من الفطرة»، قال: «الختان». فهذا مما يدل على مشروعية الختان. ومما يدل على ذلك أيضًا أن عملية الختان هي من فعل الأنبياء والرسل. فقد ثبت في الصحيح أن إبراهيم عليه السلام قد اختتن وهو ابن ثمانين سنة. وقد أمرنا ربنا جل وعلا باتباع ملة إبراهيم، ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا. ولهذا يقول العلماء في هذه المسألة، وهي مما يذكر من باب الفائدة، قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: واستحب العلماء في الرجل الكبير أن يختتن. وهنا مسألة قد يقول: وهل هذا متوقع أن يصل رجل إلى هذا السن إلى الخمسين والأربعين بل إلى الثمانين وهو غير مختون؟ نعم، هذا متوقع. مثاله أقرب مثال ما لو أنك خرجت الآن يا عبد الله، فإذا برجل نصراني عرضت عليه الإسلام فأسلم، كم عمره؟ قل عمره خمسون سنة. اختتن النصارى ما يختتنون، بخلاف اليهود، اليهود نعم هم كالمسلمين يرغبون في الختان. أما النصارى ما يختتنون. فهذا النصراني متى دخل في الإسلام بهذا السن، بماذا نأمره؟ نأمره بشعائر الإسلام، ومنها أن يختتن، وهو بهذا السن. لهذا فالكبير إذا كان من أهل الكتاب فإنه ماذا يدعى ويحث عليه؟ ولهذا يقول عطاء رحمه الله تعالى: يتم إسلامه حتى يختتن، وإن بلغ ثمانين سنة. ومما يدل كذلك على مشروعية الختان، إخواني في الله، أنه من الأمور التي يتميز بها الكافر عن المسلم. يتميز بأمر الختان، فالكافر من الزنادقة والملاحدة، وكما سمعت من النصارى ما يختتنون. فأحيانًا كان يميز بين الكافر والمسلم بعملية الختان. مثاله في القتل، عندما يريد المسلم أن يتتبع الجثث في ساحة الوغى حتى يأخذ المسلم فيغسل ويوضع في لحده أو يدفن، أحيانًا ما يستطيع المسلمون أن يميزوا بين الجثث، إما أن الجثث مشوهة فما عرفوا الوجه، أو قل أن الرأس مفصول، ما عندهم إلا جثث بلا رأس. هل هذا مسلم حتى يدفن أو أنه كافر فيرمى؟ فحينها يعني يرمى في الصحراء. فحينها يكشف عن الختان، فإذا وجدوه مختونًا علموا أن هذا مسلم، وإن رآه بأنه بغير ختان، كانت هذه مظنة أنه من أهل الكفر. فهذه الأدلة، إخواني في الله، تدل على ماذا؟ على مشروعية الختان. تأتي مسألة كذلك في قضية الختان، ما يتعلق بحكم الختان. الحكم كثيرة، وقد استفصل العلماء واستطردوا في ذكر الحكم، سواء كانت أحكامًا شرعية أو كانت أحكامًا صحية طبية، وهي كثيرة وهي مذكورة في المطولات. ومما يذكره العلماء، وهذا يفيد في مثل هذه الأزمان، الفوائد الصحية. فإن المسلم إذا اختتن، فإنه يقي نفسه من كثير من الأمراض. ووجه ذلك، إخواني في الله، أن هذه القلفة وهي الجلدة التي تغطي رأس الحشفة، أي رأس الذكر، إذا ما أزيلت، كحال الذي لا يختتن، ما الذي يكون؟ هذه الجلدة تكون مجمعًا لاحتباس البول. فإن المسلم مثلًا إذا بال وتبول، أو الإنسان إذا تبول بشكل عام، فإنه لربما خرج منه شيء من قطرات البول، فهذا يحتبس في مكان القلفة، فيحتبس. وتخيل يا عبد الله مع مرور الأزمان والأيام، وهذه القطرات قد تتجمع. ولهذا كانت هذه القطرات مظنة لاجتماع الأوساخ والنجاسات والأدران، بل كانت محلًا للأمراض. وقد كشفت التقارير الطبية عن كثرة الأمراض الذي يجنيها المرء على نفسه من عدم الختان، حتى ذكروا من هذه الأمراض السرطان، وما يسمى بسرطان القضيب، معروف هذا يذكرونه العلماء في علماء الطب. وليس هذا فحسب، بل حتى ما يذكر من الأمراض الجنسية العضوية كالهربس والزهري والإيدز، ذكروا أنه من حيث الإحصائيات أنها تصيب غير المختونين بنسبة أعلى من المختون. كذلك ليست هذه الأمراض تعود على غير المختون نفسه، بل كذلك تضر غيره، إن كان متزوجًا، لربما أوصل هذه الأمراض إلى أهله وزوجته. فذكر العلماء أحكامًا كثيرة من هذه الشعيرة الإسلامية التي ندب الإسلام إليها، وهي شعيرة الختان، ففيها أحكام عظيمة، وكما قلنا، وهي كثيرة لا يسع المقام لذكرها. تأتي مسألة أخرى من مسائل الختان، ما يتعلق بوقت الختان. متى وقته؟ العلماء ذكروا رحمهم الله تعالى أن للختان وقتين: وقت استحباب، ووقت وجوب. أما وقت الاستحباب، فهو عند الولادة. فمن ولد له ولد، فمنذ ولادته مع مرور الأيام، فهنا يستحب لولي أمر الصبي أن يقوم باختتانه. ولهذا يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: ويستحب للولي أن يختتن الصغير في صغره. وهل هناك زمن معين، وقت محدد؟ هذا محل خلاف بين الفقهاء في تحديد الوقت المستحب لعملية الختان، وهي تدور على مسألة الأحاديث المروية في هذا الباب. فمنهم من يستحب أن يكون في اليوم السابع، لما جاء ذلك من حديث جابر، ومن غيره، من أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن الحسن والحسين وهما في هذا السن. وهذه الأحاديث وما شابهها هي محل نظر العلماء من حيث الصحة ومن حيث التضعيف. حتى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: ما سمعت شيئًا يثبت. فهي محل خلاف ونظر عند المحققين. ولهذا يقول الإمام المنذري رحمه الله تعالى: ليس لوقت الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تستخدم. أي من حيث التحديد كما قلنا. وأكثر الناس هنا يميلون إلى صحة الأحاديث، وهو قول طائفة من أهل العلم أيضًا، إلى أن اليوم السابع هو الذي يستحب. والأمر يعود عند الطاقة، عند التحمل، عند القدرة. إذا كان الصبي في سن الصغر، يوم السابع أو حتى دون هذا أو أكبر من هذا، عنده قدرة، وهذا يعرض عند أهل الخبرة، فلا بأس بأن يختتن. لكن يكون عند صغره هذا وقت استحباب ووقت أفضلية. وأما وقت الوجوب، يكون عند البلوغ. فهنا يجب، لا تؤخر. قد يقول القائل: وهل يتوقع أن رجلًا ما أو أن شابًا أو فتى يصل به الأمر عند البلوغ وغير مختون؟ نعم، توقع هذا. وأذكر هذا مثلًا، مثاله في حق من كان في صغره قد علل بعلة وأصيب بمرض، وهذا المرض يمنعه من الختان، إما لقدر عدم تحمله لأي ألم، مثاله يمكن هذا، أو خشية النزيف وأنه يعاني من التكسر في الدم، مثلًا، فأي نزيف يخرج منه فإنه سينزف حتى الموت. وهذه مسألة وأنا أذكر عن نفسي، أعرف رجلًا، شخصًا كان يعني مثل المجنون مخبلًا، فلما سألت من كان من قرابة عن سر جنونه، فأخبروا أن الأمر الختان، أنه اختتن فنزف، وكان الختان بيد رجل غير معروف، لا يعرف الطريقة، أو أنه طاشت يده، فضرب عرقًا فنزف الصبي الولد في صغره نزفًا نزف حتى خف الدم من دماغه، فأصيب بالجنون وأصبح مجنونًا. فأحيانًا، إخواني في الله، هذه مسألة يرجع إلى أهل العرف، فقد تكون من المصلحة أن يؤخر الختان، فيؤخر إلى السنة السابعة أو عشر السنين، ما في شيء. لكن إذا أوشك على البلوغ، هنا العلماء يلزمون. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أما الختان فمتى شاء أختتن، على ما ذكرنا، ما هناك سن معين، وهذا عليه جمهور العلماء على عدم تحديد السن. قال شيخ الإسلام: أما الختان فمتى شاء أختتن، لكن إذا راهق البلوغ، أي قارب البلوغ، فينبغي أن يختتن، كما كانت العرب تفعل ذلك، لألا يبلغ إلا وهو مختون. هنا تأتي مسألة أخيرة نختم بها المقام، إخواني في الله. ذكرنا أن الختان من المسائل المشروعة، ما حكمه؟ هذه مسألة خلافية بين العلماء، ما يتعلق في حق الصبي، ما يتعلق في حق الولد، ما يتعلق في حق الذكر، أنها واجبة. وعلى هذا جماهير العلماء. لأنه من خصال الفطرة، ولأن الرسول أمر بها. ولما دخل ذلك الرجل إلى الإسلام، قال له عليه الصلاة والسلام: «ألق عنك شعر الكفر واختتن». فأمره بالختان. ولهذا الصحيح أن الختان في حق الرجال واجب، ولا يجوز أن يترك إلا لحاجة أو لضرورة، وهذا تقدر بقدرها. أما أن يترك هكذا، فصحيح أنه يؤثم، والأدلة تدل على ذلك. بل من أهل العلم من شدد في هذه المسألة، حتى أنه نقل عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أن غير المختون لا يصح للإمامة، ولا تقبل شهادته. أن غير مختون لا تصح إمامته ولا تقبل شهادته، هذا الذي قاله الإمام مالك رحمه الله تعالى. وبقي الخلاف عند ختان المرأة والأنثى، هل تصل إلى حد الوجوب أم لا؟ نعم، هذا محل خلاف بين العلماء. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن المرأة الأنثى بشكل عام تطالب بالختان وجوبًا. فالرجل يختتن، والأنثى تختتن. والدلالة على ذلك ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». وما المقصد بالختانين هنا؟ ختان الذكر وختان الأنثى. فدل ذلك على أن المرأة مطالبة بالختان. لكن ذهب طائفة من علماء، وهو قول جماعة من الحنابلة، وجماعة من الحنفية، وجماعة من المالكية، بل هو مذهب جمهور العلماء، إلى أن الختان في حق المرأة مستحب، سنة، وأنه تكرم. وقد يقول قائل: لماذا هذا التمييز بين الرجال بين الذكور والإناث؟ لهذا جماعة من أهل العلم، ومن أولئك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وهم ممن يميل إلى أن الختان في حق الذكور واجب، وفي حق الإناث مستحب، ففرقوا بفارق. قالوا: إن ختان الرجل إنما فعل به لإزالة الضرر، ولأنه سيؤدي إلى أن يؤثر ذلك في صلاته وفي عبادته، إذ أن النجاسات ستقطر في ثوبه وفي بدنه، فكان واجبًا أن يختتن. أما هذا في حق المرأة منتفي، فإن المرأة إنما ختانها لتعديل رغبتها وغلمتها ومزاجها، فهو طلب الكمال لا غير، ليس فيه إزالة ضرر. وهنا فرقوا بين ختان الرجل وختان الأنثى. فهذا الذي يذكر، إخواني في الله، في مسائل الختان. وإن شاء الله في درس غد بإذن الله نواصل في خصال الفطرة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.