الدرس في آداب خصال الفطرة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الدرس يبدأ بالحديث عن الاستحداد كإحدى خصال الفطرة، ويشرح معناه وأهمية إزالة الشعر من منطقة العانة. يُعتبر الاستحداد سنة مؤكدة للرجال والنساء.
يتطرق الدرس إلى حكم إزالة الشعر حول الأعضاء التناسلية والدبر، مع توضيح الخلاف بين العلماء حول ما إذا كان ذلك يدخل في الاستحداد أم لا، خاصة إذا كثر الشعر وأصبح مظنة للقاذورات.
يحدد الحديث النبوي مدة أربعين يومًا كحد أعلى لترك شعر العانة والإبط وتقليم الأظافر، ويستحب أخذها قبل ذلك حسب الأحوال، مع تحذير من تركها لأكثر من أربعين يومًا لما في ذلك من ضرر صحي وإثم شرعي.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الختام تواضعًا واعترافًا بقدرة الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، في حديثنا عن خصال الفطرة، كان الكلام عن الختان، وذكرنا ما يتعلق بمسائله التي ينبغي معرفتها في هذه الشعيرة. وفي هذا اليوم، إخواني في الله، نأخذ خصلة أخرى من خصال الفطرة، وهي التي جاءت في حديث أبي هريرة، حين قال عليه الصلاة والسلام: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط». الاستحداد، كما قال العلماء، معناها استخدام الحديدة، والمقصود بالحديدة هنا الموسى، والذي يعرف عندنا بالموس. فالاستحداد هو استخدام الحديدة لحلق شعر من مكان مخصوص، وهذا المكان المخصوص، إخواني في الله، قد جاء مصرحًا به في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من الفطرة حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب». ففي هذه الرواية صرح نبينا صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي ينبغي أن تستخدم فيه الحديدة، فعملية الاستحداد هي استخدام الموس لأخذ الشعر من هذا المحل، وهو حلق العانة. والعانة هو الشعر النابت حول الفرج. هذه مسألة، إخواني في الله، تحتها مسائل نشير إليها. أولًا، هذا الحديث فيه بيان أن من خصال الفطرة أن الإنسان المسلم يتخلص من هذا الشعر. فهل هذا المكان ليس له إلا الحلق؟ الجواب: لا، وإنما الذي ينبغي أن تزيله بأي طريقة. لا شك أن الأفضل والأحسن والمقدم الحلق لهذا السنة، لكن من أزال هذا الشعر بغير هذه الطريقة، مثلًا بقص، فهذا لا بأس به. المسألة الثانية، هذا الحكم وهو الاستحداد حكم عام يخاطب فيه الرجال والنساء على حد سواء. مسألة ثالثة وهي مهمة، مسألة الاستحداد تتعلق بالشعر النابت حول الفرج، بقي ما يتعلق بشعر الدبر، وهذه مسألة يطول النزاع فيها. هل هذا يدخل في الاستحداد أم لا؟ هذه مسألة خلافية اختلف العلماء في ضابط الاستحداد. اتفقوا على هذا الشعر الذي يكون عند الفرج، بقي الشعر الذي يكون عند الدبر، هل حكمه من حكمه؟ أكثر العلماء لا يدخلون هذا الشعر في حكم شعر العانة. لكن إذا وجد أن هذا الشعر قد فحش وأنه قد طال وأنه يكون مجمعًا للنجاسات، فإنه يزيله. يرشد بعض العلماء والفقهاء إلى أن هذا الشعر الأصل أنه لا يمس، لأن من عادة الشعور خاصة أنها إذا حلقت استطالت. ومثله أيضًا ما يكون الشعر الموجود حول الخصيتين، وهذا عند الذكور، هل حكمه من حكم شعر العانة؟ الخلاف حاصل، وأصرح شيخ العثيمين رحمه الله تعالى أن الشعر الذي يكون على الخصيتين ليس من سنن الفطرة، إلا أنه قال: لكنه إذا كثر وفحش فإنه يزال. إذن، إخواني في الله، عند هذه الشعور في هذه الأماكن المخاطب بها أصلا الشعر النابط حول الفرج، وأما ما سواها فليست من السنة على قول كثير من العلماء، لكن من وجد من نفسه أن هذا الشعر قذر وفحش وأنه مظنة لجمع الأوصاخ والقاذورات فإنه يزال. ما حكم الاستحداد؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن الاستحداد واجب، وأنه يجب أن تأخذ من هذا الشعر. ثبت ذلك في السنة على أن المدة التي ينبغي أن يترك فيها هذا الشعر ثم يزال أربعين يومًا، وهي المدة التي يترك فيها هذا الشعر كحد أعلى. الدليل على هذه المدة ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ألا تترك أكثر من أربعين ليلة». فهذه المدة تدل على أن ما بعدها يحرم. ومن تعمد في ترك هذا الشعر وهذه المذكورات من خصال الفطرة بعد الأربعين يومًا فقد وقع في الإثم. هل يفهم من هذا الحديث أن هذه الأشياء تترك حتى تمر أربعين يومًا؟ لا، المقصود أن هذه المدة هي المدة العليا والحد الأعلى، لكن دون ذلك لك أن تأخذه بعد أيام أو بعد أسبوع أو أسبوعين. من الفقهاء من يرى أن الأفضل ويستحب أن تأخذ هذه المذكورات من خصال الفطرة في كل جمعة. ومنهم من يرى أن تأخذ كل خميس. والصحيح، إخواني في الله، في هذا الباب أن ليس عندنا هناك وقت محدد في الاستحباب، الأمر كما قال العلماء يختلف من شخص إلى شخص على حسب الأحوال. الحكمة من الاستحداد ظاهرة، وهي الاستنان والاقتداء بأنبياء الله ورسله، إذ أنهم كانوا على هذا المنوال يفعلون هذه الخصال. ومنها أنهم كانوا يستخدمون الحديد في أخذ من هذا الشعر، فهذه من الناحية الشرعية تؤجر عليه اقتداءً بسنة الأنبياء. والفائدة الثانية ما ذكره العلماء من الناحية الصحية، فقد وجد أن ترك هذا الشعر زيادة عن هذه المدة فإنه مضر، فإنه مجمع للوسخ ومجمع للنتن، فربما كان سببًا لظهور الأمراض العضوية على هذا المحل خاصة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.