شرح كتاب التوحيد 74

شرح كتاب التوحيد 74

الدرس في شرح كتاب التوحيد 74، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الاستدلال القرآني على تحريم الاستعاذة بغير الله

استدل المؤلف بالآية الكريمة على تحريم الاستعاذة بغير الله، موضحًا معانيها وتأثيرها على المشركين. الآية تشير إلى أن استعاذة الإنس بالجن زادتهم تكبرًا وخوفًا.

علاقة الاستعاذة بغير الله بالشرك الأكبر

الاستعاذة بغير الله تعتبر من الشرك الأكبر، حيث إن استعانة الناس بالسحرة هي في الحقيقة استعانة بالشياطين. يجب عدم الخوف من الجان لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا.

كيفية الاستعاذة بالله من شر الجان وفضلها

يُنصح بالاستعاذة بالله من شر الجان عند الخوف منهم، وهي وسيلة للاعتصام والالتجاء إلى الله. النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بالله من الشياطين وتمكن من التغلب عليهم بفضل كلمات معينة.

  • 16 جمادى الآخرة 1444هـ - 08/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلاله واستدلالاته بهذا الباب، والذي بوب عليه بقوله: «بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله». وأشرنا إخواني في الله إلى ما يتعلق بمسألة الاستعاذة من معنى ومن فحوى، وأشرنا إلى صور الاستعاذة بالله، وأيضًا صور الاستعاذة بغير الله. وهنا ناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى الأدل الدالة على أن الاستعاذة بغير الله من الشرك، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. وهذه الآية تتحدث -كما قال المفسرون- عما كان عليه المشركون، كان الواحد منهم إذا نزل إلى وادٍ، وهذا الوادي مخيف، يجدون منه الأذية ويجدون منه الأفزاع والأهوال، فكانت الطريقة عندهم في أنهم يحتمون من هذه الأذية بأنهم يستعيذون بسيد الوادي، ومن هو سيد الوادي؟ شيطان من الشياطين أو جان من العفاريت، يرون أن هذا العفريت وهذا الجان هو الذي بيده زمام الوادي، فهم يلتجئون إليه ويعتصمون به؛ لكي يؤمنهم في مرورهم، يمر بأمان وبسلام. هذا الصنيع من أهل الجاهلية، هذا الذي حكاه ربنا عنه سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ الإعاذة بمعنى الالتجاء والاعتصام، يعوذون برجال من الجن، لكن ما هي الثمرة؟ الثمرة قال ربنا عز وجل: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ قال العلماء: إما أن تحمل على أن فعل الإنس من الالتجاء بالجن أن هذا زاد الجن ماذا؟ تكبرًا وغطرسة، فأصبح سلوك الإنس مع الجن أنهم يرفعوا من شأنهم ويرفع من قدرهم، حتى أصبح الجن يفتخرون، إذ أنهم عقد لهم منصب ما كان في مخيلتهم أن هذا الوادي هو بأيدينا. وانظروا إلى البشر كيف يلتجئون إلينا، فوقع منهم الكبر والفخر والخيالة والغطرسة لما كان من صنيع الإنس ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. وقيل: إن معنى الآية ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أن الضمير يعود إلى الجان، أن الجان هم الذين زادوا الإنس رهقًا، بمعنى خوفًا وفزعًا، أي: أن الجان عندما يرون أن الإنسان يعتصم به، يلتجئ إليهم، فإنهم يزيدون في مخاوفه، يزيدون في مخاوفه، ويلقون في قلبه من الرعب والخوف؛ حتى يزيد تمسكًا بهم، ويزيد اعتقادًا بهم. فالآية تحمل على أحد وجهين: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ إما أن الإنس زادوا الجن رهقًا، أي: رفعة وتكبرًا وتغطرسًا، وإما أن الجان هم