الدرس في شرح كتاب التوحيد 39، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الدرس أهمية كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' وفضائلها، ويبين أنها لا تنفع قائلها إلا إذا أتى بلوازمها ومقتضاها. يُذكر أيضًا بعض الأحاديث النبوية التي تشير إلى فضل هذه الكلمة.
يشترط لعصمة الدم والمال في الإسلام قول لا إله إلا الله والكفر بما يعبد من دون الله، مع الالتزام بلوازمها وأحكامها. يشرح المقطع معنى لا إله إلا الله ويبين مقتضياتها وأهمية القيام بها.
دل الحديث على أن معنى لا إله إلا الله هو إفراد الله بالعبودية. وقد ناقش الشيخ هذا المعنى في درسه وأوضح أهمية الإخلاص والكفر بما يعبد من دون الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح، أي في صحيح مسلم، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، وطارق بن أشيم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حُرِم ماله ودمه». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان تفسير التوحيد وكلمة لا إله إلا الله، وهو آخر دليل يذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله» فيه فضيلة عظيمة لهذه الكلمة، وكيف لا، فهي كلمة الإسلام والتي يدخل بها الأنام إلى هذا الدين، ولأجل هذه الكلمة قُسمت الخليقة إلى مؤمنين وفجار، وإلى مسلمين وكفار، ولأجلها شرع الجهاد في سبيل الله، وأقيم سوق الجنة والنار. وهذه الكلمة، إخواني في الله، عظمتها ليس فقط في باب الاعتقاد أن تعتقد بما فيها، لا بل حتى في ذكرها، وأن تجعلها وردًا تتقرب به إلى ربك جل وعلا، هي من أفضل الذكر. ولهذا جاء من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قلت يا رسول الله، أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: «هي من أفضل الحسنات، لا إله إلا الله من أفضل الحسنات». لهذا يا عبد الله، حاول أن تجعل هذا وردًا تتقرب به إلى ربك جل وعلا. وقد جاءت الأدلة على أن «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد» هذه تجعل من أذكار الصباح ومن أذكار المساء، بل جاء كذلك من الصيغ الواردة الذي يأتي بها المصلي بعد الصلاة أن يأتي بالتهليل، فخمسة وعشرين تسبيحة وخمسة وعشرين تكبيرة وخمسة وعشرين تحميدة وخمسة وعشرين تهليلة «لا إله إلا الله». اجعلها خمسة وعشرين مرة، هذا نعم، ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من الأذكار التي يأتي بها بعد الصلاة. فالشاهد أن هذه الكلمة من أعظم الكلمات في الوجود، لا إله إلا الله، أوجد ربنا جل وعلا لها الكائنات والخلائق والمعمورة. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله» فيه إشارة إلى أن هذه الكلمة تفتقر إلى لوازمها، وأن هذه الكلمة ما تقوم إلا بمقتضاها، إذا وجد المقتضى لهذه الكلمة تنتفع بها، أما كلمة مجردة لا، ما تنتفع منها. ومن تأمل في أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف أنه يُقرن هذه الكلمة بضرورة القيام بحقها، كهذا الحديث الذي بين أيدينا، وما ثبت كذلك في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله مُخلِصًا بها من قلبه أدخله الله الجنة»، فاشترط نبينا الإخلاص مع هذه الكلمة. وقال عليه الصلاة والسلام: «أبشروا وبشروا من وراءكم، من قال لا إله إلا الله صدقًا من قلبه أدخله الله الجنة»، فهنا اشترط الصدق في قولها. وقال عليه الصلاة والسلام: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله أدخله الله الجنة». والنصوص في هذا الباب كثيرة جدًا على هذا المنوال، أنك تأتي بلا إله إلا الله وتأتي بمقتضاها، تأتي بمقتضاها، تأتي بلوازمها، وهذا لابد منه، عبد الله. فلا تظن أن هذه الكلمة