الدرس في آفات اللسان 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع الأول بالحديث عن مسألة نقل الأخبار ومدى جوازها، ويشير إلى أهمية وجود ضوابط لتمييز النميمة من نقل الأخبار المباح. يُبين أن بعض الناس يخلط بين النميمة ونقل الأخبار.
يشرح الخطيب الفرق بين النميمة ونقل الأخبار، مستشهدًا بقصص من حياة الصحابة مع النبي. يُوضح أن نقل الأخبار عن الأشخاص الذين لا حرمة لهم يعتبر جائزًا ومحمودًا.
يشرح المقطع الفروق بين النميمة ونقل الأخبار، حيث أن النميمة تتضمن مفاسد وتكون في حفظ أعراض المؤمنين، بينما نقل الأخبار قد يكون جائزًا إذا كان في النقل مصلحة عظيمة للإسلام والمسلمين.
يتحدث المقطع الأخير عن كيفية التفريق بين النميمة والخبر النافع بناءً على عواقب الكلام المنقول. يُشدد على أهمية النظر في مآل الخبر لتحديد ما إذا كان نافعاً أو ضاراً.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله عن دروس سلفت ومضت في مجالس قد خلت، متعلقة بتلكم الظاهرة المشينة، ألا وهي ظاهرة النميمة. وقد مر الكثير من مباحثها، ما يتعلق بتعريفها وبحدها، وكذلك من تحذير الشرع لها، وما هي العقوبات التي أعدتها الشريعة في حق من سولت له نفسه أن يكون نمامًا ينم الأخبار بين الناس. وعلمنا مدى صرامة هذه العقوبات حتى تردع ويرتدع من كان هذا حاله ومن كان هذا شأنه. ثم بينا في المبحث الأخير، إخواني في الله، ما يتعلق بما هو الذي ينبغي في حق من بلغته نميمة نمام، وتكلمنا وذكرنا أقوال العلماء الذين قد استفاضوا في ذكر تلكم المقامات الخمسة: من عدم التصديق، ومن وعظه وزجره، ومن عدم إساءة الظن فيما نقل عنه الخبر، وكذلك عدم التجسس عليه، إلى آخر ما ذكرناه بهذه الأمور انتهينا، إخواني في الله. لكن مما يناسب ذكره في هذا المقام ويلحق بهذه المسائل مسألة دقيقة، مسألة دقيقة جدًا، تخفى على كثير من الناس، بل أقول لم تخف على عامة الناس، بل خفيت كذلك على بعض من يندعي العلم من حملته ومن طلابه، وهي مسألة نقل الأخبار. عندي نميمة، وعندي نقل الأخبار الذي أوقع الناس في عدم تمييز هذا عن هذا، أنهم وقعوا وضرجوا ببعض الأدلة التي فيها تم نقل الخبر من جهة إلى جهة، ومن كان النقل لهذه الأخبار كان الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، في بعض المواقف ينقلون الأخبار من جهة إلى جهة. ليس هذا فحسب، بل كان ذلك بإقرار من نبينا عليه الصلاة والسلام، أقرهم نبينا صلوات ربي والسلام عليه على هذه النقولات. ومن هنا اضطرب الأمر عند بعض الناس، هنا نميمة نقل الأخبار لا يجوز، وهنا في باب آخر نقل الأخبار أجيز، فبعضهم اضطربت عليه الأمور، فأصبح ينقل الأخبار على عجلها وبجرها، من غير معرفة ما هي الضوابط وما هي القيود التي ينبغي أن تضبط بها هذا الباب. ورحمة الله على أبي حاتم، صاحب «روضة العقلاء»، عندما أشار إلى مثل هذه المسألة، وهما تطرق إليها، لكن ألمح، فذكر رحمه الله تعالى كقاعدة عامة، قال: «والواجب على جميع المسلمين مجانبة الأفكار التي تؤدي إلى الشحناء والبغضاء». قال: «فالعاقل لا يخوض