الذين زادوا الإنس رهقًا، أي: زادوهم خوفًا واضطرابًا وقلقًا وفزعًا؛ وذلك حتى يتمسك بهم أكثر فأكثر، فيصرف لهم مثل هذه الطاعة. وهذه الآية من فوائدها: فيها أولًا ما يتعلق بما عليه أهل الجاهلية من أنواع الاعتقادات الباطلة، وكلها تؤدي إلى مؤدى واحد، وهو صرف الطاعات لغير الله، فالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والتوكل والرهبة والرغبة ما جعلوا شيئًا لله، إنما جعلوا لخلق الله، إما من إنس، وإما من جان، وإما من أشجار، وإما من أحجار. وفي هذه الآية كذلك بيان على أن الاستعاذة بغير الله من الشرك الأكبر؛ لأن هذا مما يذكره ربنا جل وعلا عن الكفار، وأن من فعلهم الشرك أنهم كانوا يستعيذون بغير الله، فيستعيذون بسيد الوادي، فكان أحدهم يقول: «نعوذ بسيد هذا الوادي»، وقصده شيطانه، أي: شيطان الوادي وجنيه وعفريته، فدل ذلك على أن الاستعاذة والاستغاثة والاستعانة بغير الله يعد من الشرك الأكبر. كذلك في هذه الآية من الفوائد: فيه بيان على أن ما يجوز الاستعانة بالشياطين والعفاريت في أي باب من الأبواب، ما يجوز، كونك تلتجأ -يا عبد الله- إلى شيطان؛ لكي يعينك، لكي يعصمك، لكي يقيك، هذا خبل في العقل، خبل في العقل. وقد يقول قائل: وهل يوجد أحد الآن يستعين بالجان والعفاريت؟ الجواب: نعم يوجد، لا تذهب بعيدًا -يا عبد الله-، انظر من يذهب إلى السحرة، ذهابك إلى السحرة في الحقيقة هو ذهاب إلى الشياطين؛ لأن الساحر من أين يستمد سحره؟ ما هو إلا مثلي ومثلك، ما عنده شيء من المواهب، إنما هو يمتلك الشياطين، فكونك تذهب إلى الساحر هو في الحقيقة ذهابك إلى شيطان من الشياطين، تستعيذ به، تلتجأ إليه. كونك تخاف من أحد ما، أو تخاف من عين، أو من حسد، أو من صرف، ومن غير هذا، ثم تلتجأ إلى هذا الساحر، وفي الحقيقة أنك تعتصم من شيطان إلى شيطان، تهرب من شيطان إلى شيطان، وكل ذلك من الشرك. ولا يحل السحر إلا ساحر، فلا يجوز -يا عبد الله- أن تتخلص من الجان بالتوسل بالجان، كحال من يأتي إلى بيت بعد غياب فترة من الزمن، فيجد أن هذا البيت مسكون، فلا يجد المناص والخلاص من أذية السكن والجان الذين هم في البيت إلا بأن يستغيث بهم، ويتوسل بهم، فإن لم يجد ذلك نفعًا استغاث ببعض السحر؛ لكي يستغيث بشيطان أكبر؛ حتى يتخلص من هذا الشيطان الأصغر، وكل ذلك من الاستغاثة والاستعانة بالشياطين، وكل ذلك من الكفر. والأمر كما قال الله جل في علاه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾. كذلك مما ينبغي أن يفهم في هذا الباب: أن الجان والعفاريت ما ينبغي -يا عبد الله- أن تخاف منهم، وهذا مسلك تربوي، للأسف استشرى بين كثير من الناس، وهو الخوف والرهبة والرغبة من الجان، بحيث أن الواحد منا يظن أن بإمكانهم أن يفعلوا ما شاء، أن يفعلوا ما شاء من أذية ومن الأمر، ليس كذلك -يا عبد الله-، الجان ما هم إلا بشر، ما يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعًا، فضلا عن غيرهم. ولهذا ما ينبغي أن تخاف منهم -يا عبد الله-، ما ينبغي الخوف الشديد، حتى تجد أن من الناس من لربما يخاف من الظلمة، من لربما يخاف من أي حركة، ومن أي صوت غريب، لا تخاف -يا عبد الله-. ومن باب الفائدة، والذي يقرره العلماء: أن الجان يخافون من الإنس أعظم من خوف الإنس من الجان، اجعلها قاعدة، انظر ما الذي تكنه في قلبك للجان من الخوف، هذه النسبة اعلم أن عند الجان في قلوبهم من الخوف منك أعظم، أعظم. وقد قرر العلماء ذلك كثيرًا، فما في قصة