شرح كتاب التوحيد 245

شرح كتاب التوحيد 245

الدرس في شرح كتاب التوحيد 245، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

باب الاستهزاء بدين الإسلام

المؤلف يبدأ ببيان أن التوحيد يقوم على التعظيم، والاستهزاء بدين الله أو رسوله أو كتابه يعد كفرًا يناقض الإيمان. هذا الباب يبين خطورة الاستهزاء بالدين.

الهزل والاستهزاء بالدين وأحكامه

الهزل بالدين أو شعائره يعتبر كفرًا، ويشمل الأقوال والأفعال التي تنتقص من الدين، وقد أجمعت الأمة على كفر من يفعل ذلك. هذا يشمل سب الدين أو الاستهزاء بالله أو القرآن أو الرسول.

صور الاستهزاء ونتائجه

الاستهزاء يكون باللسان أو القلب أو بالإشارة، وهو كفر وردة عن الإسلام، وقد يكون بالاستهزاء بالله أو برسله أو بكتابه أو بشرعه أو بأهل الدين، ويترتب عليه الخروج من الملة.

تحذير من التهاون في ذكر الله أو القرآن أو الرسول

المؤلف يحذر من التهاون في ذكر الله أو القرآن أو الرسول، ويبين أن من هزل بشيء فيه ذكرهم فهو كافر، ويعد ببيان بعض المسائل المتعلقة بأحكام هذا الباب فيما بعد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد، وذلك لعظيم الصلة به. باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد، إخواني في الله، إذ أن التوحيد إنما يقوم على التعظيم، التوحيد يقوم على التعظيم لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. فإذا لم يوجد التعظيم، وإنما وجد ضده وهو الاستخفاف والتنقص والهزل، كان ذلك إشارة لعدم إقامة التوحيد في قلب العبد، فخرج بذلكم عن الدين والملة. ولهذا كان من أعظم نواقض الإسلام هذا الباب، باب الاستهزاء والهزل بدين الإسلام، لأن الدين يقوم على الإعظام والتعظيم. فالتوحيد فيه الموافقة، والاستهزاء والهزل فيه المعارضة، فالمعارضة للشرع، لو أنه كان موافقًا للشرع لما استهزأ ولما هزل بدين الله سبحانه وتعالى. وقد قسم العلماء الكفار على قسمين: قسم هم معرضون، وقسم هم معارضون. فأشد الكفار غلظةً وشدة المعارض، بخلاف المعرض الكافر، المعرض هو الذي يدبر عن دعوة التوحيد، لكن المعارض لا يدبر، إنما يقف ويعاند. ولهذا أهل الاستهزاء من المعارضين، فكفرهم من أشد الكفر. ولهذا ما يتلبس بهذا السلوك الأهوج الأعوج إلا أهل النفاق. إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزئون. هذا من أعظم صفة أهل النفاق، أنهم يتلبسون بظاهرة الاستهزاء. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الباب في كتاب التوحيد لهذا القصد، لبيان أن التوحيد إنما يقوم على التعظيم، والاستهزاء على خلاف ذلك، بل هو يقوم على المعارضة. والمؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا أورد هذا الباب بعد تلكم الأبواب التي مرت معنا، ولو تلاحظون كما لاحظ ذلك جماعة من المصنفين، أن المؤلف رحمه الله تعالى كان يتدرج معنا في الأبواب السابقة. في الأبواب السابقة ذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى الأبواب التي ينبغي للعبد أن يتحلى بها، لما فيها من تعظيم الله جل في علاه. فكان من الأبواب السابقة ما يتعلق بحكم الحلف بغير الله، وبعد ذلك باب من لم يقنع بالحلف بالله، ثم في قول القائل: ما شاء الله