الدرس في آفات اللسان 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النميمة هي نقل الكلام بين الناس بغرض الإفساد وتسبب العداوة والبغضاء بينهم، وهي من صفات الكفار وأهل الشر الذين يسعون لتفريق وحدة المسلمين.
النميمة من الأعمال المحرمة التي تفرق بين الناس وتسبب العداوة، وهي من كبائر الذنوب التي حذر منها الإسلام بشدة، والنمام يعتبر آلة للشيطان.
النميمة من الذنوب العظيمة التي توعد مرتكبها بعدم دخول الجنة أو تأخر دخوله إليها، والنمام هو من ينقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد.
سيتم التطرق إلى الوعيد الذي أعده الله للنمامين الذين يبثون الأخبار لإفساد العلاقات، ويُستعان بالله على تجنب النميمة واتباع أحسن الأقوال.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، نتذاكر وإياكم في هذا المقام، رعاكم الله، نعمة من النعم العظيمة التي حباها الله جل وعلا لكثير من عباده، ألا وهي نعمة اللسان. فاللسان، إخواني في الله، هذا العضو الصغير الذي به ميز الله جل وعلا بين البشر وبين غيرهم من المخلوقات، فتلكم العوالم من الحيوانات العجماوات البكماوات التي لا تعي لما تقول، ولا تفهم لما تنطق به، ميز الله جل وعلا البشر بهذا اللسان الذي به يتخاطب، وبه يتكلم، وبه ميز وشرف، بل ميز الله جل وعلا هذا العضو عن باقي الأعضاء والجوارح، أن شرفها بأن تنطق بأعظم كلمة في الوجود، كلمة التوحيد والإسلام والإيمان، وبه يتعبد العبد بعبادات عظيمة لربه جل وعلا. فحريٌ بإخواني في الله للمسلم أن يراعي هذه النعمة، وذلك إما بأن يستغلها فيما يرضي الله جل وعلا، أو أن يكفها عما حرم الله. قال صلوات ربي وسلامه عليه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». ومن الآفات والأضرار التي أحببت أن أذكرها في هذا المقام مرض خطير استشرى بين الناس، وهي تعتبر من آفات اللسان، ويبتلى بها من لم يعصم هذا اللسان على الخير، خطر النميمة. النميمة، إخواني في الله، هذا المرض العضال، المرض الخبيث الذي يكفيك في معرفة شره أنه لو تخيلت، يا عبد الله، مجتمعًا من المجتمعات انتشر فيه هذا المرض، ألا وهو النميمة، كيف سيكون حال هذا المجتمع؟ لا شك ولا ريب أن العداوة والبغضاء والفرقة والنفرة بين الناس ستزيد وتزيد. لأن ما هي النميمة؟ النميمة يعرفها العلماء: هي نقل الكلام، كلام الناس بعضهم لبعض على وجه الإفساد. هذه النميمة نقل كلام الناس بعضهم لبعض، تنقل كلام هذا لذاك، وذاك لهذا، وهل مراد هذا النقل؟ قالوا: على جهة الإفساد، أنك تفسد بين الناس، تفسد بين الأفراد، تفسد في المجتمع، أنك تنقل كلام هذا الصاحب لذاك الزميل أو الزوجة إلى الزوج، أو الوالد إلى ولده، أو الراعي إلى الرعية، أو الراعية إلى الراعي، أو ذاك العالم إلى غيره من الناس، تنشر خبر هذا لذاك، وهذا لذاك، والقصد من ذلك، عبد الله، أن يعم الفساد في مجتمعات المسلمين. فلو أن هذا المرض ترك على هذا الحال، لما بقي في مجتمعات المسلمين الود والخير والوئام بين الأفراد. ومن هنا، إخواني في الله، نعلم خطر هذا المرض، وبهذا كذلك نعلم خبث النمام، النميم. إخواني في الله، لا تصدر إلا من رجل قل دينه، وقل ديانته لربه جل وعلا، وعظم الشر في صدره، والحقد والغل على مجتمعات المسلمين، باقٍ على صدره، حالات الود والوئام بين الناس ضاق صدره ذرعًا بهذا، فأراد أن يفرق الكلمة، أراد أن يشتت الجموع، أراد أن يفصل بين وحدة المسلمين، فسعى بينهم بالنميمة. ولهذا، ما كان يصدر هذا الخلق أصلًا إلا من الكفار، أهل الكفر هم أولى