الدرس في شرح كتاب التوحيد 62، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بتوضيح مفهوم الذبح لغير الله وأنواع الذبح المختلفة، مشيرًا إلى الذبح التعبدي والبدعي والاعتيادي والشركي. يُبرز أهمية فهم هذه الأنواع لتجنب الشرك بالله.
يتناول المقطع الذبح الشركي وأشكاله المختلفة، مثل الذبح على العتبات للأموات وللجن، ويبين أن هذه الممارسات تُعتبر من الشرك بالله وتُناقض تعاليم الإسلام.
يستعرض هذا الفصل بعض العادات والتقاليد التي تتضمن الذبح الشركي، مثل الذبح للأمراء ولإرضاء المجني عليه، ويوضح أن هذه الأفعال قد تُعتبر من الشرك أو تكون محرمة بسبب النوايا وراءها.
يُركز هذا الجزء على تحذير المسلمين من الشرك الأكبر في الذبح، مثل الذبح باسم غير الله، ويُبين أن هذا الفعل يخرج من ملة الإسلام ويعتبر من أنواع الشرك الأكبر.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، أشرنا إلى أن المؤلف -رحمه الله تعالى- من الأبواب التي عقدها في كتاب التوحيد ما يتعلق بباب الذبح، فقال -رحمه الله تعالى- "باب ما جاء في الذبح لغير الله". وأشرنا حينها إلى معنى الذبح، وما المراد بقوله "لغير الله". ثم أشرنا حينها كذلك إلى مسألة أنواع الذبح، وأن الذبح يقوم على أمرين اثنين: على اللفظ والقصد. فاللفظ هو الاستعانة، والقصد هي العبادة. والعبادة والاستعانة من أعظم ما يتوجه به إلى الله، ولهذا جمع الله بينهما في فاتحة الكتاب، فقال سبحانه: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. وعبادة الذبح، وشعيرة الذبح، والاستعانة قد توفرت في قضية الذبح، فإن الذبح إذا ذكر الله جل وعلا هو في الحقيقة استعان بالله، وأنه في تقربه إلى الله متعبدا لله، فجمع بين العبادة وبين الاستعانة، وهي من أعظم الكمالات الشرعية التي يطلبها الله من خلقه: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. وأشرنا كذلكم، إخواني في الله، من أحوال الذبح، إلى أن الذبح ما هو ذبح تعبدي يحبه الله ويرضاه، كالعقيقة والأضحية والهدي، ويدخل في ذلك إكرام الضيف. ومنه ما هو ذبح بدعي، كالرجبية والذبح عند المصائب، وهو في حق الذبح إذا أراد وجه الله، لكن لم يلتزم بالوصف الذي جاء في السنة. وهناك ذبح اعتيادي، وهو مباح، كمن يذبح لأن يأكل طعاما أو يتجر به، فهذا على حسب نيته. وهناك الذبح الشركي، وهذا الذي أحب أن أذكره في هذا المقام، في ذكر أنواع من الذبح الذي حكم عليه العلماء أنه من الذبح الشركي. وللأسف أن نجد من الناس من ينتمي إلى دين الإسلام من لا يزال على هذا الذبح الذي حكم عليه العلماء بأنه ذبح شركي لا يجوز أبدا، لحق في حق مسلم أن يفعله وهو ينتمي إلى هذا الدين. والذبح الشركي، إخواني في الله، من صوره مثلا الذبح للجن، الذبح للجن تخلصاً من شرهم. أحياناً الإنسان يُبتلى بالجان بأذيتهم وشرهم والتطاول على البني آدم، فيجد الإنسان نفسه مضطرا -كما يدعي- إلى أنه يكف شر هؤلاء عنه بأن يذبح لهم ذبيحة. هل هذا يجوز؟ هذا الشرك، لأنك ما أردت بالذبح إلا تقرباً إليهم لكي يتخلصوا منك. وهذا كثيراً ما نجده في حق من ذهب إلى السحارة، إلى المشعوذين، إلى الكهانين، إذا جاءهم الرجل لربما هو أو غيره يصطرع، يبتلى بالصرع، فيطلب منه الساحر والمشعوذ أن يذبح ذبيحة. ولعلكم تعلمون بأوصافها، تكون ذبيحة سوداء أو ديك أسود أو كابش أسود، تذبح حتى تتخلص من هذا الجن الذي صارعك أنت أو صارع أهلك. هذا لا يجوز، هذا من الشرك، لأنك في حقيقتك ما فعلت إلا هذا تقرباً للجان. وكذلك مما يدخل في الذبح الشركي الذبح على العتبات، على عتبات البيت، لكي يتخلص من العين، لكي يتخلص من الحسد، لكي يتخلص من الجن. وهذا نجده في حق من وفقه الله إما ببناء بيت جديد وأراد أن يسكنه، أو أراد أن يبدأ ببناء بيت، إما هذا وإما ذاك، فتجد أن الرجل يأتي بغنمته، يأتي بحيوانه الذي يريد أن يذبحه، فيأتي به عند عتبات البيت فيذبح، ولو سمى الله. كما قلنا، قضية الذبح، إخواني في الله، لابد من أمرين اثنين: اللفظ والقصد. ليس فقط كل من تلفظ، سلمنا له قصده. فهذا الذي يذبح عند عتبات البيت، ما الذي أراد؟ لماذا تأتي عند عتبات البيت؟ وأظن من المواقف الشهيرة أنك تجد في بعض البيوت -وقد رأيت هذا بعيني- بعض البيوت تجدها ملطخة بالدماء، ملطخة بالدم، أي أن صاحبها إذا ذبح الذبيحة يلطخ يده بدم الذبيحة، ثم يلطخ بها واجهة البيت، إما مرة أو مرتين، يمنة أو يسرة. هذا ماذا؟ هذا معنى أنه يعتقد أن هذه الذبيحة بدمها تمنع وتصد، تمنع وتصد عين الحاسدين وكيد الأشرار وخبث الفجار. أين الله سبحانه وتعالى؟ فهذا لا يجوز، إخواني في الله، وهذا كذلك من المظاهر الشركية المنتشرة والمفشية في بعض المجتمعات. ومما يذكره العلماء من الذبح الشركي ما يكون من الذبح للأموات مطلقاً، الذبح للأموات مطلقاً، في حال من يذهب إلى المزارات أو يذهب إلى الزيارات، أو من يشد الرحل إلى قبر فلان، ثم يأتي بأضحيته أو بغنمه ويذبحها عند الضريح. وأحياناً منه من يصرح بشركه فيذكر اسم الولي، وأكثر هؤلاء ما يتجاسر على أن يذكر اسم الميت من الولي الفلاني أو الولي الفلاني، وإنما يجعل هذا في نيته، وكأن قلبه يقول للميت "هذه لك". بدليل أنه أتى بها عند الضريح، لو أرادها لله جل فعلا لا ذهب بها في أي مكان، لكن كونه يجرجر بها ويأتي بها عند عتبات هذا الميت، وفي ضريحه وفي قبره، دل على أنه يريد منه ما يريد من الله عز وجل. فدل ذلك على أن من الذبح الشركي ما يكون من الذبح للأموات، كحال ما نجده في الزيارات والمزارات للأسف. ومن ذهب إلى هنالك ينصدم بهذا الواقع المرير، وتلكم الدماء التي تسفك من الذبائح ومن الأغنام ومن المواشي، والكل بما آتاه الله من خيره، ذاك بإبله وذاك ببقره وذاك بغنمه، وكل ذلك تقربا إلى غير الله جل في علاه. وقد صرح العلماء أنه من الشرك. وكذلك مما يذكر من الذبح الشركي ما يكون ذبحه للسلطان والأمير، وهذه مسألة تتنزل في حق بعض الأعراف وبعض العادات والتقاليد، إذا جاءهم مثلا أمير أو سلطان، وأراد صاحب الضيافة الذي يستضيف الأمير أن يظهر مدى الحفاوة والإكرام والإعظام، فإن الأمير إذا دخل إلى الديوان أو قبل الدخول، فإن هذه الذبائح أمام عينيه، وهو يمشي وهي تنحر بين قدميه. لما هذا؟ هذا كله إعظام. هل هذا إكرام وضيافة؟ لا، بدليل على أن صاحب الضيافة لربما هذا اللحم ما أخذه، يرمى "خذوه ما نريده"، يكفيني أضحية أريدها وليمة واحدة رأس لهذا الأمير، والبقية "يا صاحب السمو" هذا مزبلة ما أريده. لماذا فعلت هذا؟ هل هذا الكرم وحفاوة؟ لا. ولهذا صرح جماعة من أهل العلم أن هذا الذبح على هذه الصورة الذي يذبح وما يراد منه الضيافة، وإنما يراد منه الحفاوة والإعظام، هذا من الشرك، لأن صاحبها إنما فعل ذلك تقربا لا لله وإنما لهذا الأمير والسلطان. ومما يلحق، إخواني في الله، كذلك من الذبح الذي له وجهة نظر في جعله من الأمور الشركية أو لا، ما يسمى بالهجر، وهي عادة يمنية موجودة عند العشائر والقبائل، وذلك عند الخصومات، وأراد المصلح أن يصلح الأمر والوضع، فلربما جاءوا عند أحد الأطراف، جاء الجاني مع مصلحه إلى المجني عليه، وهم يسترضونه في أن يتنازل، في أن يسامح، يطلبون منه العفو. عندهم ما تتم هذه المسألة قبل أي شيء حتى تريق دم. هذا شرط. ثم القضية على حسب، إن كانت القضية كبيرة دماء، لربما تأتي بثور، تأتي بثور بمئات الألوف، يأتي به الجاني مع مصلحه إلى باب المجني عليه، يقول وينهر الدم، ثم يكون التفاوض على قضية الصلح. وهذا من أعظم ما يسترضى به مجني عليه حتى يعفو، لكن لا بد من الذبح. السؤال هنا، هذا الذبح لماذا تم؟ هل هو يرضى لوجه الله؟ لو نظرت في القضية تجد أن الله جل وعلا ما يلتفت إليه في هذا الموطن، لأن المجني عليه والجاني القضية بينهما تتداول، القضية بينهما، الكل يحاول أنه يسترضي الآخر حتى يطمع بالعفو، ما هناك الله عز وجل الذي يتقرب إليه. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى جعل هذه الطريقة -وهي عادة فاشية في أعراف القبائل- وهي قضية الهجر، بخلاف إذا أراد الضيافة، بحيث تذبح وتطبخ ويعطى للضيوف، هذا أمر آخر. هل ما تكلم عن الضيافة بحيث تأخذ ذبيحة ويأخذ بها ثم تذبح وتعطى للضيوف؟ ما فيه شيء. لكن تذبح عند بيته طالبا لإرضائه، هنا من أهل العلم من حكم عليها بالحرمة، ومنهم من حكم عليها بالشرك. ومن أهل علماء كبار اليمن من توقف فيها لعظيم الشبهة في أمرها، وأن هذا المثال ينبغي أن توقف، وما أستطاع أن يبيحها ويجيزها لعظيم الشبهة فيها، لأن النوايا الله أعلم بما فيها. فهذا، إخواني في الله، بعض المسائل الذي يذكر فيها ما يسمى بأنواع الذبح الشركي. وكله كما قلنا تعود إلى مسألة القصد. وهكذا يدخل في الذبح الشركي من ذبح ذبيحة بغير اسم الله، فهذا ذبح شركي. فمن ذبح ذبيحة باسم ولي أو باسم نبي أو باسم عيسى، فهذا من الشرك الأكبر. هذا ما أذكره في هذا المقام من أنواع الشرك الأكبر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.