شرح كتاب التوحيد 229

شرح كتاب التوحيد 229

الدرس في شرح كتاب التوحيد 229، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الحلف بغير الله وخطورة الشرك

يشرح هذا الفصل تحريم الحلف بغير الله تعالى ويبين خطورة الشرك، مشيرا إلى أن الحلف بغير الله يعتبر شرك أكبر. كما يشدد على أهمية تعظيم التوحيد والتحذير من الشرك.

ترتيب الأولويات في العبادات والمخالفات

يناقش هذا الفصل كيفية التعامل مع تعارض العبادات أو المخالفات، حيث يقدم الأوجب أو الأعلى في العبادات، ويختار الأدنى في المخالفات من خلال أمثلة عملية.

اهتمام الدعاة بالتوحيد ومكافحة الشرك

يبرز هذا الفصل أهمية أن يعطي الدعاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشرك اهتمامًا أكبر، حيث يُعتبر الشرك أعظم ذنبًا عند الله مقارنة بالمعاصي الأخرى.

خاتمة الدرس والدعاء

يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر، وهو من قول ابن مسعود، عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، والذي يقول فيه: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقا. هذا الأثر، إخواني في الله، رواه عبد الرزاق في مصنفه، وهكذا الإمام الطبراني في معجمه، وإسناده صحيح، كما قال الإمام المنذري رحمه الله تعالى. قال: رواه الطبراني موقوفا، ورواته رواة الصحيح. فهذا الأثر لا مغمز فيه، ولا مطعن في صحة نسبته لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال ابن مسعود في هذا الأثر، في بيان معناه وفحواه: قال رضي الله تعالى عنه: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي. تأمل في هذه العبارة: لأن أحلف بالله، يقسم بالله، لكن على كذب، على كذب. قال: أحب إلي. لا شك ولا ريب، إخواني في الله، أن الحلف على الله كذبا هذه جريمة في شريعة الله. فالكذب بشكل عام ذنب عظيم، كونك تكذب في حديثك وأخبارك ذنب عظيم، فما ظنك وأنت تكذب تحلف؟ والله قد وقع كذا، وما قد وقع، والله ما صار كذا، وقد صار، والله ما أخذت، وقد أخذت، والله والله تحلف وتحلف وأنت كاذب، هذا إثم عظيم، إثم عظيم، بل هي من صفات أهل النفاق: ﴿ويحلفون على الكذب وهم يعلمون﴾. هذا المنافق لا يبالي بجلال الله، فيحلف بالأيمان المغلظة كذبا وزورا، ويعظم هذا الكذب إن كان فيه أخذ أموال الناس. وهذه اليمين الغموس، كونك تدعي أن هذا المال هو مالك، والله هو مالي، وليس بمالك، هذا يمين غموس. فالإثم يعظم. طيب، إذا علمنا أن الحلف بالله كذبا أنه ذنب عظيم، فكيف يقول عبد الله بن مسعود في هذا الأثر: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي؟ هل معنى ذلكم أن عبد الله بن مسعود يسوغ لنفسه ولنا بأن نحلف بالله كذبا؟ الجواب: لا، حاشا، ما أراد هذا. وإنما يفهم كلامه بمجمل عبارته، فينبغي أن هذه العبارة تستكمل؛ لأنه أراد أمرا آخر لن يظهر معناه إلا باستكماله. ما أراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن يسوغ لنا الكذب، أو أن نحلف على الله كذبا، ما أراد هذا. وإنما ماذا أراد؟ قال رضي الله تعالى عنه: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا. هنا أراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه المقارنة، أراد رضي الله تعالى عنه المقابلة، أي أنك إذا ابتليت بين أمرين اثنين: أنك تحلف بالله كاذبا، أو أنك تحلف بغير الله صادقا، فاختر الأول، اختر الأول، احلف بالله كاذبا، هذا خير لك من أن تحلف بغير الله صادقا. وهذه مسألة، إخواني في الله، مهمة جدا، وهي في مسألة معرفة كيفية التعامل مع الأمور عند التعارض. أحيانا تتزاحم عندك المفاسد، تتزاحم عندك المخالفات، فما الذي تفعله؟ وما الذي تتركه؟ وهكذا قس في باب الطاعات، في باب الواجبات، أحيانا تتزاحم عليك، فهنا لابد أن تراعي الأولية. مثلا في باب الطاعات والعبادات، لربما تتزاحم عندك عبادة وعندك عبادة، إما هذا وإما هذا، فما الذي تختار؟ ما الذي تختار بين العبادتين؟ إن فعلت الأولى فاتت الثانية، وإن فعلت الثانية فاتت عنك الأولى، فكيف تقدم هذا على هذا؟ هنا قواعد، وهنا أمثل بمثال. قال العلماء: إذا تعارضت العبادات قدم الأوجب، قدم الأعلى. في باب الطاعات، في باب المصالح، في باب العبادات، قدم الأعلى، افعله ودع الأصغر يفوتك، لا يضرك. مثاله: ما لو عندك عبادة واجبة، وعبادة مستحبة، فما الذي تقدم؟ هنا قدم الأعلى، وهو الواجب، ولو فاتك الأصغر، النافلة. ومن هنا جاء حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». فنحن قبل الإقامة كنا نتنفل سنة الظهر القبلية، هذه نافلة، أقيمت الصلاة، وهي صلاة الجماعة، فلو أن إنسانا قال: هذه صلاة أصليها، وهذه صلاة أقيمت، فماذا أفعل؟ قل يا عبد الله: قدم الأوجب، ما تصليه نافلة مستحبة، أتركها حتى لا يفوتك الأعلى، وهو الأوجب؛ لأنها فريضة. فهنا تتزاحم عندك العبادات والطاعات، فابدأ بالأعلى مرتبة، خذها، ولو فاتك الأصغر. وهكذا قس في باب المخالفات، في باب المحظورات، في باب المفاسد، قد تتعارض، هنا ماذا تفعل؟ هنا تختار الأدنى، عكس تختار الأقل، تختار المخالفة القليلة، ولا تقع في الكبيرة الأكبر منها. مثاله: ما لو أنك يا عبد الله بين أمرين من المخالفات، إما مخالفة حكمها شرعا أنها مكروه، وأخرى يقال في حقها أنها ذنب من الصغائر، فما الذي تفعل؟ فما الذي تفعل؟ افعل المكروه، مكروه، ولا تقع في الصغيرة؛ لأن الصغيرة محسوب عليك أنها معصية، لا تفعل المعصية، افعل المكروه. ومثاله ثانية: ما لو أن الإنسان إما أن يقع في صغيرة، أو يقع في كبيرة، إما في صغائر أو في كبائر، ما الذي يفعل؟ قل له يا عبد الله: افعل الأقل، افعل الصغيرة، ولا تفعل الكبيرة؛ لأن الصغيرة أمرها أهون من الكبيرة. وهكذا قل: ما لو أن إنسانا ما ابتلي إما أن يقع في كبيرة، وإما أن يقع في شيء من الشرك، ماذا الذي يختار؟ يختار الأقل، وهي الكبيرة. قلنا: افعل الكبيرة، ولا تفعل الشرك. وهذا الذي الآن بين أيدينا، هنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يوضح لنا هذه القاعدة، فيقول: لأن أحلف بالله كاذبا، الحلف بالله كذبا، ما حكمه؟ قد مر أنه ذنب عظيم، كبيرة، كبيرة من كبائر الذنوب، أنك تحلف بالله كذبا. طيب، هذه قارنها بالذي بعدها، وما الذي بعدها؟ أن تحلف بغير الله صادق، تحلف بغير الله، لكن لك صادق. هل أنت فعلت هذا يا فلان؟ وأنت قد فعلت، تقول: ماذا؟ والنبي تحلف بالنبي، أو تقول: بالولي تحلف بالأولياء، أو تقول: بالأمانة، أو تقول: برأس أبيك، تقول: والشرف، فتحلف بغير الله، وأنت صادق، وأنت صادق. الآن قارن بين المسألتين، بين حكم من حلف بالله كذبا، حكمه، وبين الآخر الذي حلف بغير الله صادقا. الأول وقع في كبيرة، وأما الثاني وقع في ماذا؟ وقع في شرك، بغض النظر كونه صدق أو ما صدق، ما نبالي به، لكنه حلف بغير الله. قد مضى معنا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد أشرك». فمن حلف بغير الله فقد وقع في الشرك، بغض النظر عن كونه صدق أو لم يصدق. لكن يكفينا هذا منك، بغض النظر: هل هو من الشرك الأكبر أو من الشرك الأصغر؟ قل: إنه من الشرك الأصغر. القاعدة عند العلماء: أن الشرك الأصغر حكمه يوازي أكبر الكبائر. الشرك الأصغر حكمه في الشرع إذا أردنا أن نوازيه بالمعاصي، حكمه أكبر الكبائر. فأصبحت الآن أمام هذا الأثر بين أن تفعل ما هو كبير، أن تحلف بالله كاذبا، وبين ما هو أكبر الكبائر، الشرك الأصغر، وهو أن تحلف بغير الله صادقا، فماذا كان ينبغي؟ كان ينبغي أن تفعل الأقل. وهذا الذي أخبر به عبد الله بن مسعود، قال: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا. اختار الأدون. وهذا عند التعارض، ليس فيه تسويغ - كما أسلفنا - على جواز هذا الفعل، لكن في حق من ابتلي، وأراد رضي الله تعالى عنه أن يبين منزلة الذنوب، وأن هناك ذنب أعظم من ذنب، وأن الحلف بالله كذبا كبير، لكن أعظم منه أن تحلف بغير الله، ولو كنت صادقا. وهذه مسألة، إخواني فينا، من المسائل المهمة التي ينبغي أن يتحراها كل مسلم ومسلمة. أضف إلى ذلكم: هناك فائدة أخرى منها، من فائدة هذا الكلام، ولهذا الأثر، من عبد الله بن مسعود، فيه بيان على أن الإنسان ينبغي أن يعظم الشرك في نفسه، وفي قلبه، وأن الشرك مرتبته أعظم من الذنوب والمعاصي. نحن، إخواني في الله، نقوله حقيقة، لربما هذه المسألة لو جعلنا عليها تصويت بين أهل الإسلام: أيهما أعظم شرا وذنبا: الشرك أم المعاصي والكبائر؟ لو رفعت الأيدي، إجماعا على أن الشرك أعظم، سواء كان الأكبر أو الأصغر، فهو أعظم ذنبا. لكن ننظر في أرض الواقع: هل هذا مطبق عمليا؟ لا والله، لا والله. القليل، لربما إذا تحدثنا، إخواني في الله، عن بعض صور الشرك، لربما الكثير منا ما بالى بها، ما بالى بها. وإن تحدثنا عن بعض الذنوب المستشري في مجتمعاتنا، لربما عظمها الناس، وهو لها لا يبالون. أذهب بعيدا، لربما تقام هنا وهنا في بلاد، ما تسمى بالاحتفالات، ما تسمى بالمهرجانات، يقع فيها الخنا، يقع فيها الفجور، يقع فيها الاختلاط، يقع فيها الرقص والغناء، ويقع فيها السكر والعهر، فتجد أن الناس يضجون بالحديث عن هذا المجون. وحق لهم أن يتحدثوا، هذا ذنب، هذا ذنب، ما يسكت عنه، يتكلم الناس عبر الوسائل، وعبر المقاهي، وعبر المساجد، وعبر الخطبات، وعبر المحاضرات، وعبر المقالات، ولازال الكلام يدوي على هذه المهرجانات الصاخبة الفاجرة. لكن أمهلهم وقتا، ثم تأتي الزيارات الشركية، الزيارات الشركية، والذي يقام فيها أنواع من الشرك الصراح: الدعاء والاستمداد بغير اسم الله، الاستغاثة بالأولياء، الذبح بغير اسم الله، وهكذا شد الرحال على القبور. هنا انظر، وأقولها وأنا واثق مما أقول: انظر إلى ردة فعل الناس الذين أمس ضجوا، كيف إنكارهم؟ لا والله، ما تجد ذاك الضجيج، ما تجد. أقولها للأسف: لا أقول من عامة الناس، بل حتى ممن يظهر نفسه أنه من الدعاة، وأنه من المصلحين، لو ربما ما بالى، ما بال بهذا الزيارة الشركية، أي بالة، ولا أعطاها أي اهتمام. معنى ذلك: بالأمس لما كان الخنا والفجور، لو ربما ضج، وصج في منبره، وفي دروسه: هذا عهر، وهذا حرام، وهذه الحكومة الفاسدة تبذر الأموال. ولما قام الشرك، والذي طمس معالم التوحيد، ما حرك ساكنا. هنا الخلل، خلل إخواني في الله واضح، خلل: أن الناس ما يميزون بين المخالفات. أصبح التوحيد من أقل ما يتكلم فيه الناس، وإن وقع الشرك، قل من يتحسس معالم الشرك، أو يتكلم، أو يحذر، أو ينذر، أو يتكلم، إلا ما كان من أهل السنة، لله درهم، أعطوا الأمور حقها وقدرها. متى ما رأوا ملامح الشرك ظهرت، صاح، لعلمهم أن الشرك ظلم عظيم، وأن الأمور تقاس ليس بالهوى، ولا بالعاطفة، تقاس بالدين، بالشرع. قد أبان لنا أن الخلل في توحيد الله، ووقوع الشرك أعظم عند الله من وقوع المعاصي والذنوب. وتأمل في هذا الأثر، يا عبد الله، تكرارا ومرارا، قال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.