الدرس في شرح كتاب التوحيد 41، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر في سياق لبس الحلقة والخيط، حيث يُعتبر الشرك الأكبر هو جعل ند لله في ربوبيته أو ألوهيته، بينما الشرك الأصغر هو جعل سبب غير شرعي أو كوني لحدوث شيء ما. يُوضح أن الاعتقاد بأن الحلقة أو الخيط لهما تأثير ذاتي يعتبر شركًا أكبر.
يشرح أهمية التمسك بالأسباب التي دل عليها الشرع أو التجربة، ويحذر من التعلق بأسباب لم يدل عليها الشرع أو التجربة، ويعتبر ذلك شركًا أصغر. كما يوضح ثلاثة أمور مهمة في التعامل مع الأسباب وفقًا للإمام السعدي.
يشرح ثلاثة أمور مهمة في التعامل مع الأسباب وفقًا للإمام السعدي، ويختم بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا إخواني في الله في الدرس الأخير ما يتعلق بتبويب المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. وأشرنا إلى عدة مسائل أن هذا الباب يعد أول باب تفصيلي لمسائل التوحيد، وذكرها المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الضد، وعلمنا كيف أن الأشياء تتميز إما بمعرفة ماهيتها أو بمعرفة أضادها. وأشرنا إلى ما يتعلق بقول المؤلف "من الشرك" وما يتعلق بمعنى الحلقة والخيط، وما المقصود برفع البلاء أو بدفعه، والفرق بينهما. لازلنا إخواني في الله في هذا التوثيق، ونود أن أشير إلى مسألة مهمة وهي في قول المؤلف رحمه الله تعالى "باب من الشرك". المؤلف رحمه الله تعالى لم يحكم في حق من اتخذ الخيوط والحلق يلبسها حماية وصيانة لنفسه، هل هي من الشرك الأكبر أم الأصغر؟ لأنه قد يحتمل هذا ويحتمل ذاك. وهنا إخواني في الله من باب الإيضاح ينبغي أن نتعرف إلى الضوابط: كيف تتعرف إلى أن هذا الأمر من الشرك الذي هو من الشرك الأكبر الذي صاحبه خالد مخلد في نار جهنم، خرج من الدين والملة؟ ومتى ما يكون الوقوع في هذا النوع الثاني وهو من الشرك الأصغر الذي لا يخرج من الدين ولا من الملة؟ أولًا إخواني في الله باختصار وعجالة، أن الشرك بشكل عام وهو الشرك الأكبر أن تجعل لله ندًا. وهذا قد أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الشرك قال: "أن تجعل لله ندًا". فكل من جعل لله ندًا فقد وقع في الشرك. وهذه الندية أي جعل نظير ومثيل لله جل وعلا، تارة يكون في ربوبيته وتارة في ألوهيته سبحانه. فكونك تجعل لله ندًا في ربوبيته، مثله ومثاله بأن تعتقد في شخص ما تعتقده في الله، فربنا عز وجل هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، وهو النافع الضار جل في علاه. فإن اعتقدت في مخلوق ما كائنًا من كان بأنه يخلق ويرزق ويحيي ويميت وأنه النافع الضار كما تعتقده في الله، فقد وقعت في الشرك، أي تجعل ما لله من أفعال تجعلها لخلق من خلقه، فهذا من الشرك الأكبر وهو شرك في ربوبية الله. وأما في باب الألوهية، وهو أنك تصرف الطاعات والعبادات لغير الله كائنًا من كان، تصرف الطاعة لملك مقرب أو لنبي مرسل، فقد وقعت في الشرك الأكبر. فلا أحد يعبد إلا الله جل في علاه. فهذا اتخاذ الند مع الله في ألوهيته. فكونك تجعل لله ندًا في ربوبيته كأن تعتقد في أحد من خلقه ما تعتقده في الله، فقد وقعت في الشرك الأكبر، أو أنك تعبد أحدًا غير الله، فقد وقعت في الشرك الأكبر. هذا الضابط يفهم ويحفظ. أما ما يتعلق بالشرك الأصغر يا عبد الله، فله صور وله قواعد. من قواعد هذا الباب كيف تعرف أنك وقعت في الشرك الأصغر؟ وهو أنك إن جعلت سببًا وهو ليس بسبب لا كوني ولا شرعي، فقد وقعت في الشرك الأصغر. أعيد: من جعل سببًا وهو ليس بسبب لا كوني ولا شرعي، فقد وقع صاحبه في الشرك الأصغر. مثاله نأتي الآن إلى هذا الباب، وهو ما يتكلم وما يتعلق بلبس الخيوط والحبال والحلق. فإذا رأينا إنسانًا ما علق حلقة أو علق خيطًا، ما اعتقادك يا عبد الله بهذا الخيط؟ إن قال: والله أنا أعتقد أنها تشفي هي، قال: نعم هي تشفي، تأتي بالعافية، تأتي بالصحة. قل له: الله الشافي هو الله جل في علاه. نعم وهذه، فهذا وقع في الشرك الأكبر، جعل لله ندًا في ربوبيته، يعتقد في الخيط ما يعتقده في الله. الله هو الشافي، الله هو النافع الضار، ويعتقد في الخيط أنه الشافي وأنه النافع الضار، هذا وقع في الشرك الأكبر. لكن إن قال: لا، وهذا الذي عليه أكثر الناس، يقول: أستغفر الله، أنا أعتقد بأن الله هو الشافي سبحانه، لكن هذا سبب، الخيط والحلقة هذه سبب من الأسباب، نسأل الله يجعل فيها الشفاء. نقول: أنت الآن وقعت في الشرك الأصغر. فبهذا إخواني في الله يكون الحكم على من علق خيطًا، علق صدفة، علق ودعة، علق خيطًا. قس على هذه التعلقات، فإن كان صاحبها يعتقد فيها بأنها مؤثرة في نفسها، فقد وقع في الشرك الأكبر. وإن جعلها سببًا من الأسباب، فقد وقع في الشرك الأصغر. إذن القاعدة في هذا الباب يا عبد الله، أنك تنظر إلى مسألة الأسباب. وهذه مسألة إخواني في الله لا تخفى على كثير من الناس، ولابد من بيانها. أنت يا عبد الله تحتاج إلى سبب في أداء أي أمر من الأمور، له أسباب. تريد الصحة لها أسباب، تريد العافية لها أسباب، تريد الذرية لها أسباب، تريد المال له أسباب. ما من شيء إلا وجعل الله له سببًا. فوصولك إلى الأشياء تحتاج إلى اتخاذ الأسباب، حينها لابد أنك تنظر إلى هذا السبب الموصل للأمر على ماذا مبني؟ ما لك إلا طريقتان يا عبد الله، إما أن هذا السبب دل عليه الشرع، جاء في كتاب الله، جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخذه وانتفع به حتى يوصلك إلى المطلوب. أو أن هذا السبب ما دل عليه الشرع، لكن دل عليه الكون، دل عليه القدر، وهو الذي يعرف بالتجربة، يعرف بالتجربة. فإذا علم من حياة الناس من تجارب الناس أنه سبب، فخذه يا عبد الله وانتفع به. مثاله لو أن عندك في بيتك مريضًا طريح الفراش، وأردت علاجه، فأنت يا عبد الله بين طريقتين، إما هذه وإما هذه للوصول إلى الشفاء. الأمر الأول إما أنك تتخذ الأسباب الشرعية مما دل عليها الشرع أنها سبب من أسباب الشفاء والعافية، مثل ماء زمزم لما شرب له، مثل الحبة السوداء شفاء لكل داء، مثل القرآن، الرقى والنفث من القرآن ما هو شفاء، مثل العسل جعله الله شفاء للناس. هذه أسباب شرعية معك تؤيدك على أن هذه الأشياء دل عليها الشرع على أنها سبب العلاج، فخذها. أو أنك تذهب إلى أسباب كونية قدرية، وهي التي تعلم من خلال التجربة، من خلال التجربة، مثل الأدوية، مثل العمليات، مثل العقاقير، مثل الكبسولات، مثل التحاليل، مثل هذه العلاجات الموجودة الآن في دنيا الناس، دلت عليها التجربة. من عنده صداع تناول هذه الحبة فنشط، من عنده جفاف، من عنده فقر الدم، من عنده نقص في السكر يستخدم هذه المغذيات، والقرب نهض. هذه علاجات من الأسباب، من أين علمنا أنها سبب؟ تجربة الناس، خذها يا عبد الله وانتفع بها. لكن نأتي إلى شخص لم يذهب لا إلى الطريق هذا ولا تلك الطريق، وإنما طريق ثالث يسرقه لوحده. ما الذي فعل؟ أتى إلى مريضه وأتى له بحبة سوداء مثلًا وجعلها في كيس وقرطاس وعلقها. أو يأتي إلى بعض الخيوط السوداء ويجعلها في العضد، يقول له يا عبد الله: إيش هذا؟ يقول: يا أخي والله هذا شفاء للمريض. يقول: من الشافي؟ يقول: الشافي هو الله، الشافي ولكن هذا سبب معين. قل له: من أين علمت بأن هذا السبب معين؟ هل عندك نص قرآن، من السنة، من أدلة الشريعة؟ لأن الشريعة دلت على أن الخيط الأسود أو تعليق الحبة السوداء هذا التعليق شاف، يقول: الله ما عندي نص شرعي بهذا. طيب نرجع إلى تجربة الناس، هل في باب الطب والتجربة دل على أن الخيوط السوداء تمتلك خاصية في هذا الباب؟ يقول له: والله ما عندي برهان علمي، برهان علمي طبي ما عندي، طب من أين أخذت بهذا؟ والله عند الناس، عندنا في بلد يستخدمون هذا. هذا الآن ماذا فعل؟ اتخذ سببًا للعلاج، لكن هذا السبب إذا رأيت ليس بسبب شرعي وليس سببًا كونيًا قدريًا، هذا ماذا نسميه حينها؟ بالشرك الأصغر. وهذا مما اتفق عليه علماء العقيدة والتوحيد، من اتخذ سببًا وهو ليس بسبب لا شرعي ولا كوني قدري، فيعد من الشرك الأصغر. يبقى السؤال: فلماذا أسميناه بالشرك؟ لماذا أسميناه بالشرك؟ قال العلماء: لأن هذا الفاعل قد شارك الله بجعل أسباب قدرية في كونه ما جعلها الله. هنا الشرك. ولهذا اصطلح العلماء على تسميته بالشرك الأصغر. مثاله: الله عز وجل جعل السحاب سببًا لنزول الأمطار، هذا سبب كوني، هذا الأصل سبب كوني أن نرى السماء ونزل الغمام، هذه إشارة إلى سبب إلى نزول الأمطار، وهذا وقتها وحينها هذا السبب من الله عز وجل. فلما يأتي رجل ويقول: لا، الخيوط إخواني في الله سبب العلاج، من أين جئت بهذا؟ هل أنبأك الله بهذا أم أنك تفتري على الله بوضع أسباب ما أنزل الله بها من سلطان؟ هذا الفعل منك عندما وضعت سببًا وهو ليس بسبب، كأنك زاحمت الله في كونه بأن وضعت سببًا وهو ليس بسبب. ولهذا اصطلح العلماء على أن فاعل هذا الفعل قد وقع في الشرك الأصغر. فلهذا إخواني في الله ينبغي أن نهتم بقضية الأسباب. فإذا أردنا نبه عليها الإمام السعدي رحمه الله، يستحسن ذكرها في هذا المقام. قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور. وكما قلنا مسألة الأسباب من المسائل الشائكة، يقع فيها الغلط ويقع فيها الخبط بين الناس، وهو أن تتخذ سببًا للوصول إلى أمر ما. الإمام السعدي رحمه الله تعالى أشار إلى ثلاثة مسائل، هذه المسائل ينبغي أن تفهم جيدًا في اتخاذك للأسباب. قال رحمه الله: أولًا، أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا. قد مضى هذا معنا. وهذا إخواني في الله فيه إزالة لكثير من الاستفسارات التي يتداولها الناس: ما حكم هذا؟ ما حكم هذا؟ وخاصة في باب العلاج، بين الفترة والأخرى تظهر لنا في مجتمعات أنواع من العلاجات، فيقع الناس فيها في لبس. افهم هذه القاعدة: إذا رأيت أن هذا العلاج دل عليه الشرع، خذه واطمئن يا عبد الله. وإذا رأيت أن هذا العلاج قد جاء به الطب بالأدلة والبراهين وتجربة الناس، خذه ولا غضاض في ذلك. وإذا رأيت أن هذا الأمر لم يدل عليه الشرع ولا العقل، قف يا عبد الله ولا تدخل فيه. وهذا كثيرًا ما يأتي تحت العادات والتقاليد، ومن فعل السحرة والمشعوذين. فأي أمر ما دل عليه العقل ولا الشرع، هذا لا تستخدمه يا عبد الله في باب العلاج ولا في أي باب، حتى تتثبت من هذا السبب، لا بد دل عليه الشرع ودل عليه القدر والكون. قال ثانيًا: أن لا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها. الفائدة الثانية في باب الأسباب: من أراد الشفاء عليه بالسبب، من أراد الصحة عليه بالأسباب، من أراد الزواج والذرية عليه بالأسباب، من أراد العمل، من أراد الوظيفة، من أراد الدراسة، من أراد راحة البال، من أراد أي شيء، حين عندما تأخذ الأسباب يا عبد الله، قاعدة العلماء في هذا الباب، وهذا سيأتي معنا كثيرًا في باب التوكل، لأن باب التوكل يقوم على الأسباب، وستأتي مثل هذه المسائل وما هو أوسع منها. لكن في هذا الباب، أنك إن اتخذت سببًا من الأسباب، افهم أمر واحد وهو: السبب هو وسيلة. فإذا أخذت السبب بعد ما أن تأخذ السبب، ارمي به. هل تفهم ما معنى ترمي به؟ ارمي به، لا تلتفت إليه ولا تركن عليه، وإنما توكل على الله. خذ السبب وتوكل على الله، ولا تلتفت إلى الأسباب. الأسباب هي وسائل. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "اعقلها وتوكل". خذ السبب اعقلها، لكن قلبك بالله معلق، اعقلها وتوكل. لأن من الناس من يأخذ بالأسباب ويركن إليها ويعتمد عليها ويوالي ويباري على هذا السبب، لا يعبد الله. السبب سبب، ما هو إلا وسيلة. خذ بالأسباب وبعد انقضائها، التفت إلى الله، ادع الله، تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تلتفت بعده إلى الأسباب. القاعدة الثالثة قال السعدي رحمه الله تعالى: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت، فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره. وهذه فائدة عظيمة جدًا. أنت قد تأخذ بالأسباب، لكن هل معنى الأخذ بالسبب أن الأمر محقق؟ لا. قد تأخذ بالأسباب بالعلاج، بالأدوية، بالعقاقير، الأسباب الشرعية والأسباب الكونية، وأحسن المستشفيات وأفضل الأطباء، إلا أن الله أراد من هذا الكائن أن يموت. فمهما أخذت بالأسباب، اعلم أن الأمر أولًا وآخرًا يعود إلى الله، إلى الإيمان بالقضاء والقدر. فالأسباب مهما عظمت أن تخذ بها واعتمد على الله، لكن هل ستنجح النتيجة؟ الله أعلم أمرها يعود إلى الله. ولله الحكمة البالغة، فالله يفعل ما يشاء جل في علاه. فالملك ملكه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء. وإذا ربما تخلفت الأسباب فما أتت بالنتائج، لأن الله ما أراد. فهذا إخواني في الله قواعد سريعة في مسألة الأسباب. ومنها نعلم أن قول المؤلف رحمه الله تعالى "من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما" علمنا أنها قد تصل إلى حد الشرك الأكبر إن ظننت أنها تنفع كما تعتقده في الله بأنها مؤثرة في نفسها، أو تكون من الشرك الأصغر إن جعلتها سببًا وهي ليست أصلا بسبب. فهذا ما يذكر في هذا الباب. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.