الناس بهذا الخلق. قال جل في علاه: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم﴾. قال أهل التفسير، كالآلوسي رحمه الله تعالى: «مشاء بنميم» أن يمشي بين الناس بنميمة، هذا حال الكافر الذي ليس له دين يردعه، وليس له خلق يربيه ويصده، فيمشي بين الناس بالنميمة. وقد قال إمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: قال «وإن كانت هذه الآية تنزل على الكفار وعلى المشركين، فهي تحذير لأهل الإيمان ولأهل الإسلام أن يتصفوا بهذه الصفة، فلا تكن، عبد الله، نمامًا، لا يكن همك أنك تنقل الأخبار أو تنقل الحديث من هذا المجلس إلى ذاك المجلس، من شخص من هنا إلى شخص هنالك، وأنت تريد من هذا النقل ومن هذا الجري والسعي أنك تريد إفساد ذات البين». الآن الصور اختلفت، بالأمس كان هذا يطلب مشيًا، تذهب من هنا إلى هنا، الآن لا يحتاج إلى مشي، لو ربما أنت في بيتك، ترفع الجوال: يا فلان، أسمعت ما قال فلان؟ تقفل الجوال، الثاني: يا فلان، سمعت ما قال فلان للتو؟ الآن بالتلفون، قال عنك كذا، وإذا ما تعب، فتحنت، ودخل في المنتديات، ودخل في المجالس والمقارات، وتكلم عن فلان وعن عرض فلان، ويضرب أقوال الناس بعضهم ببعض، وهو على هذا الحال. هذا الصنف، إخواني في الله، قرة عين للشيطان، قرة عين للشيطان، ما يفرح الشيطان بأناس إلا من هم على هذه الشاكلة. ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه كالقائد العسكري، قائد يأتي بجنده من الشياطين والعفاريت أن ينتشروا بين الناس، ينشر سراياه بين الناس، ثم بعد ذلك يأتون يأتون بمحصلة ما فعلوه بين المسلمين وبين الأمم، فيقول الشيطان لذاك: ماذا فعلت؟ فيقول أحدهم: ما زلت بفلان حتى قال قولًا عظيمًا، قال: لا، لا ما صنعت شيئًا، وأنت ماذا فعلت؟ قال: ما زلت مع فلان حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيقول الشيطان -كما قال الراوي- قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نعم أنت، نعم أنت، أعظم الأعمال مفخرة عند الشيطان التفريق، قال: لا زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين امرأته، فقال: نعم أنت، نعم الجند أنت». فمن كان بهذه المثابة، إخواني في الله، يدور في مجتمعات المسلمين، وهمه التفريق، وهمه التشديد، وهمه المفاصلة بين عباد الله، يفصل بين الراعي وبين الرعية، وبين العالم وبين الأمة، وبين الزوج وبين الزوجة، وبين الوالد وبين الأولاد، بين الأرحام، بين الأقارب، بين الجيران، بين الأصحاب، بين الزملاء، هذا يعتبر آلة من آلات الشيطان، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. وقد قال العلماء -كما ذكر الذهبي رحمه الله تعالى- قال: «بل إن عمل النمام أضر من عمل الشيطان». عمل النمام أضر من عمل الشيطان. ووجه ذلك -ما قال الذهبي رحمه الله تعالى- قال: «أن عمل الشيطان بالوسوسة، وأما عمل النمام بالمواجهة». يعني أن الشيطان لما يفرق بين الناس ماذا يفعل؟ أخصى ما يستطيع: الوسوسة، يجعل في قلبك شك، لعل فلان قال لك في كذا، انظر، لعل فلان يتكلم، وسوسة قد يضعف، لكن النمام يواجه: فلان قال فلان فعل، فمنظرته أعظم من مضرة الشيطان -كما ذكر ذلك الذهبي رحمه الله تعالى-. ومن هنا، إخواني في الله، نعلم خبث هذا المرض، بل أجمع العلماء -كما قال الذهبي رحمه الله تعالى في كتاب الكبائر- قال: «قد أجمع العلماء على تحريمه بإجماع المسلمين، وذلك بأدلة الكتاب والسنة». فالنميم، إخواني في الله، من الأعمال المحرمة، من الأعمال المحرمة، بل هي من كبائر الذنوب. ولعظم هذا الذنب، إخواني