المحاضرة بعنوان اصلاح الشباب، وكانت بسجد الفاروق بالشحر ٢٢ ربيع الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل معنى إصلاح الشباب وأهمية الاهتمام بهم في الإسلام، حيث يُعرّف الإصلاح بأنه التغيير للأفضل. يُبين أن الشريعة الإسلامية اهتمت بالشباب كما يتضح من الأحاديث النبوية.
يؤكد هذا الفصل على أهمية الاهتمام بالشباب في الشريعة الإسلامية، ويبين أن هذا السن هو سن القوة والفتوة والبذل والعطاء. كما يشير إلى أن الشباب هم سر قوة المجتمع وعماده.
يتحدث هذا الفصل عن أهمية توجيه الشهوات في فترة الشباب، حيث تكون القوة الغريزية والجنسية في أوجها. يشير إلى أن الشريعة الإسلامية قدمت توجيهات لتحويل هذه الغرائز إلى الباب الشرعي.
يتناول هذا الفصل خطورة الشبهات على الشباب وكيف يمكن أن تؤدي بهم إلى الضلال والانحراف. يحذر من الانسياق وراء الأفكار الهدامة دون تفكر أو تثبت.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، فبادئ ذي بدء أتوجه نيابة عن إخواني بالشكر الجزيل إلى كل من ساهم وساعد وسعى إلى إقامة مثل هذه المحاضرات في هذا المسجد المبارك، والشكر واصل أصالة إلى إمام هذا المسجد واللجنة القائمة والمتابعة لأعمال المسجد، وهذه الوجوه التي ما عرفناها إلا محبة للسنة، فجزى الله خيرا كل من ساهم وشارك في إقامة هذا الخير. إخواني في الله، هذا الخير ليس خيره ينحصر أو يقتصر على المتكلم، بل ولا يقتصر على السامع، وإنما مردوده على الفرد والمجتمع، مجالس الذكر ومجالس الخير، كم نفع الله جل وعلا بها الأفراد والمجتمعات، ليس المنفعة التي أجرها يكمل في الآخرة من رفيع الدرجات ومن دخول الجنات فقط، وإنما كذلك نفعها يكون معنا في الدنيا. هذه المجالس التي يتعلم فيها الجاهل، ويتذكر فيها الغافل، ويسترشد فيها الساهي، والناس كم من الأحكام، وكم من أمور تتعلمها يا عبد الله من هذه المجالس الطيبة المباركة التي تواترت في حقها الفضائل. فوالله لو علم الناس لفضل هذه المقامات وهذه المجالس والذكر وجلقات العلم، لزحفوا إليها زحفا، ولا حبو إليها حبوا لعظيم ما أعده الله سبحانه وتعالى لأصحابها من خير الدنيا والآخرة. إخواني في الله، وكذلك الشكر واصل يا أخينا أبي عبد الرحمن الذي قدم، والذي رحب بهذه المقدمة الطيبة الفاضلة، والتي نبه وأشار فيها -رعاه الله- إلى مضمون المحاضرة، والتي هي بعنوان "إصلاح الشباب". إصلاح الشباب، إخواني في الله، من المواضيع الملحة، وقبل الدخول في مضمون الموضوع نقف وقفة يسيرة إلى معاني الكلمات، ما معنى الإصلاح؟ ومن هم الشباب؟ الإصلاح، قال العلماء من أهل اللغة، هو ضد الإفساد، والإصلاح بمعنى التغيير إلى الأفضل، هذا هو الإصلاح أينما وجدت كلمة الإصلاح، اعلم أن المراد منها هو التغيير للأفضل، فإصلاح الشباب أي الذي نريده منهم أن يكون حالهم إلى أفضل حال، هذا هو المراد من الإصلاح. أما من هم الشباب؟ الشباب، إخواني في الله، يقال لهم شباب، ويقال لهم شبان، ويقال لهم شببة، كلها بمعنى واحد، اختلف أهل التربية والسلوك في تحديد من هم الشباب. الشباب لا شك أنهم مرحلة عمرية، مرحلة من مراحل الإنسان حتى يصل به الحال إلى الموت والذهاب والزوال، هي مرحلة من مراحل الإنسان، اختلف العلماء في تحديد المدة التي يكون فيها زمن الشباب. الإمام النووي من أئمة الشافعية حكى مذهب الشافعية بقوله: قال ومذهب أصحابنا أن الشباب هو الذي بلغ ولم يصل إلى سن الثلاثين، هو الذي بلغ ولم يصل إلى سن الثلاثين، هذه فترة الشباب عند الشافعية. وذهب بعض العلماء إلى أن الشباب هم ما بين الثلاثين والأربعين، ما بين الثلاثين والأربعين، وهكذا رؤى لبعض المعاصرين من أهل التربية والسلوك يتنازعون في تحديد الفترة الزمنية التي يبتدئ منها الشباب وينتهي. خلاصة الأقوال، إخواني في الله، أن الشباب هم من كان بعد بلوغه إلى سن الأربعين، من كان من البلوغ إلى سن الأربعين، هذه المرحلة برمتها يقال لمن عاصرها ومن عايشها أنه في سن الشباب. إذن مضمون المحاضرة هو أن نرتقي بالشباب إلى أحسن الأحوال، إذن هذا هو معنى إصلاح الشباب. تأتي مسألة ربما تتبادر إلى الأذهان، قد يقول قائل: أليس الإصلاح ينبغي لكل فرد من الأفراد؟ نقول: نعم، الإصلاح، إخواني في الله، وهذا وظيفة الأنبياء والرسل، كما قال ربنا على لسان شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾. فإن الأنبياء والرسل إنما أرسلوا لإصلاح مجتمعاتهم، وكان صلاحهم يقوم في كل فرد، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والشاب والكهل، كل هؤلاء يحتاجون إلى إصلاح، إذن لماذا خصصنا الكلام عن الشباب؟ هذا الأمر، إخواني في الله، يعود أمره إلى أسباب، ولعل في هذا المقام أكتفي بأسباب ثلاث، حتى نعلم لماذا كان التركيز على الشباب من غيرهم من الفئات. السبب الأول، وهو الركيزة المهمة، أن الشريعة هي التي اهتمت بالشباب، وكفى قدوة، وكفى أسوة أن نقتدي بما أدت به الشريعة، فما اهتمت به الشريعة نحن نهتم به، الشريعة ما جاء في كتاب الله، وخاصة في أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، تجد يا عبد الله الأحاديث الكثيرة والوفيرة كما سيأتي معنا في طيات المحاضرة، تجد أن لفظ الشباب والشبان والشاب تكرر بكثرة في نطقه عليه الصلاة والسلام، وما ذاك إلا عناية ورعاية من شريعة رب العالمين بفئة الشباب. على سبيل المثال، ما جاء في السنن من حديث أبي برزة الأسلمي، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفي رواية عن خمس: عن عمره فيما أبلاه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به". هذا الحديث العظيم، إخواني في الله، يخبر فيه نبينا صلوات ربي والسلام عليه عن موقف عظيم من مواقف القيامة، يوم العرض على الله، العرض الأكبر، ما من أحد إلا وسيقف بين يدي الجبار جل في علاه، وعند الوقوف أمامه سبحانه وتعالى، حينها تطرح علينا هذه الأسئلة. ما من أحد ما من أحد من صغير ولا كبير، ولا غني ولا فقير، ولا عظيم ولا حقير، ولا ذكر ولا أنثى إلا وسئل بهذه الأسئلة، وعن عمره فيما أبلاه، وعن شبابه فيما أبلاه، يسألنا ربنا عز وجل عن أعمارنا، ذلك الذي عمر السبعين، ذلك الذي عمر الثمانين، أعمارنا من أولها إلى آخرها سيسألنا ربنا عز وجل عنها سؤالا دقيقا. لا شك لا شك في خلال محاسبة الرب لنا على أعمارنا أننا سنسأل عن مرحلة الشباب ضمن السؤال عن العمر، لكن ليس هذا فقط، بل سيعاد علينا بسؤال خاص عن شبابه فيما أبلاه، بمعنى أنك ستسأل عن الشباب سؤالين، سؤال عام، ثم سؤال خاص خاص بهذا السن، وعن شبابه فيما أبلاه، هذا السن أين ذهب؟ أين مضى؟ أين انقضى؟ أضاعه للأسف، إخواني في الله، مع عناية الشريعة بأمر الشباب، لأنك تجد أن الغالب من الشباب لا يهتم بأعمارهم، ولا بأوقاتهم، ولا بهذا السن الذي حباه الله إياهم، لا، ربما ضيعه في القنوات والقناطر، وبالملذات، وبإضاعة الأوقات، إلى غير ما لا تحمد عقباه. فهذا الحديث، إخواني في الله، إن دل، دل على عظيم السؤال بأمر الشباب، ويزيد الأمر تعظيما إذا علمت أن هذا السؤال سيطرح عليك يوم العرض الأكبر على الله سبحانه وتعالى، فأعد جوابا يا عبد الله لهذا السؤال. إذن هذا الأمر الأول، اهتمامنا بالشباب عن غيره من الطبقات والفئات، لأن الله عز وجل اهتم بهذا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، فنحن نهتم بما اهتمت به الشريعة. الأمر الثاني، الأهمية تكمن في الشباب عن غيرها من الفئات، أن هذا السن، إخواني في الله، هو سن الفتوة والقوة، هذا سن الجد والاجتهاد، سن البذل والعطاء، الشاب في سن شبابه يفعل ما لا يفعله غيره. وربنا عز وجل وصف هذا السن بهذا الوصف، قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. فربنا عز وجل وصف سن الشباب بقوة، ولهذا تواترت كلمة المفسرين على أن هنا القوة بمعنى سن الشباب، لأن الشاب في هذا العمر تكتمل قوته، كما قال إمام المفسرين السعدي رحمه الله تعالى: القوة الظاهرة والباطنة جميع القوة في الفئة العمرية للإنسان تكون في شبابه. وانظر يا عبد الله إلى عمارة الأوطان، لمن عمرت؟ ما عمرت الأوطان إلا على سواعد الشباب، وعلى كواهلهم، قام البناء، وقام البنيان، وقام العمران، وقام العمران، بل حتى في دين الله جل وعلا، انظر يا عبد الله إلى ما كان من الفتوحات في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان بعده من الأزمان، قامت الفتوحات على ظهور من؟ على كواهل من؟ على كواهل الشباب الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستغلوا هذه القوة وهذه الفتوة في فتوحات، وفي جهاد في سبيل الله، حتى فتح الله بهم الأقاليم والمدن والقرى والأرياف. وجاءت بعض الأحاديث، وإن كان فيها ضعف، الذي يقول في بعضها ينسب عن نبينا أنه قال: "نصرت بالشباب"، هو ضعيف لإسناده، كما قال شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، لكن المعنى صحيح، نصرت بالشباب، فالشباب هم الذين نصروا دين الله سبحانه وتعالى. لأن الشاب، إخواني في الله، في فترة شبابه يفعل ما لا يفعله الصغير، ويفعل ما لا يفعله الكبير، الكبير الشيخ الذي بلغ في العمر مبلغا ما، يستطيع أن يفعل الذي يفعله الشاب، مثلا ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه كان في أحد الغزوات، فقال: "من وصل إلى مكان كذا وكذا فله كذا وكذا"، حدد لهم مكانا، حدد لهم مكانا، إلا أنه في الحديث ما ذكر ورتب نبينا أن الوصول إلى هذا المكان له أجرة من الغنيمة. قال الراوي: "فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ تحت الرايات"، ما استطاع الشيوخ لكبر السن، ما استطاعوا أن يدركوا ما عليه الشباب من الحركة والسرعة، قال الراوي: "فتسارع الشباب تسابق إلى المكان حتى ينالوا ذاك العطاء". فما الذي فعلوا الشيوخ؟ قالوا: "فجلسوا الشيوخ تحت الرايات"، فلما فتح الله عليهم، جاءوا أي جاء الشبان، وأرادوا من رسول الله أن يجعل لهم الذي جعل لهم، أي يعطى لهم الذي وعدوا به، فإذا بشيوخ قالوا: "لا والله لا تذهبون به بدوننا"، ما يمكن هذا، يعني عارض الشيوخ. ما الذي قصوا؟ أن الشباب ذهبوا إلى المحل واستحقوا الغنيمة، وهما ذهبوا، لكن ماذا يحتجوا؟ قالوا: "لا والله لا تذهبون به دوننا، إننا كنا لكم ردا"، قال: "فأنزل الله قوله جل في علا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾"، قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: وإسناده صحيح. فشاد إخواني في الأمر إلى الشباب، عندهم قوة ما لا يقدر عليها الكبير في السن، الكهل، قوة وعطاء، وسرعة، وجدية، فذهبوا، بحيث أن كبار السن ما استطاعوا أن يدركوهم. وهكذا، إخواني في الله، أدل كثيرة تدل على أن الشاب عنده قدرة، الصديق رضي الله تعالى عنه عندما أراد أن يجمع القرآن من صدور الرجال، ومن الأوراق، ومن جذوع النخل، ما الذي أمر عليه؟ أسامة بن زيد، بماذا أمره؟ بماذا اختار لهذه المهمة؟ قال: "إنك شاب، إنك رجل شاب، وإنا لا نتهمه"، فاختار الصديق رضي الله تعالى عنه من مواصفات أسامة الذي سيبعثه إلى أعظم مهمة، أن يجمع المصحف من صدور الرجال، ومن أي مكان كان، من أعظم صفاته وخلاله أنه كان شابا. شباب، قوة، وعطاء، وبذل، فإذا كان الشباب، إخواني في الله، بهذه المثابة، هم سر قوة المجتمع، تقوى به، لم يكن في دائرة الصلاح، وإنما ذهب إلى دائرة الفساد، ما الذي سيكون في المجتمعات؟ ستنهار، تنهار المجتمعات، إخواني في الله، بانهيار الشباب. الشباب هو مكمن القوة، هو مبذل القوة والفتوة، وحتى الآن في الأنظمة الموجودة في الشركات والوظائف، تجد أن الرجل إذا كان موظفا، فإنه إذا بلغ مبلغا من العمر يزاح، يحال إلى ما يسمى بالتقاعد، لماذا؟ يدرك المجال لغيره ممن هم من الشباب، عندهم حيوية وطاقة، وبذل، وعطاء، فيزاح هؤلاء، ويعطى المجال لغيرهم. فالشباب، إخواني في الله، هم مكمن القوة، ومن هنا كان الاهتمام بهم عن غيرهم من الفئات العمرية. الأمر الثالث، إخواني في الله، والذي به نعلم لماذا الاهتمام بالشباب دون غيرهم، وهو أن هذا السن، إخواني في الله، هو سن الاندفاع، سن التهور، يقع فيه عجلة، يقع في أصحابه طيش، يقع في أصحابه طيش. ومن هنا العبارة السائرة يقال: "طيش الشباب"، طيش الشباب، لأن الشباب هو مكمن الطيش، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والشيخ وإن ضعف بدنه فإنه أقوى عقلا من الشاب"، وهذا إنصاف، قال: "والشيخ الكبير في السن، وإن ضعف بدنه، إلا أن عقله أقوى من الشاب". وهذا كما قلنا إنصاف، لأن لما ذكرنا في الفقرة السابقة أن الشيوخ هؤلاء ما عندهم حركة، ما عندهم سرعة، لا، ربما بعضنا يزيح الشيوخ من المجتمع، يجعلهم على ركن، لا، لا تجمع ركن الشيوخ والمشايخ وكبار السن، ونضعف أبدانهم، لكن كبرت عقولهم، كبرت عقولهم. وكما قال القائل: "إن الأمور إذا الأحداث دبروها دون الشيوخ كان في سيرها الزلل"، أو تجد في سيرها الزلل، إذا الأمور وقعت من دون مشورة من كبار السن العقلاء، فإنها تتطرف على أصحابها. لأن الشاب، نعم، عنده اندفاع، عنده قوة، عنده حماس، من حيث الحركة، لكن ينقصه التفكير، فهو سن الطيش، سن الطيش، سن التهور، سن العجلة، يتعجل الشاب، إخواني في فترة شبابه، لربما يجيب قبل أن يفكر، لربما يقدم قبل أن يتحرى. كم تقع ألفاظ، وتقع كذلك سلوكيات من الشباب لا تحمد عقباها، لأنها صدرت من تهورهم، ومن طيشهم، انظر مثلا لهذا الحديث العظيم، قد يقع في سن الشباب من الأقوال التي خرجت منهم من غير إرادة أو تفكر. ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في قسمة رسول الله عليه الصلاة والسلام للغنائم غنائم هوازن، قسمها، وكاد بكثرة، كاد بكثرة عظيمة، وفرة، طلع بالمئات بالآلاف، فكان يوزع إلى أنه عليه الصلاة والسلام كان يتعمد أن يجعل القسمة الكبرى والعظمى للمؤلفة، يعطي هذا مئة من الإبل، وذلك مئة من الإبل، وذلك أضعاف وأضعاف من الإبل، يعطي حتى نادى المنادي: "أن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر". بكثرة العطاء، بالمقابل أنه ترك الأنصار، هم ممن شاركوا في القتال، ممن شاركوا في الجهاد، تركهم، ما أعطاهم شيئا، وإنما أعطى مؤلفا، وأهدى عليهم بالعطاء، هنا كثرة القالة، القالة كثرة الكلام حول هذا المسلك الذي اتخذ في توزيع الغنائم. فزادت القالة، بلغ ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، فأمر بجمع الأنصار في قبة، في خيمة، فلما جمع الأنصار، قام فيهم نبينا خطيبا، قال: "ما حديث بلغني عنكم؟"، فقام أحد الصحابة رضي الله تعالى عنه، مضيا، فقام فقهاؤنا، أي فقهاء الأنصار، قالوا: "يا رسول الله، أما ذو رأي منا فلم يقولوا شيئا، وأما أناس حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا". سأمل في هذه اللفظة، ما الذي قال هذا الصحابي؟ "أما ذو رأينا فلم يقولوا شيئا"، فما التكلم، قال: "وأما أناس حديثة أسنانهم، هم الذين يتكلمون"، ولهذا يقول الإمام العيني رحمه الله تعالى في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: "قال وآرادوا الشبان الجهال الذين لم يتمكنوا من قول الصواب". فتجد إخواني في الله أن الشاب أحيانا يتكلم بكلام، وهذا الكلام، إخواني في الخارج، من غير التورية، ومن غير التأني، ولا روية، فنبينا صلوات ربي وسلامه عليه عندما أعطى هؤلاء وترك هؤلاء، كان حكمة شرعية، وما يسمى بالسياسة الشرعية، أن يتألف هؤلاء للدين، فهي حكمة، فالعقلاء علموا الحكمة، فسكتوا. أما الذي لا يعلم، وخاصة من الشباب، ممن كان من حداثة أسنانه، ما بلغ ما بلغ العقلاء، لربما يتكلم بكلام دون روية، فهنا إخواني في الله إذا علمنا هذا، علمنا أن هذا السن هو سن طيش، سن طيش، واندفاع، وتهور. إذا كانت العناية به، أو لم تكن العناية بغيره في هذا الأمر، إذا إخواني في الله يترتب علينا أن الاهتمام بالشباب دون غيرهم للأمور الثلاثة، أولا لأن الشريعة اهتمت