الدرس في آفات اللسان 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النميمة تعتبر من الذنوب العظيمة التي يعاقب عليها الله تعالى، حيث يُعذب النمام في قبره ويُحرم من دخول الجنة. النمام يسعى لإفساد العلاقات بين الناس ونشر الأخبار السيئة.
النمام يعتبر من شر عباد الله، يسعى لإفساد العلاقات بين الناس ونشر الأخبار السيئة، مما يؤدي إلى تدمير الوئام والتعاطف بين المجتمع، ويهلك دين الفرد. يجب الحذر من النميمة وعدم الاستماع إليها.
يجب عدم تصديق النمام لأنه فاسق ومردود الشهادة، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قبول كلام الفاسق دون تبيّن. ختم الدرس بطلب الدعاء من الله أن ينفع بما قاله.
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمتابع، إخواني في الله، لما مضى ذكره في درس أمس عما يتعلق بهذه الظاهرة المشينة، ألا وهي ظاهرة النميمة. وذكرنا، إخواني في الله، أن حقيقة النميمة هي نقل كلام الناس بعضهم لبعض على جهة الإفساد. وبينا أن هذا الخلق ما يتصف به أصالة إلا من ضعف دينه، ورَقى تدينه لله جل وعلا. ولهذا كان ذلك من أوصاف الكفار، ﴿ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم﴾. وذكرنا أن النمام، إخواني في الله، هو في الحقيقة قرة عين لإبليس اللعين، فإن الشيطان لا يفرح بعمل كفرحه لعمل يفرق بين صفوف الناس ويشتد به الكلمة. وذكرنا حديث جابر الذي في صحيح مسلم، كيف أن الشيطان يفرح بذلك الجندي من أعوانه ومن سراياه، حين يقول: «لازلت بفلان حتى فرقت بينه وبين امرأته»، ويقول الشيطان: «نعم أنت». وذكرنا، إخواني في الله، أن من عقوبات هذه الظاهرة الخبيثة أن الله جل وعلا أوعد صاحبها بأشد العقوبات، فهي حرام بإجماع المسلمين، كما قال ذلك الذهبي. فمن تلكم العقوبات أن الله جل وعلا يحرم النمام من دخول الجنة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة نمام»، وفي لفظه: «لا يدخل الجنة قتات». وذكرنا الفرق بين النمام والقتات، وكلهم يدخل في حكم النميمة، فالنمام هو الذي يحضر المجلس ثم ينقل الخبر إلى غيره، وأما القتات الذي لا يحضر المجلس وإنما يتسمع لهذا المجلس ثم ينقل الخبر لغيره، وكل ذلك على وجه الإفساد. وأيضًا، إخواني في الله، من العقوبات التي جعلت في حق النمام أنه يستحق العقاب ويعذب في قبره، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه. أن نبينا عليه الصلاة والسلام عندما مر على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، أما أحدهم فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة. يمشي بين الناس بالنميمة يعاشر الخلق، يماشي الناس، يتعامل مع الزملاء والجيران والأصحاب، لكن على أي معاملة وعلى أي مماشاة يماشيهم على النميمة، يأخذ خبر هذا عند أولئك لماذا؟ لكي يفسد. ويأخذ خبر هؤلاء إلى أولئك لماذا؟ لكي يفسد. فحقه أنه عذب في قبره. ثم في نهاية الحديث أن نبينا صلوات ربي والسلام معلق بجريدة من نخل فشقها نصفين فجعل على كل قبر منها شق، فسئل عن ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «لعلها يخفف عنهما ما لم ييبسا». فالشاهد، إخواني في الله، أنهما قد تعرضا لعذاب الله في قبورهم. وأنظر وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، الفعل الذي فعلوه هو من كبائر الذنوب، فكيف يقول نبينا: «وما يعذبان في كبير»؟ قال علماء: معنى هذه العبارة أي أنهما اللذان لا يستتر من بوله والذي يمشي بالنميمة، عندما صدرت منهم هذه الأفعال كانوا يتساهلون فيها ويحتقرون من شأنهما ويتهاونون في أمرهما، فكان يظنان أنهما ليستا بكبيرة من كبائر الذنوب، من شدة تساهل والتهاون في هذا الباب. قال: «وإنهم لا يعذبان وما يعذبان في كبير»، أي في نظرهما. على هذا حمل جماعة من العلماء هذا الحديث. وهذا المتبادر للأذهان، تجد أن بعض الناس لربما الذي يبتلى بأمر النميمة يستصغر هذا الأمر، بل لا أقول يحس بالذنب، بل يستحلي يستحلي هذا الفعل. يبحث عن المجالس أين المجلس الذي فيه جماعة من الرجال أو كثرة في العدد، فيذهب ويحشر نفسه لداخل هذا المجلس، ما همه أن يستمع يستمع ويستمع ويستمع، فإذا ملئ بالأخبار أراد أن ينشر ينشر، لا على جهة الخير أو ما يجلب على الناس النفع، لا وإنما يبحث عن هذا الكلام أين موقعه يؤدي إلى مضر على الناس. فيأتي بهذا الخبر إلى مجلس آخر حتى يقع ذلك الانفجار الاجتماعي بين البلد المسلم وبين المجتمع المسلم. فهم يفعلون هذه الأفعال وهم يتساهلون فيها ويحتقرون في أمرها، وما يظنون أنها من كبائر الذنوب، بل هي من كبائر الذنوب. ولهذا تعرض لعذاب الله جل وعلا في عذاب القبر. وأيضًا، إخواني في الله، من العقوبات التي جعلت في حق هؤلاء أنهم يعتبرون من شر عباد الله. ثبت ذلك في السنن، ويحسن جماعة من علماء كسماحة الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترغيب والترهيب وغيرها من كتبه. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن شر عباد الله المشاؤون بالناس بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العيب». انظر لهذه الصفات، هؤلاء هم شرار عباد الله. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن من شرار عباد الله المشاؤون بالناس بالنميمة»، هذا الذي يمشي بالنميمة يدس الأخبار. وكما قلنا: ليس من شرط نشر الأخبار أن تكون بلسانك، قد يكون بلسانك، قد يكون بجسمك، أنك تحضر مواجهة عند فلان وفلان. وقد يكون ذلك عبر اتصال عبر هاتف، أو قد يكون ذلك عبر كلمات برسائل، أو كما يقول رسائل حديثة كالنت ونحو ذلك في الشبكة العنكبوتية. تأتي بأخبار فلان، تأتي بأخبار الصالحين، تأتي بأخبار بعض الدعاة، وتريد من هذا الإظهار لأمورهم أنك تسقط من شأنهم، وأنك تفسد ما بينهم وبين الناس. هذه النميمة. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وإن شر عباد الله المشاؤون بالناس بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العيب». دل دلالة على مرتبة النمام في المجتمع، بل وفي دين الله جل وعلا، أنه ساقط ساقط في عين الناس، فلا يؤبه له. ولا ينبغي، إخواني في الله، أنك تصغي لحال من هذا أمره. أشأل أن النمام يعتبر من شر عباد الله. تخيل يا عبد الله لو أنك في هذا المجتمع الذي أهل على الخير وعلى الود وعلى الوئام وعلى المحبة وعلى التعاطف وعلى الاجتماع، أن يكون بينهم نمام، ما ظنك بهذا النمام؟ لما يرى هذا الوئام يمنة ويسرة يضيق ذرعًا، يضيق ذرعًا، ما يصبر، لو ربما تكاد نفسه أن تخرج لما يرى من حال الوئام في الناس، لخبث نفسه ولقلة تدينه ولضعفه. تراه ماذا يسعى سعيًا لماذا؟ هل لزيادة الوئام بين الناس؟ لا، بل يريد أن يفك هذه المحبة ويفك كذلك هذا الصلح وهذا التكتل الذي كان على الناس، فيقوم أخزاه الله بأنه يفك عرى الاتحاد وعرى الوئام بين الناس، فيسعى بماذا؟ بنقل الأخبار. إن وجد خبرًا ظفر به طار به. وانظر يا عبد الله، ليس كل خبر، بل يبحث عن الهنات وعن الزلات وعن العثارات وعن السقطات وعن العيوب، يبحث عن العيوب، يفتش وينقب. وعسى أن يظفر بعيب فيك، فإن ظفر به طار أي مطار ونشره بما أوتي من قوة وما أوتي من استطاعة، ينشر خبرك الذي وقعت فيه زلة أو وقعت فيه ماذا؟ في هنة. ينشر هذا الخبر يمنة ويسرة حتى ماذا؟ يفسد ما بينك وبين الناس. وإن لم يظفر بشيء، وانظر للدناءة وهذا قد جرب على بعض الناس، لدناءته أنه إذا ما ظفر بخطأ ولا بزلل ولا بعيب، ما الذي فعل؟ لربما فتش عن ماضيك، فتش عن ماضيك كيف كان حاله؟ كيف كان أمره؟ كيف كان أو في صغره؟ كيف كان في شبابه؟ وفي شبته؟ يبحث عن ماضيك، يعرج على سجلات ماضيك. فإن وجد كذلك على هنة استخرج من بين الملفات وطار بها. هم عباد الله من شرار عباد الله، من شرار عباد الله، ضاقت أنفسهم للخير الذي يظهر بين الأفراد والمجتمعات. فهذا حقهم، وهذا وصفهم، أن من شرار عباد الله. وأيضًا، إخواني في الله، من العقوبات التي جعلت لفي حق النمام أن النمام، إخواني في الله، أهلك دينه، وقبل ذلك أهلك دنياه. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟» قلنا: «بلى يا رسول الله». قال: «إصلاح ذات البين». «إصلاح ذات البين وإفساد ذات البين هي الحالقة». وفي زيادة عند الترمذي يحسن جماعة من العلماء قال عليه الصلاة والسلام قال: «هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين»، تحلق الدين. قال الشراح كصاحب كتاب تحفة الأحوذي وجماعة من الشراح أن هذا الحديث أن هذا الفعل وهو إفساد ذات البين يهلك فيه ربنا جل وعلا دين العبد، يضعف دينك يا عبد الله. والله أعلم بما يختم بك أو مما يختم عليك. فإنما، إخواني في الله، وهذا من أفضل أعماله، بل من أشنعها، أنه يفسد ذات البين. فإنما، إخواني في الله، أن نحرص على هذا، وأن الإنسان في معاشرة مع الناس، إن كان ولابد أن يتكلم فليتكلم بخير. يقول إمام النووي رحمه الله تعالى: «ويجب على المكلف أن لا يتكلم بكلام إلا فيه مصلحة»، هذا الأصل أنك لا تتكلم بكلام إلا أنك تجد فيه مصلحة. فإن وجدت فيه مصلحة فتكلم، مصلحة شخصية، مصلحة لغيرك، فتكلم يا عبد الله. أما لا، فالأحرى والأولى أنك تسكت. وهدت امتثالا لقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». ثم تأتي مسألة، إخواني في الله، ولا أطيل فيها، وهي مسألة يذكر العلماء في باب النمام كيف يعامل النمام إذا علمنا، إخواني في الله، هذا حكم النمام وهذه عقوبات النميمة، بقي كيف التعامل مع النمام؟ ذكر العلماء، ومن ذلك ما ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى في مختصر القاصدين، ذكر أوجها وذكر أمورًا بها يكون التعامل مع النمام. ومن أول هذه الأمور وبه نختم المقام، وهو أنك لا تصدق النمام. قال رحمه الله تعالى: «أن لا يصدق». قال: «لأنه فاسق والفاسق مردود الشهادة». إذا جاءك رجل يخبرك عن فلان أنه فعل وأنه قال، وأنبئ على مسألة النميمة قد ذكرنا أن معناها هو نقل كلام الناس بعضهم لبعض على وجه الإفساد. هذا قول جماعة من أهل العلم. ومن أهل علم من توسع في ذكر تعريف النميمة، قال النووي رحمه الله تعالى: «قال وحقيقة النميمة كشف السر وهتك الستر»، حقيقة النميمة كشف السر وهتك الستر. فإذا كان هناك سر بين أناس، ثم قمت أنت وكشفت هذا السر لغيرك، يعتبر هذا من فعل النمامين. فقال ابن قدامة رحمه الله تعالى مبينًا كيف التعامل مع النمام: أنت يا عبد الله جاءك رجل هرع إليك ونقلك خبرًا عن فلان، وأنت تعلم أن هذا الخبر من ورائه قطع العلاقة بينك وبين من نقل عنه، قال: «عنك كيت وفعل كيت وفعل»، يأتيك بأخبار، هذه من ورائها القطيعة، من ورائها العداوة. إذا تعرفت أن هذا الذي أتى بهذا القول ما أراد منه إلا إفساد ذات البين، فهذا النمام، فكيف تعامله؟ قال علماء: أولًا لا يصدق، لماذا لا يصدق؟ لأنه فاسق. قد مر معك يا عبد الله حكم النمام وأنه يدل على أنه فاسق، ولهذا استحق أن يسقط من عين الناس، واستحق العقوبة من الله جل وعلا لفسقه. وإنهما لا يعذبان لفسقه. والفاسق، إخواني في الله، مردود الشهادة. يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ﴿فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. فهذا النمام فاسق، فأول ما تفعل أنك ترده. قل: «أخزاك الله». امتعض، ترده. وذكر العلماء كما ذكر أبو حاتم رحمه الله تعالى صاحب روضة العقلاء، ذكر قصة طريفة عن ابن المثنى رحمه الله تعالى، أخبر أن رجلًا أبلغ الوالي أبلغ الوالي خبرًا عن الليث بن سعد. الليث بن سعد من أئمة السنة الفقيه العالم، فكان رجل يدخل في مجلسه فيأتي بخبر ثم يطيره إلى الوالي، فقام الوالي وصدق خبر الواشي، فاستدعى الليث، فقال: «يا أبا الحارث، ما هذا الخبر الذي بلغني عنك؟» عرف الليث أن هناك رجلًا قد نقل خبرًا، هذه النميمة تنقل الخبر لكي تفسد، هذه النميمة. فقال: «يا أبا الحارث، ما هذا الذي بلغني عنك؟» فقال الليث بن سعد رحمه الله تعالى العالم الفقيه: «أصلح الله الأمير، أصلح الله الأمير، ما بلغك؟ إن كان سرًا أمناه عليه فخاننا وبلغك، فما كان ينبغي منك أن تقبل من خائن. وإن كان كذبًا علينا، فما ينبغي لك أن تقبل من كاذب». فقال الأمير: «صادقت والله، صادقت والله، صادقت والله». هذا النمام إما أنه خائن سر ناس اعتمنوا عليه سر في مجلس، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «المجالس بالأمانة». المجالس بالأمانة، أنت في السلامة بالحضور بالوجود بأن تستمع لهذا الكلام من دون الناس، هذا السر. الناس اعتمنوك على هذا السر. فيقول الليث منبهًا الأمير: «قال إن كان سرًا يعني هذا الكلام الذي بيني وبين هذا الواشي إن كان سرًا أمناه عليه فخاننا». قال: «فما كان ينبغي أن تقبل من خائن»، هذا خائن الأمانة. قالوا: «إن كان كاذبًا علينا، فما كان يقبل لك أن تقبل من خائن»، أي في كلا الحالتين هو فاسق، هنا وهو فاسق هنا. والفاسق مردود الشهادة. هذا يا إخواني، هناك مسائل متعلقة بهذا الباب، لكن نكتفي بما ذكر. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.