أسس دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم

أسس دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم

المحاضرة بعنوان أسس دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم، والتي كانت بمسجد العلامة ابن باز بدفيقه بمدينة الشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 14 ذو القعدة 1447هـ الموافق 1 مايو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أسس دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأهمية التوحيد

يتناول هذا الفصل أهمية دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأسسها، مع التركيز على العقيدة والتوحيد كأساس أول في دعوته. كما يبرز أهمية التوحيد كعاصم من النيران ومكفر للذنوب.

دور العمل الصالح في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

يبرز هذا الفصل أهمية العمل الصالح في دعوة النبي، حيث كان يدعو إلى الأعمال الصالحة منذ بداية دعوته، وشملت هذه الأعمال الطاعات والعبادات. كما يبين أن العمل الصالح لعب دورا عظيما في دعوته.

الاهتمام بالعلم في دعوة النبي وتأثيره

كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بالعلم اهتماما عظيما، حيث بدأ دعوته بالتركيز على العلم وأرسل أصحابه لتعليم الناس دين الله. كان العلم هو البداية والنهاية في دعوته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علا أن يسر لنا هذا اللقاء، نلتقي بآبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه المنطقة أطيب أهلها، وفي هذا المسجد المبارك نجتمع فيه وإياكم لما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا، فجزى الله خيرا كل من أسهم في عقد مثل هذه اللقاءات، مثل هذه المجالس المباركات. وشكرنا بعد شكر الله لأخينا المفضال سعد بن ربيد حفظه الله على ما تطرق إليه وذكر وشكر به ورحب، فجزاه الله خير الجزاء. وهكذا شكرنا لأخينا الشيخ علي بساود حفظه الله الذي كان حريصا على أن يكون معنا في هذه الليلة في مسجده، إلا أنه جاءه ما اضطره إلى التخلف، ولعل في غيبته خيرا، فأسأل الله عز وجل أن يبارك له في جهوده. إخواني في الله، إن الناس لما كانوا في جاهليتهم، الجهل وما كانوا فيه من شرك وضلال وانحراف وانحلال، كانوا يعيشون في حالة تشبه بحالة الغاب، القوي يأكل الضعيف والغني يستولي على مال الفقير، كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فشت عندهم المنكرات والعظائم وأكل الحرام، كانت تسفك عندهم الدماء لأدنى الأسباب من مشاحنات وخصام. فبينما هم كذلك، أرسل الله عز وجل إليهم رجلا يعرفون أصله وفصله ونسبه، يعرفون مدخله ومخرجه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أرسله الله إليهم بشيرا ونذيرا، وأمرهم الله عز وجل بأن يذعن له بالنبوة والرسالة، محمد رسول الله. وكان عليه الصلاة والسلام من أوائل ما جاء به الدعوة إلى الله، ﴿يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المهمة وتجش معنى الدعوة والتبليغ، فما ترك سهلا ولا جبلا ولا هضبة ولا واديا إلا وقام فيه داعيا يدعو الناس إلى دين الله. وكان من جراء ذلك أن ناله ما ناله من المتاعب والمصاعب، تسلط عليه الكفار، ذاك يسبه وذاك يشتمه، ذاك يخنقه وذاك يأخذ بتلابيب ثوبه عليه الصلاة والسلام، ناهيك عن المؤامرات التي كيدت حوله والتي يراد منها إسفاف دمه وإزهاق روحه، صلوات ربي وسلام عليه. مع هذا التعب ومع هذا العنت، إلا أن آيات الدعوة تتنزل عليه، ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، قال سبحانه ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت﴾، تتنزل عليه آيات الدعوة بمعنى لا هوادة، لا كلل، لا ملل، سر على هذا المضمار، فسار نبينا صلى الله عليه وسلم وأدى هذه المهمة على أحسن قيام، صلوات ربي وسلامه عليه. إخواني في الله، هنا وفي هذه المحاضرة التي سمعتم بعنوانها «أسس دعوة النبي عليه الصلاة والسلام»، سأشير إلى أهم ركائزه وثوابت دعوته التي أقامها عليه الصلاة والسلام، وهذه المسألة التأمل والنظر في دعوته من المواضيع المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة، وذلك لعدة أمور. الأمر الأول أن من خلال النظر في مثل هذه المواضيع سيظهر لك جليا مدى اهتمامه عليه الصلاة والسلام بمقام الدعوة، إذ أنها شغلت حاله وشغلت باله، قضى عمره عليه الصلاة والسلام داعيا، دعا بكل شيء، بأقواله، بأفعاله، بحركاته، بسكناته، بأحواله. وفي ذلك إخواني في الله عبرة لنا، عبرة لنا