في هذه الأفكار». إذا كنت عدت هذه تجد أنك ستأتيك فكرة أو يأتيك فهم، وهذا الفهم مؤدى إلى التفريق وإلى التشتيت وإلى الشحناء وإلى البغضاء، هذا ينبغي أن تتجنب، ينبغي أن تتجنب، وأنك ترجع إلى عقلك بالضعف، قال: «الآن ما استطعت، هذه المسألة ما استوعبتها، أنا أرى هذه المسألة إن دخلت فيها أنا ستؤدي إلى الشحناء، فلا أخوض فيها». فقال: «فالواجب على الناس كافة مجانبة الأفكار التي تؤدي إلى الشحناء والبغضاء»، قال: «فالعاقل لا يخوض في هذه الأفكار»، ثم قال: «فلا تقبل وشاية الواشي بحيل من الحيل»، هذا الشاهد، «لا تقبل وشاية الواشي». وقلنا: «والواشون النمامون»، كما ذكر ذلك ابن حزم، «الواشون النمامون»، فلا تقبل، كما قال أبو حاتم: «لا تقبل وشاية الواشي»، وبحيلة يرمي بها بعض الذي في قلبه مرض، إما ممن يحب أن يستمع للأخبار، أو من كان في قلبه مرض ممن يحب أن ينقل الأخبار، سواء كان من هذا الصنف أو كان من ذاك الصنف. ماذا فعل؟ يتذرع يتذرع ببعض الحيل التي تسوغ له هذا الأمر، إما الاستماع للنميمة أو نقل النميمة، لكن التعذير وإعتذاره وعذره أنه يأتيه بباب الأدلة الشرعية. طيب نأتي الآن، إخواني في الله، ما هي الأدلة التي أشكلت عن الناس التي فيها أن الصحابة نقلوا الأخبار من جهة إلى جهة؟ من هذه الأخبار ما جاء في الصحيحين، أو في البخاري، في حديث زيد بن الأرقم رضي الله تعالى عنه، عندما سمع مقالة أهل النفاق عبد الله بن أبي، عندما قال: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا»، وفي قوله: «ليخرجن الأعز منها الأذل»، وعاني بالأعز نفسه، وعاني بالأذل رسول الله وأصحابه عليه الصلاة والسلام. فلما سمع زيد بن الأرقم هذه العبارة من هذا المنافق، ماذا فعل؟ ذهب إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وأخبره بالخبر، ثم قام نبينا واستدعى ابن أبي، ثم أنكر هذا المنافق ما قال وحلف أنه ما قال، ثم نزل بعد ذلك القرآن تصديقًا لنقل زيد بن الأرقم رضي الله تعالى عنه، إذن هذه حادثة صحابي نقل خبر من جهة إلى جهة. الحادثة الثانية ما وقع لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في قصة ذاك الخارجي، عندما قسم نبينا القسمة، فإذا بخارجي يقول: «إن هذه القسمة ما يراد بها وجه الله»، فذهب مسعود وأخبر نبينا بهذا الخبر، أنا فلان قال كذا وكذا، فغضب نبينا غضبًا شديدًا، حتى قال: «يرحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر». الحادثة الثالثة كذلك ما وقع في حديث ابن عمر في قصة أهل النفاق، عندما قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أجبن عند اللقاء، وأكذب ألسنة، وأشبع وأبطن وجوعًا»، أو «أشبع بطونًا»، فرموهم بالشبع وبالكذب ورموهم كذلك بالجبن. فكان في المجلس عوف بن مالك، فغضب لهذه المقالة، فقال المتكلم: «إنك منافق»، ولو أخبرنا رسول الله بما قلت، فذهب وأخبر نبينا بما قال هذا المنافق، حتى نزلت الآيات: «قل أبي الله وآياتي ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم». الحادثة الرابعة ما جاء في الصحيحين في قصة سعد