وشئت، وأن هذا لا يجوز لمخالفته لتعظيم الله. ثم بعد ذلك حكم من سب الدهر، وأن هذا لا يجوز لأنه فيه التنقص في الله جل في علاه. ثم التسمي بقاضي القضاء، وأن هذا لا يجوز لأنه فيه منازعة الله جل وعلا. ثم ما كان في درس أمس الذي مر معنا، وهو ما كان من ضرورة الاحترام لأسماء الله. ثم هاهنا وصل رحمه الله تعالى إلى أعظم شيء مما يخل بإعظام الله، وهو الاستهزاء. فالمؤلف رحمه الله تعالى ويكأنه يتدرج معنا في مسائل التعظيم وما ينبغي أن يعظم به الرب سبحانه وتعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب، أي هذا الباب هو مدخل في معرفة أحكام هذا الموضوع، وما هو الموضوع المطروح. قال رحمه الله تعالى: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، أي سيأتينا حكمه من خلال ما سيورده المؤلف رحمه الله تعالى من دليل. فقوله رحمه الله تعالى: باب من، من من ألفاظ العموم، فيدخل في هذا الحكم والذي يعد من نواقض الإسلام ورده من صور الردة من الدين والملة. أن يقوم الإنسان بالاستهزاء، وهذا الإنسان من يدخل فيه كل إنسان مسلم، من كان من كان، سواء كان ذكرًا أو أنثى، سواء كان رئيسًا أو مرؤوسًا، أو كان راعيًا أو مرعيًا، أو كان عظيمًا أو حقيرًا، غنيًا أو فقيرًا، كائنًا من كان، كل من يتلبس بهذا الناقض فيدخل في هذا الحكم، وهو الكفر. فما هناك أحد يخرج عن هذا العموم، لأن من من ألفاظ العموم، إلا ما جاء في حقه الدليل، كالمكره، فإن الإنسان إذا أكره على هذا الباب فإنه يعذر، لقول ربنا جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾، فمن أكره على هذا الأمر فإنه معذور، بشرط سلامة قلبه بالتوحيد وتعظيمه. قال رحمه الله تعالى: باب من هزل، الهزل هو ضد الجد، فالإنسان يعامل الدين بجدية وبأخذه بقوة، بأخذ أحكامه، وخلاف القوة والجد الهزل. ويدخل في الهزل الاستخفاف والاستهزاء والانتقاص، ومنه أدخل العلماء السب، فإن مما يدخل في الاستهزاء بالدين سب الدين. ولهذا تجد أن العلماء رحمه الله تعالى في هذا الفصل وفي كل آية تتحدث عن مسائل الاستهزاء يذكرون معها مسائل السب، لماذا؟ لأن من أعظم صور الاستهزاء السب، لأن ما هو السب؟ السب كما قال العلماء هو كل كلام يفيد الانتقاص، كل كلام يفيد الانتقاص فهو السب. عندما يأتي إنسان يواجهك بكلام، وهذا الكلام ينتقص فيه من حقك، هذا سبك، ويدخل في ذلك المشتم واللعن والكلام الفاحش البذي، فهذا سب. وما سبك إلا لكي ينتقص من حقك، فهذا نوع من أنواع الهزل والاستخفاف بمقامك، ولله المثل الأعلى. ولهذا يذكر العلماء أن من مسائل الهزل السب، ولهذا حكم السب من حكم الهزل. فلما كان الاستهزاء بشعائر الدين كفرًا، كان السب كفرًا بالإجماع، مخرج عن الدين والملة. فقال: باب من هزل بشيء، بشيء ليس من شرط الاستهزاء والاستخفاف أنك تستهزئ بالدين برمته، لا، أي شيء يمت بالدين بالصلة، وجب فيه التعظيم والإعظام. فإن أظهرت فيه الاستخفاف، فقد انتقصته، فأنت كافر. ولهذا عبر المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: بشيء، ويدخل في شيء الأقوال، ويدخل فيه شيء الأفعال، ويدخل فيه شيء الأحوال، كل ما يكون وله صلة بدين الله جل وعلا، تناولته يا عبد الله بالاستهزاء، فإن حكمك