بهم، ونحن نهتم بما اهتمت به الشريعة. الأمر الثاني، أن عندهم قوة واندفاع، وأن وجودهم وبقاءهم في الحقيقة بقاء للدولة والمجتمع، الأمر الثالث، أن عندهم طيش واندفاع وتهور يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى أن يعدل حتى لا يكن تهورهم في أمور لا تخدم أنفسهم، بل ولا تخدم دينهم. نأتي الآن، إخواني في الله، إلى مسألة الموضوع، إصلاح الشباب، مما تعلق بهذا الموضوع، إخواني في الله، أن نوصل الأضواء على أهم العوامل التي تعوق إصلاح الشباب، كم من شباب يريد أن يصلح من نفسه، وتأتي عوامل الإصلاح من هنا وهنا، لكن هناك موانع فتصد الشاب عن أن يكون من الصالحين، أن يكون من المحسنين، أن يكون من عباد الله المستقيمين. وهذه الموانع، إخواني في الله، والعوائق، نوصلها ونلخصها في أمرين اثنين، وإلا أهل التربية وسعوا النقاط في معرفة العوامل التي أدت إلى خروج الشباب عن باب الصلاح، نقول: تعود هذه العوامل إلى أمرين اثنين، باقتصار إلى الشهوات والشبهات، هذان الأمران الذي قال عنهم ابن القيم رحمه الله تعالى: "هما أصل كل شر وفتنة وبلاء"، هما الشبهات والشهوات، أصل كل فتنة، وأصل كل بلاء، وفتنة، والشر. الشهوات والشبهات، نأتي إلى الشهوات، إخواني في الله، الشهوات من أعظم الصوارف والموانع التي تعتر الشاب فتصده عن إصلاح، والسر في هذا الأمر، إخواني في الله، أن الشاب في فترة شبابه يكون عنده من القوة الغريزية والقوة الجنسية ما لا يجدها في أي عمر آخر، تتفجر عنده القوة الشهوانية. فما ظنك بالشهوة يريد أن يعبر عما في نفسه، وما في خواطر قلبه، وقد ساهمت الشريعة مساهمة فعلية في توجيه هذه الغرائز، روى الإمام البخاري في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "كنا شبابا، وكنا لا نملك شيئا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". ما الذي أراد نبينا بتوجيه كلامه إلى فئة الشباب هذه الفئة؟ هم مضنة الشهوة، مضنة الزلل، فأراد الشرع أن هذه الغرائز توجه إلى الباب الشرعي، قال: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، فالمسلم، وإخواني في الله، وخاصة أيها الشاب في فترة شبابه، حاول أنك تكبت باب الشهوة، فإنك إذا أطلقت لها العنان، فإنها ستوردك المهالك، وتوصلك إلى أمور تجلب عليك سخط الجبار في الدنيا قبل الآخرة. واعلم، عبد الله، في قصة هذا الشاب الذي رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، أنا شابا، ولازلنا مع الشباب، أنا شابا، دخل المسجد، فقال: "وما الذي تظنونه أن يقول في بيت من بيوت الله؟"، فقال: "يا رسول الله، ائذن لي بالزنا"، شهوة تعتري الشباب، اعترته كما يعتري أي واحد في سنه، لكن بلغت مبلغا عظيما فيه، حتى دخل أمام الناس، وقال: "يا رسول الله، ائذن لي بالزنا". فصاح القوم، قالوا: "مه مه"، وازداد ما الذي يقول بهذا الكلام؟ أين في بيت من بيوت الله؟ ومع من؟ مع رسول الله، وفي ماذا؟ في فاحشة أن يريد أن يفعل الفاحشة، لكن الرجل ما استطاع أن يصبر، فما كذبه رسول الله، من شفافية ومصارحة مع رسول الله يحدث بما في نفسه. قال: "يا رسول الله، ائذن لي بالزنا"، فقال القوم: "مه مه"، فلما علم به نبيه أذن له، أمر القوم أن يقربوا منه، قال: "ماذا تقول؟"