في الله، وحتى ينزجر الناس عن فعل النميمة، الشرع جعل عقوبات صارمة، عقوبات تدل على فداحة هذا الفعل، وأن من تجاسر على أن يبث النميمة بين الناس، أنه يجعل نصب عينيه هذه العقوبات، لعلها تردعه، لعلها تزجره. من هذه العقوبات أن النمام متوعد بعدم دخول الجنة، متوعد بعدم دخول الجنة. ثابت في الصحيحين من حديث همام بن الحارث قال: «كنا في مجلس مع حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، فقيل له: إن فلانًا -وذكر له رجلًا- قال: يبلغ الأخبار أو ينقل الحديث إلى الوالي -ومن كان الوالي في ذاك الزمان كان الوالي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه- انظر، قيل لحذيفة بأن في هذا المجلس رجلًا يتسمع ثم ينقل الأخبار إلى عثمان، ماذا قال حذيفة؟ أراد أن يسمع هذا الرجل الذي هذه مهمته، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة نمام»، لا يدخل الجنة نمام، سماه نمامًا. وتأمل، يا عبد الله، إلى أن هذا الرجل سينقل الأخبار لمن؟ لعثمان رضي الله تعالى، ومن عثمان؟ من خيرة الخلفاء، من خيرة الصحابة، من المبشرين بالجنة، ومع ذلك ما هذا ليس بذريعة، ليس العبرة، يا عبد الله، أن تنقل الخبر لمن، ليس هذه العبرة. هذا الذي ابتلينا به في هذه الأزمان أن رجلًا لربما إذا أراد أن يخرج ما في نفسه على فلان من الدعاء -مثلًا- قال: واتصل على ذاك العالم، وعلى ذاك العالم، بحجة أنه ماذا؟ أنه هذا أخ في الله، أو رجل من العلماء، أو رجل من الدعاة وقع في خطأ، كيف نتعامل معه؟ فليس العبرة يقول الله: إذا أنكر، أنا أتصلت بالعالم، أتصلت بداعية، فليس العبرة في باب النميمة أن تنقل الخبر لمن، العبرة، يا عبد الله، لماذا نقلت الخبر؟ لماذا؟ هذه العبرة: الإفساد، الضغينة، الحقد، الغل الذي في الصدور، هذا ينصف به بعض الناس. قد يتذرع: يتصل هنا ويتصل هنا ويخبر وينقل ويتكلم وينشر، ويدعي للناس أنه قد أوصل أخبارًا إلى من يهمه الأمر، ليس هذا العبرة، يا عبد الله. ولهذا، حذيفة قيل له: «إن فلانًا ينقل الأخبار إلى عثمان»، قال: «لا يدخل الجنة نمام». وفي رواية: «لا يدخل الجنة قتات». والعلماء ذكروا أن النمام والقتات بمعنى واحد، لكن يوجد فوارق، من هذه الفوارق قال علماء: أن النمام هو الذي يحضر المجلس، يحضر المجلس ثم يبلغه إلى غيره بقصد الإفساد، وأما القتات هو الذي لا يحضر المجلس، وإنما يتسمع لهذا المجلس ثم ينقله إلى غيره بجهة الإفساد. فهذا الذي قال عنه نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة نمام». وما معنى «لا يدخل الجنة»؟ أذكر النوى رحمه الله تعالى: أن مقصود هذا الحديث يحمل على أمرين: إما يحمل على أنه رجل يعلم بالتحريم، واستحل ذلك، يعلم أن هذا من الذنوب العظيمة، ومن الكبائر الشديدة، وبعد ذلك يستحلها، فهذا لا يدخل الجنة أبدًا لأنه استحل ما حرم الله، أو أنه لا يدخل الجنة أي ماذا؟ من الأولين، لا يوفق إلى دخول الجنة من أول من يدخلها، فإنما يحرم، وذلك بأن يحبس، وأن يعذب على ذنبه الذي فعله. فلا يدخل الجنة نمام، وسواء قلنا هذا أو ذاك، نعلم إخواني في الله أن النمام على شفا هلكة، وعلى أمر عظيم. وسأتي إن شاء الله في إذن الله في دروس قادمة، كذلك بعض الوعيد الذي أعده الله جل وعلا في حق هذا الصنف، وهو من استصاغ لنفسه أن يكون نمامًا يبث الأخبار بين الناس، وما ذاك إلا لهم الإفساد، والأهم إظهار القطيعة والعدوان، فإن ذلك من الذنوب العظام. فأسأل مولاي جل وعلا أن يوافقنا بما قلنا، ولسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.