من حكم العموم، فإنك تكفر. قال: من استهزأ بشيء، قال فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى ثلاث معطيات حددها تحديدًا، رحمه الله تعالى. وهذا التحديد ليس اجتهادًا منه، وإنما هو استنباط من قول ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾. فالمؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى هذه الأمور الثلاثة: ذكر الله، والقرآن، أو الرسول، إنما أخذها من فحوى هذه الآية. قل أبالله، وهو الله جل في علاه، ويدخل في الله ما كان من شريعته، ما كان من دينه، ما كان من أحكامه، وهكذا. قل: في هنا ذكر الله، ذكر الله هو ما هذا المقصود به الآيات والأحكام والشرائع. وقوله: أو القرآن، في الآية: ﴿وَآيَاتِهِ﴾، يدخل في الآيات الآيات الكونية والآيات الشرعية، وأعظم آيات الشرعية القرآن. قال: أو الرسول، ويدخل في ذلك كل الرسل، وعلى رأسهم نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذه الأشياء الثلاثة يا عبد الله اعتبرها هي الخطوط الحمراء، الذي ما ينبغي لأحد منا أن يتطاول عليها بشيء من الانتقاص أو الاستخفاف أو الاستهزاء، لأن صاحبها يكفر. قال: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، حكمه سيأتي، لأن المؤلف ترك الحكم، لأن الحكم واضح كما سيأتي في الدليل، وهو الكفر. إذ أن هذه المسألة قد أجمعت عليها الأمة، ما الذي يبقى يا عبد الله في إسلامك وأنت تستهزئ بدينك؟ ما الذي يبقى في دينك إذا كان دينك عرضة للاستهزاء والاستخفاف، كما نراه من بعض الفسقة؟ وكما قلنا، وإنما يفعل ذلك من كان في قلبه نفاقًا، شعر بهذا أو لم يشعر. فقال رحمه الله تعالى: باب من هزل بشيء، والهزل إخواني في الله ينبغي أن نعلم أن الاستهزاء بالدين له صور. أن الاستهزاء بالدين له صور، لهذا من أهل العلم من يقسم الاستهزاء إلى قسمين: إلى قسم يعبر عنه بالقسم الجلي، وهناك قسم آخر وهو القسم الخفي. القسم الجلي وهو الواضح الذي يعلمه الناس، وهناك قسم خفي الكثير من الناس ما يتنبهون له، وحكمه من حكم الاستهزاء. فمن حكم الاستهزاء الجلي إخواني في الله ما يكون بالاستهزاء باللسان، وهذه من أعظم آفات اللسان، أن تلوك لسانك يا عبد الله بالتطاول على شرع الله، بالاستهزاء لكي تضحك، كحال من ليس في قلبه دين ولا ورع، لربما إذا أراد أن يضحك، تضاحك على الملائكة، يأتي إلى عالم الملائكة فيستهزئ بهذا الملك أو بذاك الملك. وقد سمعنا ببعض هذه ما يسميه بعضها بالنكت، بل حتى من الناس من يستهزئ باليوم الآخر، ومنه من يستهزئ بالرب، ومنه من يستهزئ بأركان الدين، يستهزئ بالصلاة، يستهزئ بالصيام، يستهزئ بعيد الأضحى، وما يكون بنحر الأضاحي. فما يجد من النكت إلا ويحلو له إلا ما كان من مسائل الدين، فيأتي بنكتة قائمة على شيء من أركان دين الله وشرع الله، هذا يعتبر من الكفر، ولو سماه صاحبها نكتة، لا يا عبد الله، هذه ليست نكتة، هذا خروج عن الدين والملة. ما وجدت من الاستهزاء إلا بهذه المسائل العظيمة الذي ينبغي أن تحترم وأن تعظم وأن تبجل. وهكذا من الاستهزاء ما يكون استهزاء خفية، من ذلك ما يكون الاستهزاء بالقلب، هذا لا يعلم به أحد إلا الله، وأنت أدرى به، أنت أدرى بنفسك. تجد أن من الناس ما يتجاسر ما يتجاسر على أنه يصرح بهذا الاستهزاء، لكنه يكنه في قلبه، يجعل في قلبه الضغينة، يجعل في قلبه الضغينة، إذا مر بجانبه أو رأى شيء من معالم الدين، تآكل من داخله، فإذا به يضاحك عليه ويستهزئ به. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن الاستهزاء بالقلب يضاد الإيمان الذي في القلب سواء بسواء. قال: كما أن الاستهزاء باللسان ينافي الإيمان باللسان، كذلك من الاستهزاء بالقلب ينافي الإيمان الذي في القلب، أي ما عندك إيمان، فلا تظن عندما أن الناس ما يسمعون بقولك أن هذا مبرر لك، لا يا عبد الله، لا تسترسل لأنك وقعت في قادح من قوادح العقيدة. هذا إلى من اعتقد ذلكم، من اعتقد ذلكم فإنه يكفر. كذلكم إخواني في الله مما يكون من صور الاستهزاء ما يسمى في هذه الأزمان بالشعر الحديث، وما يسمى بالشعر الحر عند بعض هؤلاء الذي يعبر عنهم بشعراء الحداثة. من الحداثيين إذ أنه يأتي بأشعار، سوى يسمى بالشعر الحر، فإذا به يتكلم ويتكلم ببعض مشاعره وأحاسيسه وما يجده في مجتمعه وزمانه، لكن ضاقت عليهم هذه الأمثلة والنماذج من تعابيرهم، حتى وصلوا أنهم يعبروا بالله جل وعلا، ثم أخذوا يسترسلون في وصف الله جل وعلا بأوصاف السوء. يصفون الله جل وعلا بأوصاف السوء، كالشاعر فلان والشاعر فلان، وهم من شعراء الحداثة، منهم من يصف الله جل وعلا تعالى الله عن هذا الوصف، بأن الله في بلده مجرم، بأن الله في بلده يبيعه اليهود، بأن الله في بلده هارب شارد. لا أقول هذا إخواني في الله تجرؤا عليهم، لا والله قد سطر هذا في دواوينهم، ديوان فلان وفلان، يمثلون الله، فإذا خوسبوا قالوا: إنما أردنا أن نرد بالله هنا رمز، أما وجدتم رمز سوء إلا الله؟ هذا كفر وزندقة وردة، وإنما هي أبغاء أخرجها الله من قلوبهم حتى جعلها تتحرر على أيديهم بإخراج ما في صدورهم من الكفر والحنق والزندقة الذي في قلوبهم. هذا كذلك من الكفر العظيم، لأنه من الاستهزاء، ومن الاستهزاء بالله كذلك وبدينه، ما يكون بالإشارة، ما يكون بالإشارة، وهذا الذي عبر عنه جماعة من أهل العلم بأنه هو البحر الذي لا ساحل له، نوع من أنواع الاستهزاء لا يكون باللسان، وإنما يكون بالإشارة. لربما إذا مر عليه أحد مما ممن عليه علامات التدين استهزأ به، ليس بلسانه، وإنما لربما من خلف ظهره، كما أشار جماعة من أهل العلم، قال: إما بتحريك الأصبع أو بإخراج اللسان، هذا قد نجده، نجده بعض الناس من السفهاء، لربما يرى أن الاستهزاء بالإشارة والحركة، بحركة اليد أو بحركة الأصابع أو بإخراج اللسان أو بغمز العين، وهو أراد بهذا كل الاستهزاء. أراد أن يستهزئ بالمصلين، أراد أن يستهزئ بالموحدين، أراد أن يستهزئ بعباد الله أو بشيء من شعائر الدين، وهو إن لم يتكلم بلسانه، لكن عبر عن هذا بحركات جسده، فهذا سماه العلماء من الاستهزاء الخفي، وهو كفر. فالشاهد إخواني في الله المقام في هذا الباب يطول، ولا نسترسل في أحكامه. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب، عندما قال: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، أورد لنا الدليل الدال الذي يدل على كفر صاحبه، وحينها سنفصل في بعض المسائل المتعلقة بأحكام هذا الباب. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.