شرح كتاب التوحيد 172

شرح كتاب التوحيد 172

الدرس في شرح كتاب التوحيد 172، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في حلاوة الإيمان وشرح الحديث

يبدأ الحديث بشرح حديث حلاوة الإيمان الذي رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، حيث بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الخصال الثلاث التي من وجد فيها حلاوة الإيمان. هذه الخصال تشمل محبة الله ورسوله أكثر من أي شيء آخر، ومحبة المرء للآخرين لله فقط، وكره العودة إلى الكفر بعد النجاة منه.

مظاهر محبة الله ورسوله وضرورة البرهان بالطاعة

يُناقش هذا الجزء مظاهر محبة الله ورسوله، ويشدد على أن المحبة الحقيقية لا تتحقق بالادعاء فقط بل بالطاعة والامتثال لأوامر الله ورسوله، مع التحذير من الغلو في محبة الرسول باعتباره شركًا.

صور وخصال حلاوة الإيمان وتأثيرها على الإيمان

يشرح هذا الجزء صور حلاوة الإيمان الثلاث المذكورة في الحديث، وهي المحبة لله ولرسوله، والتحاب في الله، وكره العودة إلى الكفر بعد النجاة منه، ويبين كيف تشكل هذه الخصال جزءًا من الإيمان الحقيقي وتدل على قوته وتمسك العبد بدينه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولهما عنه، أي للبخاري ومسلم عنه، أي عن الصحابي الذي مضى في درس أمس، وهو عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال ولهما عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». قال: وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى...» إلى آخره. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، ومن الأحاديث المتعلقة بمحبة الله جل في علاه، والتي هي من أوجب الواجبات، ومن الفرائض التي ينبغي أن يتخلق بها أهل الإسلام. وفي هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، قال فيه أنس: قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». مضى معنى أن مفهوم العدد أو أسلوب العدد لا يستفاد منه الحصر، أسلوب العدد ليس معنى هذا الحديث أن هذه الثلاث فقط هي التي تجلب لنا حلاوة الإيمان، بل وجد غيرها كما جاء في بطون السنة. وإنما أسلوب العدد يستفاد منه الأهمية، أي أن هذه الثلاث من أهم الأعمال التي بها يا عبد الله تجلب لنفسك حلاوة الإيمان. فقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». تجد يا عبد الله حلاوة الإيمان، وهذا تجده في قلبك، وهذه الحلاوة اختلف العلماء فيها: هل هي حلاوة حسية أم أنها حلاوة معنوية؟ منه من قال بهذا، ومنه من قال بذاك. من أهل العلم من يرى أنها حلاوة معنوية، وهو ما يجده الإنسان من الإقبال على الطاعات، وما يكون من تحمله للمشاق. قالوا: هذه الحلاوة الإيمان أن تجد أنك مقدام على الطاعات والعبادات، محجم عن المعاصي والمنكرات. ومن أهل العلم من يرى أنها حلاوة حسية، تجدها يا عبد الله تجد طعمها في قلبك. حتى قال بعض السلف: وقد بلغ في الإيمان مبلغا ووجد حلاوة الإيمان، قال: إن كان أهل الجنة على هذا العيش، فهذا النعيم من شدة ما يجده من حلاوة الإيمان. وهذه الحلاوة، سواء قلنا حسية أو معنوية، ليس كل أحد منا ينالها، وإنما ينالها الخلص من العباد. ولهذا في هذا الحديث إشارة إلى أن المسلم يعتني بإيمانه، إذ أن الإيمان يتفاوت، كما هي في عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان يزيد، الإيمان ينقص، فالإيمان يتفاوت. وأعظم ما يزيد في الإيمان كثرة الأعمال من الطاعات والعبادات، وأعظم ما يكون من درجة الإيمان أن تذوق حلاوة الإيمان. ومن هنا إخواني في الله، الإنسان لا يكتفي بحالته كما نجده من كثير من الناس، لربما يرى أنه على حالة من الإسلام والإيمان فيكتفي بها، لا يا عبد الله، بل زد في إيمانك، وزيادة الإيمان تكون بزيادة خصاله. كما في هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». هذه أول خلة، وأول خصلة مما بها يرتفع الإيمان إلى المقام السامي، أنك تجعل لله ولرسوله من المحبة فوق الجميع، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، من سوى كل أحد، كل من سوى الله ورسوله يكون الدون، من الآباء والأمهات والأرحام والأبناء والأولاد والعشيرة والقبيلة، حتى نفسك التي بين جنبيك. كما مر