الدرس في شرح كتاب التوحيد 196، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديث ليس منا من ضرب الخدود ويبين معنى ليس منا عند أهل السنة والجماعة. يوضح أن هذه العبارة تعني أن مرتكب هذه الأفعال ليس من المسلمين الذين يستحقون الثواب أو سلموا من العذاب.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أفعال الجاهلية عند المصيبة مثل ضرب الوجه وشق الجيوب ودعوى الجاهلية لأنها تنافي الصبر على أقدار الله. هذه الأفعال من كبائر الذنوب وتدل على التسخط والجزع.
يحذر المقطع من العودة إلى عادات الجاهلية مثل التعصب القبلي والندب عند المصائب ويطبق هذا على أفعال الرافضة في مآتمهم مثل لطم الصدور وضرب الرؤوس. يبين أن هذه الأفعال تنافي الصبر على أقدار الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». أورد المؤلف محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو في بيان استطراداته وأدلته على هذا الباب، والذي عقَد عليه بقوله: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. وها هو يورد لنا رحمه الله تعالى ما جاء في الصحيحين، حيث قال: ولهما -أي في البخاري ومسلم- عن ابن مسعود، وهو عبد الله بن مسعود، مرفوعًا -أي مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور الثلاث، وبدأ تحذيره عليه الصلاة والسلام بقوله: «ليس منا»، وعبارة «ليس منا» أو «ليس منا» قال العلماء: هي من نصوص الوعيد، من نصوص الوعيد. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى هذه الكلمة على ماذا تحمل «ليس منا». ولأهل البدع والأهواء مدخل في تأويل مثل هذه النصوص، فيرى الخوارج أن هذه اللفظة فيها التكفير، فقالوا: «ليس منا» أي ليس من أهل الإسلام، فيرون أن هذا فيه كفر وتكفير، وفرح بذلك الخوارج الحرورية. وبالمقابل، ذهبت المرجئة إلى أن معنى حديث «ليس منا» أي ليس من صلحائنا، فمن وقع في هذه المنهيات فهو مسلم عادي، لو يستمع الخيار، ليس من أهل الصلاح، وكأن ما وقع في وزر، ولا وقع في ذنب. وكلا التفسيرين على طرفي نقيض، فلا يصح هذا ولا يصح ذاك. وإنما الذي عليه أهل السنة والجماعة في تفسيرهم لمعنى أحاديث الرسول والتي يقول فيها «ليس منا كذا وكذا»، قال العلماء: معناها أي أنه ليس من المسلمين الذين يستحقون الثواب، والذين سلموا من العذاب، ليس منا من وقع في هذه الأشياء، هو ليس من هؤلاء؛ لأنه وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، فليس من المسلمين الذين يستحقون الثواب، وبالمقابل ليس من المسلمين الذين سلموا من العذاب؛ إذ أنهم عرضة لعذاب الله وعقوبة الله. على هذا تفهم مثل هذه الأحاديث: «من غشنا فليس منا»، «ليس منا من شق الجيوب»، «ليس منا من انتسب إلى غير أبيه»، وهكذا قس على هذه الألفاظ. هذا هو التفسير من التفاسير المعروفة عن سلفنا الصالح، ومن أهل العلم من قال: «ليس منا» يقوم معناها «ليس من أهلنا» أو «ليس من طريقتنا»، ليس على طريقتنا، وليس على نهجنا. قال به طائفة، وقول ثالث من أقوال أهل السنة من يقول: أن هذه الألفاظ تترك ولا تشرح، تترك بلا شرح، أي ما يحتاج أنك توضحها، فهي واضحة، نبيك صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا»، فأنت قل: «ليس منا»، ما معنى ذلك؟ قل: «ليس منا» واكتفي بهذا. يقولون: دع العبارة على ما هي عليه؛ لأنها أدعى للزجر، أدعى للزجر وأدعى للتخويف. وهذا مذهب الإمام الثوري رحمه الله تعالى، والإمام أحمد يرون أن هذه العبارات ما ينبغي أن تشرح، وإنما تترك؛ لأنها أوقع في النفس، أوقع في النفس. فهذه أقوى، نعم، مأثورة عن سلفنا الصالح في معنى هذه العبارة وأمثالها. لكن على العموم، نعلم أن عبارة «ليس منا» هي من عبارات الوعيد، وأن صاحبها متوعدون بعقوبة الله، فهي من كبائر الذنوب. ما هذه الأمور التي جاء ذكرها في هذا الحديث؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من ضرب الخدود». ضرب الخد، وعلى ماذا يحمل هذا الحديث؟ منهم من حمله على النهي على أنك تجعل الوجه عرضة للضرب أو الصفع أو اللطم أو الكف، أي لا تعد على غيرك فتضربه أو تلكمه أو تصفعه على وجهه؛ لأن الأحاديث قد دلت على أن الوجه مكرم، الوجه مكرم. فجاءت الأحاديث في النهي عن ضرب الوجه: لا تصفح، كما يفعل بعض الناس، لربما يمد يده على غيره، على أهله أو على أولاده، لكن في وجهه، هذا لا يجوز. فذهب جماعة من أهل العلم إلى معنى هذا: «ليس منا من ضرب الخدود»، لكن المعنى الآخر وهو الأفضل والأحسن وهو الأليق: «ليس منا من ضرب الخدود» أي ضرب خد نفسه عند المصيبة، أي ضرب خد نفسه عند المصيبة. وهذا المناسب لهذا؛ أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب: الصبر على أقدار الله؛ لأن مما ينافي الصبر على أقدار الله لطم الخد. فإن من الناس من إذا أصيب بمصيبة مدلهمة ونازلة عظيمة، لربما عبر عن حزنه الشديد بأن يضرب على خده، يضرب الخد هنا وهنا وهنا، لربما كان رجلًا أو امرأة، فهذا منهي عنه؛ لأن في ذلك من إظهار الفزع والجزع وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، هذا لا يجوز. قال العلماء: وإنما الخد هنا ذكر للتغريب، ويدخل في ذلك كل أنواع الضرب، بعض ما يضرب الخد يضرب الرأس، يضع رأسه من شدة المصيبة. لا، لا تضرب على شيء، هو على نفسك، يا عبد الله، لطمك هنا ولطمك هنا لا يقدم ولا يؤخر، لا يقدم ولا يؤخر، لكنك زدت الأمر سوءًا على وهن، فهذا الحديث هذا صحيح معناه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وشق الجيوب»، أي هذا الصنف الثاني ممن هو متوعد بهذا الوعيد: «ليس منا من شق الجيوب». الجيوب جمع جيب، وهو جيب الثوب، جيب الثوب. وهنا مسألة، إخواني في الله، قد تبادر إلى عرف الناس في الأزمان المتأخرة أن الجيب: جيب الثوب إذا أطلق يراد به الأكياس الجانبية. يقول: هذا جيبي، هذا جيب الثوب أو جيب القميص، أو ما يكون الجيوب، ماذا؟ أو ما يسمى بالأكياس، بالأكياس الموازية للقلب، لكن هذا ليس بالجيب عند لغة العرب، في الشرع المقصود بالجيب هي فتحة الرأس، هذا معنى الجيب، هي فتحة الرأس. فإذا قيل لك: في الجيب مثل هذا الحديث: «ليس منا من شق الجيوب»، أين الجيب؟ قل: هذا هو الجيب، فتحة الرأس من القميص أو من الشميز أو من أي لباس تلبسه، فتحة الرأس، وقال عنها: جيب. وعلى هذا تحمل أدلة القرآن والسنة في معنى الجيب: هي فتحة الرأس. وإنما هذا الاصطلاح: الأكياس الجانبية نسميها الجيب، هذا نعم، جاء بعد ذلك عرف الناس المتأخر. فهنا نبينا صلى الله عليه وسلم ذكر أن من صفات ممن قد تبرأ منهم الشريعة: من شق جيبه. وهذا نعم، صورة من صور التسخط، أن من الناس من إذا أصيب بمصيبة، سرعان ما عبر عن مصيبته وأتى إلى ثوبه فمسك الثوب وشقه، شق الثوب يشقه من هنا هنا، ليكون سرعة الشق؛ لأنه مهيل الشق فيشقه إلى أسفل وإلى أن يصل، فهذا الشق والذي صاحبه ويفعله إظهارًا لتسخطه، هذه كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، فلا يجوز أن يفعل ذلك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ودعا بدعوى الجاهلية». ودعا، أي قام ودعا بدعوى الجاهلية. الجاهلية هي كل ما كان قبل الإسلام، وقد تكلمنا في دروس خلت ما يتعلق بالفترة الجاهلية، فالجاهلية هي كل ما كان قبل الإسلام. فلا تفعل ما كان من عادات أهل الجاهلية، لا تدعو لها، الجاهلية اندثرت، كما قال رسول الله: «كل أمر من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي»، هذه موطوءة في الأقدام، لا أحد يرفع رأسًا بالجاهلية، لكن قد نُبتلَى أن نجد أناسًا ينادون بعادات الجاهلية، هنا تبرأ منهم نبينا، فقال: «ودعا» أي «ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية». هنا إشكال عند العلماء على هذه اللفظة، على ماذا تحمل؟ لأن عندي هنا لفظ عام: «بدعوى الجاهلية»، دعوى الجاهلية مفرد أضيف، والمفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم، وإن تعد نعمة الله، فنعمة الله بمعنى عم الله، فالنكرة أو قل المفرد إذا أضيف عم. فهنا عندي عموم، هل مقصود هنا «ودعا بدعوى الجاهلية» أي دعوة من دعا والجاهلية دعا بها، يدخل في الحديث؟ أم المقصود هنا لا، السياق هنا كما عرجنا على أنه يتحدث عن المصائب، هذا «ليس منا من شق جيبه عند المصيبة»، وهذا «ليس منا من ضرب خده عند المصيبة»، قالوا: إذا يحمل هنا «ودعا بدعوى الجاهلية» التي يدعى بها عند المصيبة. فهذا قول لأهل العلم في فهم هذا الحديث، هذا الحديث إما أن يحمل الحديث على العموم، فلا يجوز أن تدعو بدعوى الجاهلية، ودعوى الجاهلية كثيرة، كمن يقوم وينادي في مثل هذه الأزمان بماذا؟ بالتعصب للقبيلة، التعصب القبلي، ولله الحمد أمر قد اندثر. فيأتي بعض الناس: كيف حال أخيك؟ أنت من آل من؟ قالوا: والله آل فلان، قال: لا، لا، دعك من هذا، أنت نسبك من؟ يا أخي، دور نسبك، يا أخي، تزكي أصلك فصلك، أنت وأنت، ثم يريد أن يحارب على هذا المسألة: أن الناس تعود إلى قبائلهم وإلى أنسابهم العربية لكي يتفاخروا بها على غيرهم، قصدوا هذا أمر قد اندثر، هذا نعم، كان عليه أهل الجاهلية. أهل الجاهلية ما يعتز أحد على الآخر إلا بنسبه، لا دين، لا خلق، ما عنده معيار الدين، ما عنده معيار الخلق، فيأتي من يأتي ويعيد أفكار الجاهلية، وهو التعزز بالأنساب والأحساب، فيقول: لابد أنا نميز المجتمع القبلي بقبائله، وأنا نقرب من كان ذا نسب، ونبعد من لا نسب له، إيش هذا الكلام من أين جاء؟ والشرع قد هدم هذا: «ولا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى». فمن دعا بدعوى الجاهلية هذا بريء منه الشريعة، هذا المعنى العموم. أو يكون المقصود بالحديث «أو دعا بدعوى الجاهلية عند المصيبة»؛ لأن أهل الجاهلية كانت عند المصائب لهم شأن، فعند أهل الجاهلية إذا مات الشريف، إذا مات العزيز، إذا مات العظيم، أقامت الدنيا على موته، نادوا على أبواب الأسواق: مات فلان ابن فلان، وينادى هنا وينادى في الوديان، ويشهر اسمه. ومنهم من يزيد على ذلك، فيأتي بمآثره: مات الذي يطعم الحيوانات في السوانح، مات الذي يطعم الأرامل في البيوت، مات الذي كان يدافع عن الأعراض، مات الذي... وهكذا يفتخرون على ميتهم، وهذا ما يسمى بندم الميت، بندم الميت، وهو نوع من أنواع الجاهلية عندهم قديمة. فإذا جاء رجل ودعا بهذه الدعوة القديمة، فإنه يدخل في هذا الحديث، الشاهد إخواني في الله: أن هذا الحديث «ودعا بدعوى الجاهلية» إما على العموم أي دعوة، أو «دعا بدعوى الجاهلية بالمصيبة»؛ لأن السياق يدل على هذا، وكل ثابت وارد في الشرع هذا منهي، وذاك منهي، لكن اختلف العلماء ما هو الأليق في هذا المقام. فالحاصل إخواني في الله: أن هذا الحديث فيه بيان لما ينبغي على المسلم عند المصائب التي يقدرها الله عليك بالصبر والاحتساب، ودع عنك يا عبد الله ما يخل بذلك، إما باللسان ما يكون من دعوى الجاهلية، وما يكون بالفعال من شق الجيب وضرب الخد. فإذا علمنا أن هذه الأمور من كبائر الذنوب، حين ستعلم الخطأ الفادح بل المصيبة العظيمة التي ارتكبها بعض الناس ممن يتقرب إلى الله بمثل هذه الأفعال، أعني بهم الرافضة -قبّحهم الله- الذين إذا جاءت وقت المآتم كمقتل الحسين، ما الذي يفعلون؟ يبارزون الله جل وعلا بهذه المنهيات نهارًا جهارًا، لا يبالون بالمنهي، ولا يمالون بما أمر به ربنا عز وجل من الصبر والاحتساب. فإذا جاء مأتم الحسين، رأيت منهم النواح والصراخ والنباح، ورأيت منهم اللطم، ورأيت منهم الضرب على الصدر، بل ما اكتفوا بذلك حتى أن منهم من يستعين بالحديد، إما طعنًا وإما ضربًا على صدره وعلى ظهره، فلا يزال يتقربون إلى الله هكذا ظنوا، وما هم في الحقيقة إلا يزدادون عن الله بعدًا، مع ما كان من اعتقاداتهم الفاسدة التي وقعوا فيها. لكن هذه عقوبة الله المعجلة فيهم: أن جعلهم يعذبون أنفسهم بأنفسهم، بالهمي بالغمي، بالضرب باللطم، فلا يزالون كذلك حتى يتوفاهم الله وهم على هذه الدناءة من الأفعال. فاحذر يا عبد الله من أنك تظهر تسخطك أو تذمرك لربك، فإذا قضى الله عليك بقضاء فعليك أن تصبر وعليك أن تحتسب، هذا ما يذكر في هذا المقام، وهذا هو المراد من إيراد المؤلف رحمه الله تعالى من إيراد هذا الحديث: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، وأن مما ينافي الصبر على أقدار الله ما كان من اللطم ومن الشق ومن دعوى الجاهلية. أقول قولي هذا وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.