ذاك الرجل من أهل العلم، عندما وجد شابًا قد وقف في بداية الدرب، أي: بداية الطريق، وكان الأمر والدرب مظلم، فعلم هذا العالم أن هذا الشاب خائف من المرور، قال: «يا بني امض، يا بني امض، فوالله إنهم لأخوف منك»، أي: أن الجان أخوف منك منهم. ومن نظر -إخواني في الله- في قراءة في مسائل المس والصرع، ومن يقرأ على الممسوسين، انظر -يا عبد الله- كيف هم الجان بجباروتهم، بهذه الغطرسة الذي نسمع عنهم، تجد أن الواحد إذا قرأ عليهم آيات من القرآن، تجدهم يبكون، يخافون، يتشنجون، يتوسلون، آيات قرآنية تحرقهم، فهم أذل. فلا تجعل لهم -يا عبد الله- هذا الصولجان، وهذا الهيمنان، وهذا الخوف المفزع المطرق، حتى لأنك إن فعلت ذلك، ماذا سيكون؟ ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ هو سيتمكن منك، هو سيتمكن منك، إن رأى منك خوفًا تمكن منك، وإن لم يجد منك خوفًا هرب، هرب، ما يقدر عليك. ففهم -يا عبد الله- هذه المسألة، ولهذا كان من عيب أهل الجاهلية أنهم كانوا يكنون الخوف العظيم للجان، وما كان خوفهم إلا لأنهم سلبوا من خوفهم من الله عز وجل، لو أن قلبًا قد ملئ بالخوف من الله، لخوف الله منهم كل أحد، لكن لما خلت قلوبهم من الخوف من الله، أصبحت قلوبهم خائفة، تخاف من أي شيء، لربما حتى يخاف من ظله. كذلك مما يستفاد -إخواني في الله- في هذه الآية: أن من أعظم ما يستدفع به شر الجان: الاستعاذة بالله، الاستعاذة بالله، خفت -يا عبد الله-، سمعت، رأيت، خشيت من أذيتهم، أكثر من الاستعاذة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ﴾. الاستعاذة عندما تأتي بها، وأنت متمعن لألفاظها ومعانيها ومبانيها، فإنها السلاح الفتاك الذي يبطش بالجان مهما كان عددهم أو عدتهم. وقد روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث عبد الرحمن بن خنبش التميمي رضي الله تعالى عنه، أنه ذكر أنه في ليلة من الليالي انحدرت الجان والشياطين من الشعاب والأودية، انحدرت تجمعت الشياطين والجان، وانحدرت من بطون الأودية والشعاب إلى أين؟ أرادوا رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكان هناك شيطان معه شعلة من نار، وهناك شيطان معه شعلة من نار، أراد بها أن يحرق وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعلم نبينا عليه الصلاة والسلام بجمعهم، وما كان من سيرهم وانحدارهم، وأنهم قد توجهوا إليه، حتى في رواية: أن النبي رجع القهقرة، رجع الوراء، من كثرة ما يرى من هؤلاء الكتائب من كتائب الشر من الشياطين والجان. حينها نزل جبريل، نزل جبريل عليه السلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: «يا محمد، قل»، قال: «وماذا أقول؟»، قال: «قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقًا يطرق بخير». فأتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: «فأطفئت نيرانهم، وهزموا، وهزمهم الله» بماذا؟ بالاستعاذة، أنه قام عليه الصلاة والسلام بالاستعاذة بهذه الكلمات، فهي كلمات، ما احتاج نبينا إلى أن يأتي يستدعي أصحابه، أو يستدعي الأسلحة؛ حتى يرد الجيش بجيش، وإنما تمتم بهذه الكلمات التي فيها الاعتصام والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، فكفاه الله شر هؤلاء الجان والعفاريت والشياطين. ففهم -يا عبد الله- عظيم الاستعاذة، فهو أمر عظيم جعله الله بأيدينا، به نرد على شياطين الإنس، وهكذا على شياطين الجان. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.