الدرس في شرح كتاب التوحيد 247، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول علاقة باب إنكار النعم بكتاب التوحيد، حيث يبين أن الإيمان بربوبية الله يتطلب الإقرار بأن الله هو المنعم والمعطي. هذا الإقرار يؤدي إلى مقام الحمد والشكر لله على النعم الظاهرة والباطنة.
الاعتراف بنعم الله والالتجاء إليه من أعظم مقامات التوحيد، حيث يؤدي إلى كثرة الثناء والشكر لله ومقام الالتجاء إليه. ينمي هذا الاعتراف تعظيم الله جل وعلا وينسب النعم إلى موليها.
يناقش المقطع خطورة نسبة النعم إلى غير الله، ويحذر من أن ذلك يؤدي إلى زوال النعم وعقوبة شديدة. يشير إلى أهمية الاعتراف بالنعم لله والالتجاء إليه للحفاظ عليها.
المقطع الختامي يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام للخطبة أو الدرس الديني.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهي من الأبواب الجديدة في كتاب التوحيد. وهذا الباب خلاصته أن المؤلف رحمه الله تعالى سيورد لنا الآيات والنصوص الدالة على أحوال بعض الناس ممن آتاهم الله جل وعلا النعم، ثم إذ بهم ينكرونها ويضيفونها إلى أنفسهم أو إلى غيرهم، إلى جهدهم، إلى عقولهم، إلى أحسابهم وأنسابهم. هذا هو خلاصة هذا الباب. وهنا تأتي مسائل الإخوان في الله، نشير إليها كمقدمة لما سيأتي ذكره من مقدمة هذا الحديث أو من مقدمة هذا التبويب. أولا أن نعلم ما علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد؟ أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد لما؟ الجواب: لعظيم العلاقة، لعظيم العلاقة بكتاب التوحيد، إذ أن من الإيمان بربوبية الله جل وعلا أن الإنسان بشكل عام والمسلم بشكل خاص عليه أن يقر ويعترف بأن الله سبحانه وتعالى هو المنعم، وهو المعطي، وهو الرازق سبحانه وتعالى. هذا من أفراد توحيد الربوبية. فالمسلم عليه أن يعلم أنه ما من رزق وما من نعمة إنما هي من عند الله جل وعلا، ولو جاءته على شكل الظاهر، جاءته من طريق فلان أو عن طريق فلان، فإن هؤلاء ما هم إلا أسباب، أسباب جعلهم الله جل وعلا وسيلة لكي يوصل نعمته إليك. والأمر كما قال ربنا جل في علا ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، فمن الله. وإن الإنسان، إخواني في الله، متى ما أقر بهذا المقام العظيم، أقر بأن الله هو المنعم والمعطي، ولد لديه مقامات عظيمة. من هذه المقامات مقام الحمد والشكر والثناء لله جل في علا. حين أن تعلم، يا عبد الله، بأن الله هو الذي أعطى، وهو الذي وهب، وهو الذي منح، هذا سيولد عندك، يا عبد الله، الشكر والثناء لرب الأرباب سبحانه وتعالى، لأنه هو الذي منحك من دون سأل الناس، أعطاك من بين الأنام. ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض، وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة؟ فالإنسان متى ما علم أن هذه النعم من عند الله جل وعلا، توجب عليه أن يكثر من حمد الله وشكره ليل نهار، صباح مساء، على مدى الأعوام، ما دامت هذه النفس تضطرب بالحياة. لا زالت لسانك تلهج بشكر الله، لأنك ما تعيش إلا على نعمه وعلى أرزاقه. ولهذا فإن المسلم يكون دائما الحمد ليس فقط حمده لربه جل وعلا في النعم الكبرى، بل في أي نعمة. ولهذا جاء في الحديث الصحيح «إن الله يحب العبد إذا أكل الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة حمده عليها». إذا كان هذا في الأمر الطبيعي الذي لا مناص لأي مخلوق، فإن قوام الحياة على الطعام والشراب، ومع ذلك تحمد الله عليه يحبه الله منك، فما ظنك بباقي النعم؟ نعمة الصحة والأولاد والأهل والأمن والأمان والأموال والأرزاق والخيرات والطمأنين والراحة، كم وكم، يا عبد الله، تعدد؟ فإن الاعتراف بنعم الله جل وعلا، وأن الله هو المنعم، ولد لديك، يا عبد الله، كثرة الثناء والشكر لله. وهذا كذلك من أعظم مقامات التوحيد. والاعتراف بنعمة الله عليك، يا عبد الله، ولد لك مقاما آخر، ألا وهو مقام الالتجاء. مقام الالتجاء هذا المقام إنما يأتيك، يا عبد الله، إن اعترفت بلسانك وبقلبك بأن الله هو المنعم، وأن خزائن السماوات والأرض، وأن ملك السماوات والأرض إنما هو بيده سبحانه وتعالى، لا بيد غيره. كان هذا من أعظم الأسباب أن تنطرح بين يدي ربك، تنطرح إليه بإظهار ذلك ضعفك وعجزك، وأنك محتاج إلى ربك في كل أحوالك سبحانه وتعالى. فلا يزال العبد يلح على الله لأنه يعلم بأن الله هو المعطي، فلا يلتفت إلى غيره، ولا يلتفت إلى سواه، بل يلتفت إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا تجد أن الإنسان متى ما عظم عنده هذا التقرير، كان من أعظم الناس التجاء إلى الله بكثرة الدعاء والاستغاثة والاستعانة، بخلاف غيره الذي يعتقد أن المنعم غير الله. يعتقد أن المنعم غير الله، تجد أنه قليل الالتجاء إلى الله، بل يلتفت إلى غيره، كمن يلتفت إلى الأحياء والأموات، وكالذي يلتفت إلى القبور والقباب وإلى الأضرح والأسباب. لكن الإنسان إذا حقق هذا المقام، مقام الاعتراف بأن الله هو المعطي والمنعم، ولد لديه الالتجاء والانطراح بين يدي ربه سبحانه وتعالى. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق أولا بعلاقة إيراد المؤلف لهذا الباب في كتاب التوحيد. لما سمعنا وعلمنا بأن الاعتراف بأن الله جل وعلا هو المنعم، هو الاعتراف بمفردات الربوبية، ومن ويتولد مقام الشكر والثناء، ومقام الدعاء والالتجاء. ثم ثانيا: ما علاقة هذا الباب بالأبواب التي قبله؟ الأبواب السابقة، من كان معنا متابعا لهذه الدروس، علمنا في الدرس الأخير أن الناظر إلى الأبواب السابقة إلى المنتهى، كلها تدور إلى مسألة تعظيم الله، إلى ما ينبغي أن يكنه المسلم لربه جل وعلا من الإعظام والإجلال والتوقير. ومما يذكر في هذا الباب هذه المسألة بالذات، أنه إذا قام إنسان ونسب النعمة إلى غير الله جل وعلا، هذا لم يكن من تعظيمك لربك. إذا قام إنسان وقال: وهو يدعي أن هذه النعم وهذه الأموال وهذه الخيرات وهذه الأرزاق، ويدعيها مفاخرة وخويلاء واستقلالا، لا تعبيرا لواقع الحال، وإنما استكبارا على غيره، ويقول: هذه من كدي، وهذه من كسبي، وهذه من عرق جبيني، وهذا من أبي وجدي، ولا زال يدعي ذلك، هذا لم يكن من تعظيم الله، لأن من تعظيم الله جل وعلا أنك تنسب النعم إلى موليها، وهو الله جل في علا. ولهذا كان من صفات أهل الكفر الجحود والنكرى لنعمة الله، كما قال ربنا سبحانه وتعالى ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾. هذا الكافر يعلم بأن الله هو المعطي، لكنه يجحد جحوده في أنه ينسب النعم إلى غير الله. فلا تكن، يا عبد الله، على هذا الحال وعلى هذا المنوال، أنك تفتخر بهذه النعم بأن تنسبها إلى غير الله، بأن تنسبها إلى نفسك أو إلى عقلك. أخيرا، إخواني في الله، مما يستفاد من هذا الباب الذي أورده لنا المؤلف رحمه الله تعالى، وسيورد لنا النصوص لأجله، ما ذكره رحمه الله تعالى من عقوبة هذه المسألة. من عظم تعظيم الله، في أن يكون المسلم ينسب النعم إلى غير الله، لها عقوبة معجلة. وعقوبتها المعجلة في أن العبد يحرم من هذه النعمة التي ما نسبها لله، وإنما نسبها لنفسه. وهذا مصداق كما جاء في الحديث القدسي «قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك معي غيري تركته وشركه». الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى الشريك، لا في ألوهيته ولا في ربوبيته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في حمده وشكره. لا يحب الله أحد يزاحمه سبحانه وتعالى فيما اختص به مع عباده «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك» فمن جعل مع الله شريكا كهذه المسألة بين أيدينا، جعل غير الله يزاحم الله سبحانه وتعالى في إنعامه على عباده، مآله أن الله جل وعلا يتركك مع شركك. تدعي بأن هذه الأنعام وهذه الأرزاق إنما هي من كدك ومن جهدك، فأنت وشأنك. تدعي أن هذه النعم إنما كانت عن أبيك وجدك، فشأنك، دعهم الذي يرزقون، وهم الذي ينعمون. فما ظنك بعبد وكله الله إلى نفسه، فإنه سيهلك. ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام «ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين». كان هذا من تضرعه والتجائه عليه الصلاة والسلام بأن الله لا يكل أنفسنا بأنفسنا، لأننا سنهلك. بل الله عز وجل هو القيوم القائم بنفسه، والذي يقوم على غيره جل في علا. فلا قوام بنا إلا بربنا. أما إذا أردنا أن نقوم بأنفسنا، فإننا سنهلك. ولهذا، إخواني في الله، فإن مصير من ادعى النعم لنفسه ولذكائه ولحسبه ونسبه، فإن الله سيدعه مع شأنه، حينها سيهلك أعظم هلاك. أن الله يسلب منك هذه النعم، كأن لم تغن بالأمس. ومصداق ذلك في قول ربنا جل وعلا ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. قال المفسرون: الكفر هنا هو كفر النعمة، وذلك بأن تنسب النعم إلى غير الله. وهنا العذاب، قال العلماء كما أشار إلى ذلكم والإمام السعدي رحمه الله، ذلكم يكون بزوال النعمة، بزوال النعمة. فالحفاظ، يا عبد الله، على نعم الله جل وعلا عليك أن تدوم ذلك بالاعتراف بها والالتجاء إلى الله في بقائها، وهكذا الثناء والحمد والشكر على ما كان من استمرارها. وسيأتي معنا في هذا الباب من الأدلة والنصوص ما يدل على هذه المعطيات التي ذكرناها آنفا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.