، قال: "يا رسول الله، ائذن لي بالزنا"، فقال له عليه الصلاة والسلام: "قوموا إلى المرأة"، قال: "أتحبه لأمك؟"، فقال: "لا يا رسول الله، جعلني الله فداك"، قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". "أتحبه لبنتك؟"، قال: "لا يا رسول الله، جعلني الله فداك"، قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، "أتحبه لأختك؟"، قال: "لا يا رسول الله، جعلني الله فداك"، قال: "وهكذا الناس لا يحبون لأخواتهم"، "أتحبون لعمتك؟"، قال: "لا يا رسول الله، جعلني الله فداك"، قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم". "أتحبوا لخالتك؟"، قال: "لا يا رسول الله، جعلني الله فداك"، قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم"، ثم قال نبينا: "ثم قال الرجل: يا رسول الله، اضرب الله لي"، قال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه"، قال: "فخرج الرجل، وما كان يلتفت إلى شيء"، عصمه الله عز وجل. الشاهد، إخواني في الله، انظر إلى حال هذا الشاب عندما اعترته الشهوة، ما الذي وقع منه؟ وهكذا، فاحذر يا عبد الله أن تمكن للشهوات أن تصيبك، فإن حائلا يحول بينك وبين صلاحك. ونحن في هذا الزمان، إخواني في الله، وبحق زمان الشهوات، زمان الفتن والملذات، أصبحت الشهوات تتراقص بين يديك، تجدها في كل محل، متى ما توجهت يمنة ويسرة يا شاب إلى وجدت الشهوة تتراقص، والملذات تتراقص أمامك، أينما ذهبت، في بيتك، في غرفتك، في مدرستك، في عملك، في شغلك، بل ربما في جيبك، في هذا الجوال الذي ما هو إلا فقط تأخذ بضغطة زر، إذ بك يا عبد الله تدخل إلى عالم الفواحش والإباحية. شهوات، عباد الله، فتراقص أمام الخلق في هذا الزمان، يسرت ما لم تيسر من ذي قبل، فاتق الله يا عبد الله، فالله ما يكون أبدا صراطا مع شهوات، ما يمكن هذا، جاء هذا مرض العضال، فهذا من أعظم الأمراض، إخواني في الله، الذي تعتر الشباب وتحول بين صلاحهم. مسألة الشهوة، الأمر الثاني، إخواني في الله، الشبهات، الشبهات، الشبهات، الشبهات من الأمراض العظيمة التي تحول بين الشباب وبين إصلاحهم، والشباب كما أنه مكمن للشهوة، هو أيضا مظنة للشبهة، وذلك لما أسلفنا، الشباب عنده اندفاع، كما مر، وعنده كذلك تتبع للغرائب، وعنده لربما تعجل فيدخل في أمور من غير تفكر، من غير تحري، من غير تثبت، فيقع في الشبهات، يقع في الضلالات، يقع في الجهالات. إخواني في الله، لا أقول بملء الفم، كم كان الشباب هم حطب أهل البدع، هم حطب أهل البدع، الفرق الضالة، والمناهج المنحرفة، تجد أن الذي يكون من غالب سوابقهم من فئة الشباب، وهذا مصداق لخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما ذكر ما يكون من أمر الخوارج، تلك الفرقة المارقة التي خرجت في عهد الصحابة، والتي بشر أو ذكر نبينا ما يتعلق بخروجها. ما هي هذه الفرقة؟ ذكر نبينا في بعض الأحاديث وصفا لا يلتبس على أحد، قال عليه الصلاة والسلام: "يأتي على الناس زمان يخرج فيه أقوام سفهاء الأحلام، حديثة الأسنان، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". الشاهد: "يأتي على الناس زمان، أو يخرج على الناس أقوام سفهاء الأحلام، حديثة الأسنان"، ما معنى حديثة الأسنان؟ قال صاحب كتاب "النهاية في غريب الحديث": "وقوله حديثة الأسنان كناية إلى أنهم من الشباب"، هذا الذي يهمنا، كناية إلى أنهم من الشباب، من هؤلاء؟ هم هذه الفرقة المارقة الخوارج. سفهاء الأحلام، حديثة الأسنان، فاحذر يا عبد الله أن تتخطفك الشبهات وأنت في هذا السن، استغلالا لحداثة سنك، ولقصور فهمك، ولاندفاعك، لو ربما تدخل بحجة الاندفاع، وغير على الدين، هو ليس غير على الدين، صحيح، لا. واذكر قصة، إخواني في الله، تدل كذلك إلى هذا المعنى، قصة رواها لنا الإمام مسلم في صحيحه عن يزيد الفقير، والسمي بالفقير لأنه يعاني من مشكلة في فقار ظهره، قال: "يزيد الفقير يحكي عن نفسه، قال: كنت شابا"، وهذه الروايات نتتبعها في مرحلة الشباب. قال: "كنت رجلا، كنت شابا، فشغفني رأي الخوارج"، شغف كما قلنا الشباب عنده اندفاع، عنده اندفاع، تهور، يدخل في فرق، يدخل في مناهج، يدخل في أفكار، وجدنا من الشباب، إخواني في الله، في دول قريبة غير بعيدة، أصبحوا من ماذا؟ من جماعة عباد الشيطان، مرة أظنوا قبل سنوات، وحوكموا في قضية شبكة، وناس على أفكار ضالة. لكن هذا تصور شاب يعبد الشيطان، وجد هذا مجموعة من الشباب والشابات يزعمون أن الشيطان هو ربهم، وهو الأب، وما كانوا غير شباب، وهؤلاء جميعا مضنة الشبهات، ووقوع في الضلالات. يقول يزيد الفقير: "قال كنت شابا، فشغفني رأي الخوارج، أعجبني، أعجبني"، قال: "فخرجت مع جماعة منا ذوي عدد، من المجموعة، خرجنا أردنا الحج، ثم بعد ذلك نخرج على الناس، نقتل"، قال: "فمررنا بالمدينة، فإذا بجابر بن عبد الله الصحابي الجليل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس على سارية، جالس على سارية، ويحدث". وكان من توفيق الله لهؤلاء الشباب أن الله أدخلهم إلى هذا المكان، وإلى هذا المحل، وعند هذا الشخص، في هذه الساعة، بماذا كان يتحدث؟ كان يتحدث عن الجهنميين، عن أناس يكونوا في النار، ثم يدخلون الجنة بفضل الله ورحمته، هذا عقل أهل السنة، وعقل الإسلام الصحيح، على أن أهل المعصية ما داموا معاصيهم، فإنهم يعذبون في النار حتى تصفى ذنوبهم، ثم يؤول أمرهم إلى الجنة بفضل التوفيق الذين معهم. فإذا بجابر، سبحان الله، كان يحدث عن الجهنميين، يقرر لأصحاب المجلس ما كان من حديث الجهنميين، قام هذا يزيد، يحكي عن نفسه، قام شاب عنده جرأة، فقمت وقلت: "يا صاحب رسول الله، ما الذي تتحدثون عنه؟"، لا شهادة، أما يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، أما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ جرأة، أفكار تشعشعت، تسربت في ذهنه، انقدحت في قلبه، لقنوا من دخل النار ما خرج منها، من دخل في النار أخزي من دخل في النار، آبدا وأبدا، سرمديا، هذا الذي يقرر، فيتصادم بهذا الكلام، دخل وخرجوا. قال: "من قال يا صاحب رسول الله، ما الذي تتحدثون عنه؟ أما قال الله: إنك من تدخل النار فقد أخزيته، أما قال الله: وما هم بخارجين منها؟"، فقال جابر رضي الله تعالى عنه: "قال: أتقرأ القرآن؟"، قال: "نعم