آفات اللسان 3

الدرس في آفات اللسان 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

النميمة وأحكامها

يتناول المقطع النميمة والتعامل معها، مشددًا على عدم تصديق النمامين لكونهم فساقًا، ويبين أهمية نصحهم وتغيير سلوكهم المنكر. يُظهر أيضًا العقوبات الشديدة التي تترتب على النميمة وفقًا للشريعة الإسلامية.

كيفية التعامل مع النميمة والنمام

يشرح كيفية التعامل مع النميمة والنمام من خلال مواقف تاريخية وآيات قرآنية، ويبين أن النميمة شر وفساد، ويجب زجر النمام وعدم تصديقه، كما يجب عدم إساءة الظن فيمن جاء الخبر عنه.

توجيهات للتعامل مع النمام

يُنصح بعدم تصديق النمام، ونصحه، وبغضه إذا لم يتب، وعدم إساءة الظن بالغائب، وعدم التجسس عليه. هذه الخطوات تحمي من الوقوع في المحرمات مثل إساءة الظن والتجسس.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فكما سمعتم إخواني في الله، حتى يتسنى للأخوة الذهاب إلى أرض، فيكون هذا الدرس أو درس العصر عبارة عن درس موجز. وحقيقة الأمر إخواني في الله، فإن هذا المقام هو تتمة وتكملة لما مضى ذكره في مجالس سبقت حول الكلام على ظاهرة النميمة. وذكرنا في دروس خلت ما يتعلق بهذه الظاهرة المشينة، وأنها من أسوأ المظاهر التي حذر منها الشرع. علمنا من خلال طرح الموضوع ما يتعلق بتعريف النميمة، التعريف الخاص والتعريف العام، وأيضًا ما يتعلق بآثارها وآفاتها وأضرارها، وذلك متى ما تم التساهل في أمرها، كيف أنها تضر بالأفراد والمجتمعات. وعلمنا كذلك إخواني في الله، العقوبات الصارمة التي وضعتها الشريعة في حق من سولت له نفسه الاسترسال في هذا الباب، فأصبح ينم الأخبار والأحاديث من هنا إلى هنا إلى هنالك، وهمه في هذا الباب إثارة البغضاء والشحناء بين أهل الإسلام. فربنا جل وعلا قد أوقع العقوبات الشديدة في حق النمامين، وهم لا يدخلون الجنة نمام، وهم كذلك معرضون لعذاب الله في القبر. وأما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة. وقد ذكرنا في دروس ماضية العقوبات، ثم كانت الوقفة الأخيرة إخواني في الله في هذا الموضوع المهم ما يتعلق بما هو الواجب إزاء النمام. لا شك أنك تأتيك يا عبد الله من يغر صدرك على إخوانك ويرفع لك الأخبار والأحاديث عن فلان وعن فلان ممن تعرفهم وممن تصاحبهم وتعاشرهم، وأن تصديق مثل هذه الأخبار ستؤدي إلى القطيعة بينك وبينهم، وهذه النميمة. فما هو الواجب الذي ينبغي أن يفعل إزاء النمامين وإزاء النميمة؟ ذكرنا إخواني في الله الأمر الأول، والذي صرح به العلماء أنه أولًا النمام لا يصدق، لماذا؟ لأنه مردود الشهادة، فهو ساقط. وقد أدخل العلماء النمام في قوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فهو فاسق وهو مردود الشهادة، فيرد خبره. وذكرنا ما يتعلق بقصة الليث بن سعد رحمه الله تعالى عندما استدعاه الأمير على وشاية أو على واش بلغ الأمير أمرًا عن الليث بن سعد. فقال الأمير الليث: يا أبا الحارث، ما الذي بلغني عنك؟ فقال الليث رحمه الله تعالى بعدما تفطن أن الأخبار قد جاءت من قبل النمامين والوشاة، فقال: أصلح الله الأمير، ما الذي بلغك عني؟ إن كان سرًا قد أمناه إياه فخاننا، فما كان ينبغي لك أن تقبل من خائن، وإن كان قد كذب علينا فما كان ينبغي لك أن تقبل من كاذب، هو بين أمرين: إما خائن وهو ساقط الشهادة، وإما هو كاذب فهو أيضًا ساقط الشهادة. فقال الأمير: صدقت، فرد شهادة الوشاة. فإذًا هذا الأمر الأول يا عبد الله، أنك لا تصدق النمام لأنه ساقط العدالة. الأمر الثاني: النصيحة، أنك تنصح لهذا النمام والذي يبلغك الأخبار عن فلان وفلان، مما يجر عليك العداء والشحناء والبغضاء بينك وبين الناس، عليك أن تنصح وأن تزجره. نعم، البعض من الناس قد يأخذ بالأمر الأول، قد يأتيه النمام وينوم لك أخبارًا، فالقول: إن شاء الله خير، ثم يذهب، أنت لا تصدقه، هذا شيء. لكن هناك ما هو أعظم من هذا، كونك إذا جاءك أنك تنصح، تقدم له نصيحة لله في الله، والنصيحة إما ترغيب وإما ترهيب