معنا في درس أمس، قال عمر: «إنك لأحب إليه إلا من نفسي»، قال نبينا: «لا يا عمر، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك». فإذا هذه الدرجة أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، إذا وصلت يا عبد الله إلى هذه المسألة أنك تجعل لله ولرسوله المحبة العليا، حينها ستجد محبة الإيمان. لكن هنا إخواني في الله، أنبه على مزالق يقع فيها الناس، إذ أن من الناس من يرجو أن ينال محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام إنما يتحصل عليها بالإدعاءات، إذا كان في مجمع من الناس، قيل لهم: من يحب الله؟ ومن يحب رسوله؟ رفع الناس أيديهم فقط، رفع الأيدي أو رفع الهتافات أو رفع الرايات «لبيك يا رسول الله»، هذا كفاية، إدعاءات، هتافات، ملصوقات «نحبك يا رسول الله»، «نفديك يا رسول الله»، هذا يا عبد الله إدعاء، هذا إدعاء محبة الله ورسوله. كما قال شيخ الإسلام: هي محركة فقط، المحبة هي محركة تحرك ماذا؟ تحرك القلوب، بقي ماذا؟ بقي البرهان، بقي البرهان. ولهذا من أخطاء الناس في هذا الباب: الخطأ الأول أن نجد من يظن أن محبة الله ورسوله إنما تنال بالإدعاءات، وتجده بعيد عن طاعة الله، بعيد عن طاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. وإلا يا عبد الله، إن أردت المحبة لله ورسوله، برهن بها في أرض الواقع بالطاعة والامتثال والإقبال، كما قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، تأتي المحبة تأتي المحبة من الله جل وعلا لعباده إذا قمت بعمل باتباع رسول الله، بالقيام بالفرائض، بالإقبال على الله بالنوافل، وإن «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، ولا تأتي المحبة ببذل بذل، ليس ادعاء لأن الأمر دعوة لكل الناس ادعوا، حتى أهل النفاق ادعوا، هذه المحبة. لكن يا عبد الله برهن بها بأعمالك، بما يقول من إخباتك، من امتثالك لأمر الله، من اجتنابك لما حرم الله، وهكذا بالتمسك بما جاء عن نبيك عليه الصلاة والسلام. الخطأ الثاني في باب محبة الله ورسوله أن نجد من الناس التجاوز، التجاوز، وقال يقع كثيرا في ادعاء من يدعي محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يدعي محبة الرسول لدرجة الغلو، تحت بطانة المحبة يغلو في رسول الله ويرفع من مقامه حتى يجعله في مصاف، في مصاف الله، في مصاف رب الأرباب، يجعل الله والرسول في مقام واحد. وكيف هذا يا عبد الله؟ هذا هو الشرك بعينه، حتى كان من بعض تعبير بعض خلق الله من الجهل أن قال: «أنا أعبد الله وأعبد محمدا»، وأراد بهذا التعظيم، أراد بهذا الإجلال، لكن ماذا؟ هذه الطريقة «أعبد الله أعبد محمدا»، حتى وصل الحال ببعض الناس أنه يقول في رسول الله أنه يعلم الغيب، أن رسول الله يغفر الذنوب، أن رسول الله يعلم ما في الغيوب، أن رسول الله يمسح العيوب، ما الذي أبقيته لله جل وعلا؟ كل ذلك تحت مظلة المحبة لرسول الله. ونهيك عن من يأتي بالبدع وبالزيادات والمحدثات والمضلات، هذا يا عبد الله خطأ فاحش، فمن أراد المحبة لله ولرسوله فليأخذ بما جاء في شرعنا، لا ادعاء ولا تقصيرا، لا من الجفاه ولا من الغلا. الأمر الثاني الذي به تنال حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. هذه الخصلة الثانية، الإنسان كما يقول أهل التربية والسلوك: الإنسان مدني بطبعه، مدني يحب الخلطة، حتى قيل: إن الإنسان سمي إنسانا لأنه يستأنس بغيره، عنده أنس، عنده أنس. فالإنسان يحتاج إلى الخلطة إلى المخالطة، هنا يا عبد الله وأنت في هذا المضمار وأنت تخالط غيرك، تصاحب هذا وتصادق ذا، بقي ما هو المعيار في الاختيار؟ هنا الناس يتفاوتون تفاوتا عظيما. فمن الناس من يجعل له أطر في الاختيار، ذاك يختار من هو خفيف الظل، وذاك من هو من يختار من كان كثير المال، وذاك يختار من كان من حسب ونسب، وذاك يختار من كان فقط من قرابته وأرحامه، وذاك يختار من كان من أقرب الناس إليه من جيرانه. ومن الناس ليس له معيار، يصاحب من هب ودب. ومن الناس من جعل الصحبة فيما يحبه الله ويرضاه، لا يختار أحدا من الناس في صحبته ومشاركته ومزاملته إلا لعلمه أن هذا الرجل هو من أقرب الناس إلى الله، لصلاحه، لصلاته، لصيامه، لذكره، لاستقامته، اختاره من دون الناس، هذا صاحبي، أرضى