بن عبادة، عندما قام نبينا عليه الصلاة والسلام وقسم الغنائم في غزوة حنين، قسمها على المؤلفة، ولم يعط الأنصار منها شيئًا من هذه الغنائم العظيمة، حتى وجد الأنصار في نفوسهم ما وجدوا، حتى تلفظوا، قالوا: «يغفر الله لرسول الله، يرحم الله رسول الله، يعطي أهل قريش، وإن سيوفنا لتقطر من دمائهم»، أعطاهم وما أعطانا. وقعت شيء من المقالات عنهم، فذهب سعد بن عبادة ودخل على نبينا، وقال: «يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا في نفوسهم»، الحديث بطوله وبتمامه. إذن هذا الوقع، إخواني في الله، وأنا أذكر هذا المقام، إخواني في الله، وإن كان هذا من المسائل الدقيقة، لكن لعظم البلبلة، بعض الناس أبتلي بمثل هذه المسائل، فما تفطن بها، فإذا بها لا يفرق بين النميمة المحرمة، وهي من كبائر الذنوب، وبين نقل الأخبار الجائز. فبعض قلنا: «مثل هذه الوقائع نقل أخبار من هذا المحل إلى نبينا، ثم صار الذي صار». بقي بعض الناس يغتر بمثل هذه الأدلة، وأن هذا الذي تؤيده على ما هو عليه من نقل الأخبار، فينشر هنا ويكتب هنا وينشر هنا، بحجة النصح، يقول: «أنا أفعل كما فعل الصحابة، أنقل نصحًا للناس». فهل هذا صحيح، إخواني في الله؟ طبعًا هذا ليس بصحيح، ينبغي، إخواني في الله، التأمل فيما سيذكر من الفوارق. ينبغي أن نفرق بين النميمة المذمومة المحرمة الممقوتة، وبين نقل الأخبار المشروع الممدوح المحمود، هذه مسألة، وهذه مسألة. وكيف تفرق بين هذا وبين هذا؟ تفرق يا عبد الله ببعض الفروق، والفروق كثيرة، والمقام لا يسمح بذكرها، لكن حسبنا في هذا المقام أن نذكر طرفًا من هذه الفروق. من أعظم الفروق الذي به تفرق بين النميمة وبين نقل الأخبار الجائز، أن الذين كما ترى في الروايات، أن الذين نقلت الأخبار عنهم هم أناس لم تكن لهم حرمة، هم أناس لم تكن لهم حرمة، باستثناء قصة سعد بن عبادة مع الأنصار، هذه القصة اجعلها على جنب. أما الروايات الثلاث، والنقولات الثلاث، هي بالحقيقة نقل أخبار عن أناس لم تكن لهم حرمة. فزيد بن الأرقم نقل الأخبار لرسول الله عن من؟ عن أهل النفاق. كذلك ما يتعلق بقصة عبد الله بن مسعود، عندما نقل الأخبار عن الخارجي، كان رجل لم تكن له حرمة. في قصة ابن عمر، يعني في عوف بن مالك، عندما قال أهل النفاق: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء»، كذلك من أهل النفاق، لم تكن لهم حرمة. الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، عندما وقف عند قصة ابن مسعود مع الخارجي، وكيف أن مسعود ذهب ونقل الخبر إلى رسول الله، ماذا قال الحافظ؟ قال الحافظ رحمه الله تعالى: «أن فعل ابن مسعود يدخل في صورة النميمة»، يدخل في صورة نميمة، نقل الأخبار من صورة النميمة، لأن كما قلنا النميمة تعرف بالمعنى العام، هو كشف الستر، كشف الستر وهتك السر. فأي شيء كشف ستر، فهذا تعتبر نميمة. فقال حافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «أن فعل ابن مسعود كان يأتي بخبر الخارجي إلى نبينا»، قال: «هذه صورته صورة نميمة»، قال: «لكن رسول الله أقره»، لماذا أقره؟ بيّن الحافظ رحمه الله تعالى: «أن هذا الرجل كان يبطن الكفر»، لأنه اعترض على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاعتراض على رسول الله هو اعتراض على الله جل وعلا، اعتراض على الله عز وجل هذا هو الكفر بعينه. فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وهذا كحال من ينقل الأخبار عن الكفار»، قال: «كالذي يتجسس عليهم»، لأن رجل يتجسس على الكفار، هل هذا يذم أو يحمد؟ هذا يحمد، رجل يذهب إلى بلاد الكفر يتجسس على أخبارهم، ما الذي ينوونه؟ ما الذي يخططون له؟ ما الذي ينوون فعله على بلاد المسلمين؟ يذهب ويكشف من أخبارهم ما فيه مصلحة للإسلام، فكونك تتجسس على الكفار هذا مما ينفع الإسلام. فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بفعله: «كشف شيء من أخبار هؤلاء الضلال»، ثم قال رحمه الله تعالى: «وهذا الخارجي لم تكن له حرمة»، هذا الشاهد، فعلم بهذا أنه إذا كان الذي ستنقل عنه الخبر ليست له حرمة، كان يكون مكافرًا، كان يكون منافقًا، كان يكون مبتدعًا ضالًا، وأن مقالته مقالة آثمة فاجرة، وأنه إذا ترك يتقول بما شاء دون أن يبلغ، لا أضر للإسلام والمسلمين، فهنا لا يا عبد الله تنقل الأخبار عن هذا. قل: «يا فلان، بلغني عن ذاك الفاسق»، بلغني عن ذاك المنافق، أو بلغني عن رجل لا أعرف عنه على الاستقامة أنه قال كذا وكذا، فلا بأس أن تنقل الخبر عن من لم تكن له حرمة. إذا علمنا هذا، فكيف أنت يا عبد الله؟ وقصدي بالذي يخوض في مثل هذه المسائل، تأتي بعد ذلك عند المسلمين والمسلمات، وعند الصالحين والصالحات، وعند أهل الصلاة والتقى، وعند أهل العلم، ثم تسمع الأخبار عنهم، ثم تنقلها إلى جهة أخرى، كيف تسوغ نفسك بهذا؟ فلا تستدل بالروايات التي عندك، الروايات التي عندك إنما نقلت أخبار عن أناس لم تكن لهم حرمة، من أهل النفاق، من أهل البدع، من أهل الكفر. أما تأتي عند أهل الصلاح يا عبد الله، ثم تستدل بهذا الأدلة، فلا يتأتي هذا معك. إذن هذه من أعظم الفوارق، الفارق الأول يا عبد الله: أن النميمة إنما يكون فيها حفظ أعراض المؤمنين والمؤمنات، فلا تنقل. أما إذا كان لم تكن له حرمة، فلا بأس أن تنقل أخبارهم، كما جاءت روايات الأمر الثاني، الفارق الثاني: أنه إن كان في النقل نقل خبر فيه مصلحة، فحينها لا بأس، إذن الفارق الثاني المصلحة. أن النميمة نقل أخبار فيها عبارة عن مفاسد، على مفاسد، مزالق، مهالك، تقضي عن من جاء عنه الخبر مضرة. أما في نقل الأخبار التي جاءت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كان من وراء نقل الأخبار مصلحة عظيمة للإسلام والمسلمين. ففي نقل الأخبار عن ذلكم الخارجي، في نقل الخبر عن أولئك الذين طعنوا في الصحابة، كان في ذلك مصلحة عظيمة، أن عرف الناس من هم الدسيسة، هؤلاء كانوا أناس قد تلبسوا بزي الإسلام، ودخلوا في صف المسلمين، فما تميزوا، فما تميزوا هم بالحقيقة كما يسمى في هذا القرن «الطابور الخامس»، طابور خامس موجود بين المسلمين، لكن ما عرفوا، لكن لما تم نقل هذه الأخبار عنهم، عرف الناس أن هؤلاء هم الأعداء، وأن هؤلاء خصوم، فأصبح الناس يأخذون حذرهم منهم، فهذه مصلحة عظيمة. متى جئت؟ لما نقلت الأخبار عنهم. كذلك في قصة سعد بن عبادة، في قصة سعد بن عبادة، عندما دخل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وأخبره بما وجد الأنصار في نفوسهم، ماذا وقع؟ سارع نبينا عليه الصلاة والسلام أن جمع الأنصار في تلكم الحضيرة، ثم قام فيهم خطيبًا: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم»، فتكلم القوم، ثم دخل نبينا في موعظة بليغة عظيمة جليلة موجزة، حتى كان في نهايتها أن بكى نبينا عليه الصلاة والسلام، وبكى الأنصار، قال الراوي: «حتى أخلطوا لحاهم بالبكاء». انظر الفرق، كان الأنصار قبل قليل في نفوسهم شيء، وفي نفوسهم شيء، وما هم إلا بعد هذا المجلس إلا زادوا تعظيمًا لله ورسوله، حتى بكوا وأخضلوا لحاهم بالبكاء، وقالوا: «رضينا برسول الله قسمًا وحظًا»، «رضينا برسول الله قسمًا وحظًا»، خرجوا معظمين لنبينا، أليست هذه مصلحة؟ بل مصلحة عظيمة جدًا، متى وقعت؟ عندما قام سعد ونقل هذا الخبر لنبينا عليه الصلاة والسلام. فينبغي أن نفرق، النميمة نقل الأخبار فيها عبارة عن شحناء وبغضاء، أما نقل الأخبار الجائز، تأتي من وراء المصالح الخير. وبعد هذا، للأسف الذي نعلم من هؤلاء الذين خاضوا في هذا الباب، وأخذوا ينقلوا الأخبار عن الصالحين، ما الذي جرع الأمة؟ ما الذي جرع على الدعوة؟ ما الذي جرع على الناس؟ السباب، والشتام، والخصومات، والغيبة، والبهتان، والكذب. لو ربما أذكر، والله بعض النقلات نقلت من هذا المجلس إلى ذاك المجلس، فإذا بها أقيمت حرب لا هوادة بين الأعداء، حرب لا هوادة، طعم في الأعراض، طعم في الأنساب، ناهيك عن الشحناء، ناهيك عن البغضاء، ناهيك عن العداوة، ناهيك عن الحقدة الذي تم بين الفريقين، كل ذلك بسبب نقل خبر. ثم هذا الذي نقل خبر يستدل بقصة الصحابة، لا يا عبد الله، بعيد، الصحابة نقل الأخبار كان من ورائها مصلحة عظيمة للإسلام والمسلمين، لكن في نقل خبرك جئت بالمذمة، جئت بالذم، جئت بالتنقص على بلاد المسلمين وعلى الدعوة وعلى الخير. فيا عبد الله، فينبغي أن نفرق، النميمة لها شأنها ولها بابها، ونقل الأخبار له بابه. إذا نخلص من هذا، وهذا التنبيه الثاني، وهو أن النميمة تنفع إذا كان من ورائها مصلحة، قد صرح بذلك النووي رحمه الله تعالى، كما في شرح مسلم، وهكذا من دقيق العيد رحمه الله تعالى، في «إحكام الإحكام»، حيث قال: «بأن النميمة إن كان من نقلها مصلحة»، قال: «فهي ممدوحة»، إن كان من ورائها مصلحة تنتفع بها الناس، ينتفع بها الأمة مصلحة، فلا بأس أن تنقل هذا الخبر. وأن تنظر في نفسك، فإن كنت يا عبد الله عندك خبر، وأن تنظر إلى مآل هذا الخبر، إن كان مآله إلى الفساد والإفساد، فهي نميمة من مذمة، وإن كان من مآل هذا الخبر المنقول إلى جهة أخرى أن المرجوة مصلحة، وعموم الخير والنفع للعام والخاص، والقاص والداني، فهذا لا شيء فيه. فهذا، إخواني في الله، الفرق الأول والثاني، وهناك عدة فوارق يذكرها العلماء، لكن الوقت دهمنا، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.