على ما ترى من مصلحة. إما أنك تشدد عليه العبارة والتنكير بأن يترك هذا الطريق وهذا السبيل، وأن لا يكون همه أن يأتي بمثل هذه الأخبار الهوجاء العوجاء، أو أنه بالترغيب ترغبه أنه لا يفعل هذا الفعل لأنه يأتي بالضغائن ويأتي بالإحن ويأتي بالفتن ونحو ذلك. المهم أنك تؤدي النصيحة وأنك تغير هذا المنكر، وهو يدخل في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». عليك يا عبد الله إن استطعت إذا واجهت النمام بالنصيحة، فواجه لعله ينتفع بنصيحتك. عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى جاءه رجل من أهل النميمة كالعادة، فأبلغ خبر أن فلان تكلم فيه. وانظروا سبحان الله، النمام هذا حاله ما يأتيك يا عبد الله إلا بأخبار سوء، ما يأتيك إلا فلان تكلم في عرضك، فلان تكلم في كذا. أما سمعت عبارة عن أحاديث تغر الصدور؟ لكن لو أن الرجل بلغك خبر فيه فرح القلوب، بأن فلان يثني عليك، فلان يسلم عليك، فلان ذكرك بخير، فلان امتدحك، هذا ما في شيء. ليس النمام بالذي ينم الخير كما جاء في الحديث، هذا ليس بالنمام ينم الخير، لكن لا النمام الأصل فيه أنه ينم الشر وما فيه الفتن والإحن. فجاء الرجل إلى عمر بن عبد العزيز، ونقل له الأخبار أن فلان قال كذا وكذا، فقال له عمر الإمام الفقيه رحمه الله تعالى: يا هذا، إن شئت نظرت في أمرك، سأنظر في أمرك. قال: فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ و﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وإن شئت عفوت عنك. يعني أنت بين هذه الورطات، إما أنك كاذب في دعوك فأنت فاسق، وإما أنك صادق فأنت نمام بحضورك وبمجيئك عندي وبلاغك لهذه الأخبار عن فلان قال عني كذا، فأنت نمام بهذه الصورة، فأنت نمام، فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ قال: وإن شئت عفوت عنك، لا أخذك بهذه ولا بهذه. فقال الرجل: بل أعفو عني يا أمير، أعفو عني يا أمير. فأعفى عنه. هكذا الزجر يزجر أمثال هؤلاء، أو لا حتى لا يسترسلوا في نقل الأخبار الذي فيه الضغينة على الناس وإغاظة صدور أهل الإسلام. ومما يقع من تشتيت الكلمة وتفريق الصف. الأمر الثالث كذلك مما يقول علماء، أن النمام يبغض لأنه بغيض، فإن الله جل وعلا يبغض النميمة طبعًا، وهذا يصدر منك البغض للنمام إذا لم يتم أنك لا تصدقه، الأمر الأول، أنك تنصحه وتزجره، الأمر الثالث: إن لم ينتصح، إن لم ينزجر، واستمر على هذه الفعل الأهوج من نشر الأخبار وإغار الصدور ونقل الأخبار من هنا إلى هنالك بقصد الإفساد، فهذا يبغض. وأنتم تعلمون من عقيدة أهل السنة والجماعة أن العبد يحب على قدر ما فيه من خير، وهو كذلك يبغض على قدر ما فيه من شر. وما من شر أعظم من النميمة. وقد مر معنا في درس أمس قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن شر عباد الله النمامون، المشاءون بالناس بالنميمة» كما قال عليه الصلاة والسلام، فهم من شر عباد الله. ابن حزم رحمه الله تعالى في «طوق الحمامة» عندما أراد أن يصف أهل النميمة، قال: وما في جميع الناس شر من الوشاة، أي النمامون. قال: ما يوجد في جميع الناس شر من الوشاة، قال: وهم النمامون. قال: فإن النميمة صفة أو وصف إن دل يدل على نتن الأصل ورداءة الفرع وفساد الطبع وخبث المنشأ، ويحتاج صاحبه إلى الكذب، فإن كل نمام كذاب. إذن هذه صفاته: رداءة، خبث الأصل، خبث الطبع، إذن فهذا يبغض لأفعاله المشينة، ولا يحب ولا يمكن لأنه كذاب من أكذب عباد الله. وكذلك مما ينقل في التاريخ ما وقع لسليمان بن عبد الملك في مجلسه، وكان الزهري بجانبه، فدخل عليه رجل فقام إليه سليمان على إثر وشاية. فقال: يا رجل، أنت قلت في كذا وكذا؟ فقال الرجل ودافع عن نفسه: لا والله، أنا ما قلت ولا فعلت، ما صدر هذا مني أن تكلمت فيك. فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق، إن الذي أخبرني الذي بلغني الأخبار، إن الذي أخبرني صادق. فقال الزهري: متى كان النمام صادقًا؟ متى كان النمام صادقًا؟ فقال سليمان: صدقت، اذهب يا رجل بسلام الله، فأطلقه وسامحه لعلمه أن الذي أبلغ الخبر إنه ما يقع منه إلا الكذب. فالنمام إخواني في الله هذا حاله، فهو يبغض لأنه من شر عباد الله في هذه المعمورة، مما أفسد على أهل الناس دينهم ودنياهم. كذلك يا عبد الله، قال علماء: الأمر الرابع في التعامل مع النميمة والنمام، أنك يا عبد الله لا تسيء الظن فيمن جاء الخبر عنه. طبعًا أتاك النمام بخبر، قلنا أولًا لا تصدقه، ثانيًا تنصحه، ثالثًا إذا ما تبغضه، الرابع: أنه لا يقع في قلبك شيء على أخيك. أن البعض من الناس قد يفعل الأمر الأول والثاني والثالث، لكن يقع ويقذف في نفسه شيء من الظن السيء، بعدما أعرض عن هذا النمام، بينه وبين نفسه يقول: لعل الخبر فيه حقيقة، لعله، فيأتي بعد ذلك سوء الظن، فيتعامل مع إخوانهم الذي بلغوا عنه الخبر على هذا الفعل المشين، وهو إساءة الظن. ولا يجوز يا عبد الله أن تسيء الظن بإخوانك، فإن ذلك مما منع وحرم ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». فلا يا عبد الله، إياك أن تعطي للنمام شيئًا من الصدق، إن كان ولابد إن قدح شيء في نفسك، فاذهب إليه، اذهب إليه كما جرى مع بعض السلف، يذهب إلى من بلغ الخبر، وما استطاع أن يدفع عن نفسه، يذهب فيقول: اعذرني، بلغني كذا، فإن كان كما فعل وقع للحسن بن علي رضي الله عنهما أنه جاءه النمام وأخبره بخبر أن فلان تكلم عنه، فأخذ بيده، قال: اذهب معي إليه. فذهب إلى بابه وطرق عليه الباب، فقال: إن هذا أخبرني أنك قلت في كذا، فإن كنت قد قلت ذلك أو وقع ذلك مني فإني أستغفر الله، وإن لم يقع ذلك فإني أدعو الله أن يغفر لك، يتحلل، لكن يتخلص من هذا الظن إن وقع فيه ظن. والأصل لا يقع فيك ظن، لأن هذا جاء من مصدر لا يؤتمن ولا يثق به. لكن إذا ابتليت بشيء من إساءة الظن، حاول يا عبد الله أنك تدفع هذا الأمر عن صدرك. الأمر الخامس والأخير نبه العلماء كذلكم، وهو أنه بعد ذلك أن هذا الفعل وهذا النميمة الذي بلغتك لا تستوجب منك التجسس. ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى في كتاب «الأذكار»، وذكر ذلك ابن قدامة في «مختصر القاصدين»، وصاحب كتاب «الكبائر»، جماعة من العلماء ذكروا هذا الأمر الخامس، أنه ما ينبغي أن يصدر من هذه النميمة أنك تتجسس على بعض الناس. كما قلنا يدفع وإلى آخره، لكنه يبقى في نفسه شيء، فيتأكد، يسميه تأكد، هو تجسس، فيرسل فلان إلى مجلس فلان: اذهب إلى ذاك واسمع ماذا يقول، أو اسأله ذاك السؤال، بماذا يقول؟ بماذا رده؟ هذا التجسس لا يجوز. ولو تلاحظوا إخواني في الله، أن التجسس ما يصدر من أحد إلا بعد إساءة الظن، وهذا واضح بسياق القرآن والسنة. تجد أن القرآن والسنة عندما منعت التجسس كان مسبوقًا بعدم إساءة الظن، لأن إساءة الظن هو الذي يولد التجسس. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ بعد الظن يأتي التجسس. قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا». تشعر أن التجسس إنما يصدر أول ما يصدر من مقدمة إساءة الظن. فلا تسترسل يا عبد الله في هذا الباب، أعظم تجسس أن يقع يا عبد الله مع أهل الصلاح ومع العلماء والمجتهدين في هذه الأزمان، بمثل هذا الصنف، لربما أناس ما يحضرون مجالس العلم ومجالس العلماء إلا لتتبع سقطاتهم والنظر إلى عوراتهم والتتبع إلى عثراتهم. ثم بعد ذلك إذا ظفر بخطأ أو عثرة أو زلة أو هفوة، طار به أي مطار، ذكر ذلك في مقالات، في رسائل، في شبكة، ثم أراد أن يشوه سمعة ذاك العالم وذاك الفاضل، وكل ذلك من المحرمات. إذا إخواني في الله، فهذه الأمور الخمسة ركز عليها العلماء في كتبهم، وهو الذي ينبغي أن يواجه بها النمام. أنك أولًا لا تصدق في خبره، الثاني: أنك تنصح وتزجر من فعله، الثالث: أنك تبغض هذا النمام إن لم يتب من فعله، الرابع: أنك لا تسئ الظن بأخيك الغائب الذي بلغك عنه خبره، الخامس: أنك لا تتبع هذا الظن بالتجسس، وأنك ماذا تستمع لأقواله، فإن ذلك من الأفعال الردية الدنية التي حرمها الشرع. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.