به، يماشيه، يصاحبه، يزامله، كل واحد منهم يأخذ بعضه بعضا فيما يقيم به دين الله جل وعلا. إن نسي هذا ذكره، إن فتر ذاك أقامه، وهكذا هم دوالي، هذا الصف من الناس الذي جعل معياره جعل معياره في الاختيار لله ولرسوله، لعظيم ما بذل، سيعطيه الله جل وعلا الجزاء الأعظم منها الذي بين أيدينا تذوق حلاوة الإيمان. «أن يحب المرء لا يحبه إلا لله». وجاء في الصحيحين كذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ومن هؤلاء: «ورجلان تحابا في الله»، فقط لا لمصالح شخصية، ولا لأغراض مالية، وإنما لله، وفي الله، تعرف عليه في مسجد، تعرف عليه في حلقة علم، تعرف عليه في أماكن الخير، فأحبه ولازمه وصاحبه، تحب في الله، اجتمع عليه وتفرق، وتفرق وفرق بينهم الموت وهم على هذه الخل العظيمة، هؤلاء يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ولهذا كان هذا الأمر من أعظم ما يدلل به على قوة إيمان العبد، قال عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». ولست في صدد إخواني في الله تتبعي الفضائل والمآثر التي جعلها الشرع في المتحابين في الله، لكن في هذا الحديث أشار نبينا صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الصنف إيمانا من أهل الإسلام من جعل الصحبة تقوم على المحبة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فأنعم به يا عبد الله من هذه الصحبة. ثم قال ثالثا: «وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». الصورة الثالثة من صور حلاوة الإيمان أن الإنسان يكره ويبغض من كل قلبه أن يعود إلى الكفر، أي لو خير خير أن يعود إلى الكفر وأن يعود إلى الشرك لقال: والله لئن أنغمس في النار وأحترق في النار -أي في نار الدنيا- وأعذب بها، أهوى علي من أن أترك دين الله. إذا وصل بحال العبد من التمسك بالدين والملة إلى هذا الحد، هذا قد بلغ في الإيمان مبلغا عظيما، أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. ولهذا جاء في رواية مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: قال: «وأن ينكره أن يقذف في النار على أن يعود»، قال: «وأن يقذف في النار»، أي: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، قال: «والثالث: وأن يقذف في النار على أن يرجع يهوديا أو نصرانيا»، هذا أهوى عليه أن يقذف في النار بدل أنه يعود يهوديا ولا نصرانيا. هذا إنما صار من شدة حبه للإسلام والدين والملة. وهذا يا إخوان في الله إنما يتأتى في حق من بلغ من الإيمان مبلغا عظيما، أن دخل الإيمان إلى سويداء قلبه. وهكذا الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لم تفارق، إذا دخل الإيمان إلى القلب ما سينفت، لكن ما خيلتنا لما نسمع في هذه الأزمان من أناس قد ارتدوا، ذاك أصبح يهوديا، ذاك عليه الزنارة من زنانير اليهود، وذاك أصبح الحادية، وذاك أصبح زنديقة يحارب الإسلام بعد أن كان مسلم، هؤلاء ما خلط الإيمان قلوبهم أصلا، ما تربوا على الإسلام. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا»، هذا الذي يتربى على هذه الأسس العظيمة، على العقيدة السليمة، يتربى عليها، هذا يذوق حلاوة الإيمان، هذا لن يكفر بالله، كيف يكفر وقد خالط الإسلام دينه وعروقه ودمعه وسمعه وبصره؟ ولهذا كان من عظيم ما يمن الله جل وعلا على أهل الإسلام أنه حبب لهم الدين، وكره إليهم الكفر، ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، هذه من عظيمة من الله يأتي لنا الكره والبغض لمخالفة هذا الدين، لكن إذا استمسكنا نحن بهذا الدين. فالشاهد إخواني في الله، هذا الحديث كما عبر عنه جماعة من الشراح: أن هذا الحديث من أعظم أصول الإسلام، من أعظم أصول الإسلام. وقد تفنن الكثير من أهل العلم باستنباط الفوائد والمسائل والفرائد المتعلقة بهذا الحديث، وحسبنا الإشارة إلى هذه الإشارات السريعة إلى فهم فحواه ومعناه. من أن المسلم إنما يذوق حلاوة الإيمان بخصال، وهذه الخصال منها أن يكون الله ورسول أحب إليه مما سواهما، وهذا والشاهد من إراد الحديث في هذا الكتاب، وفتحت هذا الباب، والأمر الثاني أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وفي الله، والثالث أن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.