بحروفها تنفعك، لا، هذه الكلمة لها روح، لها حقيقة ينبغي أن تؤدى. ومنه ما ذكره نبينا في هذا الباب. وفي قول عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حُرِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ» دل على أن العصمة في أنك تكون يا عبد الله معصوم الدم ومعصوم المال بأنك تأتي بلا إله إلا الله وتأتي بمقتضاها، هنا تكون العصمة، تكون العصمة بهذا، بأن تقول لا إله إلا الله وكذلك تأتي بمقتضاها، حينها يُعصم دمك ومالك. فإن تم الإخلال بأحد هذين الركنين، فإنك يا عبد الله لا تكون معصوم الدم ولا معصوم المال. ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا». متى جاءت العصمة بالأمرين؟ بقول لا إله إلا الله، بالإتيان بالشهادة، وأنك تلتزم بلوازمها، وهو القبول والانقياد لأحكام الدين، فتلتزم بالصلاة والزكاة، فإن فعلت ذلك رفع عنك يا عبد الله السيف، فيُعصم دمك، ويُعصم مالك. وفي مسند الإمام أحمد، من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مجلس من مجالسه، كما جاء من حديث عبيد الله بن خيار رضي الله تعالى عنه، إذ جاءه رجل من الأنصار، فساره، ساره أي ألقى إليه سرًا، فإذ به يستأذن رسول الله في قتل أحد من المنافقين، يستأذنه في قتل أحد من المنافقين، فقال رسول الله: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟» فقال الرجل الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولكن لا شهادة له. فقال نبينا: «أليس يشهد أني رسول الله؟» فقال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولكن لا شهادة له. قال: «أليس يصلي؟» قلت: أجل يا رسول الله، ولكن لا صلاة له. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم»، أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم. رجل أتى بالتوحيد وأتى باللوازم والمقتضى، كيف يسفك دمه؟ ما يسفك دمه ما دام قام بالمقتضى بلوازم لا إله إلا الله. فدلت هذه الأدلة، إخواني في الله، على أن من أتى بكلمة التوحيد ثم التزم بمقتضاها وأحكامها وما يكون من أركانها وشروطها ولوازمها، هذا الذي يعصم دمه وماله. الفائدة الثالثة، الرابعة في هذا الحديث، في قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله»، من لوازم هذه الكلمة يا عبد الله، يا من يقول لا إله إلا الله، أن هذه الكلمة ينبغي أن تلحق ببرهان، وبرهانك أنك تكفر بكل معبود عبد من دون الله، هذا شرط، وهذا قيد حتى يعصم دمك ومالك. فمن أعلن التوحيد لا إله إلا الله وكفر، والكفر هنا بمعنى التبرئة، بمعنى البغض لهذا المعبود الذي عبد من دون الله، مع بغض أهله، وأن هذا المخلوق وهذا المعبود لا يستحق أن يعبد، كائنًا من كان، هذا منك كفر بهذه المعبودات، هنا حققت التوحيد، يُعصم دمك ومالك. لكن إخواني في الله، ينبغي أن نعلم أن كلمة الكفر بمعنى التبرئة فقط، هذا الذي يُعصم دمه وماله. لكن ما ظنك برجل يقول لا إله إلا الله، لكن إزاء المعبودات هو ماذا؟ هو في شك، هو شك فيها؟ تقول: يا أخي، ما تقول في دين النصارى وهم يعبدون عيسى عليه السلام، أدينهم صحيح؟ يقول: يا أخي، يمكن، يمكن. أين الإمكانية؟ يقول: أخي يمكن يكون دينهم صحيح، حينما نُعنف عليهم، مهما كان عيسى ولو عبد، هو صالح، نبي صالح ورسول صالح، أحنا أعتقد أنه نبي، لكنهم يظنون فيه كذا، فالله أعلم. لا، من شك، من شك وتردد في هذه المعبودات في عدم كفرها، فهذا كافر. وهذا الذي يصر به العلماء من نواقض الإسلام، أنه من تشكك في كفر كل ما عبد من دون الله تشكك أو قل توقف، ما تقول في عبادة الهندوس مثلًا لصنم بوذا الذي يعبد من دون الله؟ ما تقول في عبادتهم؟ يقول: يا أخي، لكن الذي أراه أنهم يعبدون هذا الصنم بوذا بملايين البشر، فالله أعلم. يا رجل، القوم يعبدون صنمًا يعبدون وثنًا، هذا يستحق أن يعبد؟ ما تقول فيه؟ توقفه كفر، لأن الشرع إنما ألزمك بحالة واحدة: من قال لا إله إلا الله وكفر، تكفر مباشرة، ما عندي شك، ما عندي ريب، ما عندي توقف. فما ظنك بالذي يصححه؟ لا أقول شاكًا ولا أقول متوقفًا، بل يصحح هذه المعبودات، كمن يرى مثل أن ما عليه النصارى من عبادة عيسى صحيحة، أو من يجيز بما يسمى بتوحيد الأديان. على ماذا توحيد الأديان؟ توحيد الأديان أن هذه الأديان كلها صحيحة، نحن مسلمون على حق، والنصارى على حق، واليهود على حق، طيب ما في عبد من دون الله باطل، لا، ما في باطل، الكل صحيح، الكل صحيح، ما فيه شيء. وكما يقول بعضهم: الانتقال بين الأديان كالانتقال بين المذاهب، تنتقل شافعيًا، أحمديًا، مالكيًا، أحمديًا، وأبو حنيفة، كذلك يوم نصراني، بكرة يهودي، بعد بكرة مسلم، تنوع، هذا كلها أديان سماوية. فالذي يصحح هذه الأديان فهذا كافر، ومن ذلك من يرى ويدعو إلى توحيد الأديان، فهذا كفر كما صرح به العلماء، لأن من شرط التوحيد: من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله. ما يتم توحيدك يا عبد الله إلا أن تزعن ببطلان كل آلهة، كل معبود عبد، ومن ذلكم الأديان المحرفة الزائفة، عليك أن تكفر بها يا عبد الله، وأن تعلم أنه ما يجوز لأحد أن يتبعها، فضلًا أن تتشكك أو تصحح مثل هذه الأديان. وهذه إخواني في الله بلية، بلية ينبغي أن تفهم عند كثير من الناس، إذ أن من الناس من يظن أن من قال لا إله إلا الله يكفيه، فليست كافية. هل نحن نرى إخواني في الله من يقول لا إله إلا الله وهو يسب الدين والرب؟ ما الذي نفعل؟ المسلم يبقى معنا في بلاد الإسلام والمسلمين، وهو يلعن في الصباح والمساء، ويعلن هذا بكل جرأة. أو رجل يقول لا إله إلا الله وهو متردد في عالم الملائكة من كثرة ما يسمعه من الإلحاد، أصبح يتردد في عالم الملائكة، أو من يقول لا إله إلا الله وهو لا يؤمن بعالم الجن، أو من يقول لا إله إلا الله وهو يطعن في زوجات الرسول، أو يرى كفر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو يقول لا إله إلا الله، إلى متى؟ هل هذه الكلمة فقط من قالها كشماعة يدخل في أمتنا وفي ملتنا ويبقى على هذا ردحًا من الزمن مهما أتى بالنواقض؟ لا، الدين يا عبد الله كما ذكرنا ذلك سلفًا، قول لا إله إلا الله ليس في عصمة، وإنما هي بداية عصمة، ثم النظر، ثم النظر ما بعد هذه الكلمة، هل تلتزم أو لا تلتزم؟ إن التزمت بالدين فأنت من أهل الإسلام، وأما ما التزمت يا عبد الله، فحينها تدخل في هذا الحديث. فنبينا صلى الله عليه وسلم إنما علق العصمة بأمرين اثنين: بقول لا إله إلا الله، والقيام بمقتضاها. وهنا من مقتضيات هذه الكلمة: «وكفر بما يعبد من دون الله»، حينها عصم دمه وماله. هذا ما يذكر إخواني في الله، وفيه الفائدة الأخيرة، نختم بهذا المقام، وهو أن نعلم ما معنى لا إله إلا الله، وهو ما جاء في قول نبينا: «وكفر بما يعبد»، العبودية، فمن أثبت العبودية لله وسلبها عن غير الله، إذن هذا هو الموحد. فتجد أن كلمة لا إله إلا الله تدور على العبودية، فلا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله، ولا يجوز بحال أن تصرف الطاعات والعبادات لغير الله، أو أنك ترضى أن هذه العبادات تصرف لغير الله، ولو لم أنت تعبد كما عليه النصارى، أنت لست نصرانيًا، أنت مسلم، لكن كونك تصحح وتسوغ ما عليه النصارى من عبادة عيسى هذا كفر، ما يجوز. ولهذا إخواني في الله، دل هذا الحديث على أن معنى لا إله إلا الله هو إفراد الله جل وعلا بالعبودية. وماذا بالعبادة؟ نكتفي إلى هذا الحد، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.