يا أهل الإسلام على وجه العموم، ويا أهل السنة على وجه الخصوص، في أن نجعل من حياته الدعوية نبراسا لنا، حتى نمضي على ما مضى عليه صلوات ربي وسلامه عليه. ثانيا، من خلال طرق هذا الموضوع ستعرف على أهم ركائز دعوته عليه الصلاة والسلام، والتي منها سنمضي قدما على ما سار عليه، وذلك بأن نتمثل بهذه الأسس وهذه الركائز ونجعلها نصب أعيننا، بأن نتحلى بها وأن نستميت عليها. فلا تظن يا عبد الله أن ما مضى من دعوته انتهى كما يزعم بعض الإسلاميين، حينما رأوا أن دعوته عليه الصلاة والسلام إنما كانت مرحلة زمنية انتهت وانقضت، ونحن الآن في زمن آخر، نفعل ما نشاء، لا، بل نحن نسير على ما سار عليه، لقول ربنا عز وجل على لسان رسوله «لأنذركم به ومن بلغ»، لأنذركم بهذا الوحي، لأنذركم بالذي جئت به يا أهل مكة ومن بلغ، ومن سيأتي كذلك يلزم بهذه النذارة، فنحن ملزمون بمنهاجه عليه الصلاة والسلام. ثالثا، من خلال طرق هذا الموضوع يا عبد الله ستتميز عندك الفوارق بين المتبع في دعوته لرسول الله عليه الصلاة والسلام وبين المخالف لها، يظهر لك نعم، نحن في زمن كثر فيه الأدعية، الكل يرفع راية الإسلام، حتى اضطرب الأمر على كثير من العامة، يقول ما درينا أنت من أهل السنة، وهذا من أهل السنة، وذاك من أهل السنة، وكلكم من أهل السنة. صحيح الرايات كثرت والدعاوى تزاحمت على الناس، فكيف نفرق وكيف نميز بهذه الأسس؟ انظر كيف كان نبينا عليه الصلاة والسلام، فمن خالفها اعلم أنه مخالف لدعوته عليه الصلاة والسلام، مخالف لدعوته عليه الصلاة والسلام. فالشاهد إخواني في الله أن من فوائد هذه المحاضرة مع معرفتنا لأسسه، التعرف لمخالفه عليه الصلاة والسلام. رابعا، من خلال هذه المحاضرة ستستمع يا عبد الله إلى شيء كثير من أحواله ومن أفعاله ومن أقواله، لأننا نتكلم عن حياته عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، شروعا في هذا الموضوع، نبدأ بأول أساس اعتنى به نبينا في دعوته، ألا وهو الحرص على العقيدة والتوحيد، هذا الأساس لا أقول هو الأساس الوحيد في دعوته، بل في دعوة كل نبي وكل رسول، سار على هذا الأساس كما قال سبحانه ﴿ولقد بعثنا في كل أمة أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. وما من نبي أرسله الله عز وجل إلا وطرق أبواب قومه قائلا «يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، توحيد، وعلى هذا سار نبينا عليه الصلاة والسلام، أخذ ردحا من الزمن وهو يعلم الناس العقيدة والتوحيد. الاهتمام بالعقيدة والتوحيد لعدة أمور، لست في مقام شرحها، وهي طويلة جدا، ولا يسع المقام للتفصيل فيها، لأن أمر العقيدة والتوحيد هو الذي لأجله أوجد الله الكائنات والمخلوقات، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال ابن عباس «أي ليوحدون». العقيدة والتوحيد هو أول ما يؤمر به العبد، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله، العقيدة والتوحيد هو شرط في قبول الأعمال، قالت عائشة «إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المساكين، أينفعه ذلك؟ قال لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، التوحيد به تقبل الأعمال. التوحيد يا عبد الله هو العاصم من الخلود في النيران، التوحيد يا عبد الله يعتبر من أعظم المكفرات، التوحيد الذي يعتبر من أعظم المثقلات للموازين يوم القيامة، التوحيد يا عبد الله به يعصم العبد في دمه وماله، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم». ولما جاء ذلك الرجل لنبينا عليه الصلاة والسلام ساره بسر، إذ سره كان يستأذنه في قتل رجل، فقال عليه الصلاة والسلام «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال الرجل بلى يا رسول الله، ولكن لا شهادة له، فقال عليه الصلاة والسلام أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم»، ما يختل الموحد ما يختل إلا بحقه، إذا فعل جريمة تستحق القتل يقتل، أما يسلب منه العصمة كما نرى من بعض الناس ممن ضيع دينه ودنياه، يقتل مسلما أو ينحر مسلما وهو يشهد «أشهد أن لا إله إلا الله»، وأنت تنحره عجيب. فلم يقل نبينا لأسامة «فقتلته بعدما أن قال لا إله إلا الله»، التوحيد له حرمة عظيمة، التوحيد يا عبد الله من أعظم فضائله وأسراره ودلائله أنه من أعظم أسباب الظفر والنصر، قال عليه الصلاة والسلام «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، فلاح في الدنيا وفي الآخرة. الشاهد إخواني في الله أن العقيدة والتوحيد سبب للتمكين، وانظروا في هذه الأزمان تجد أن حتى على مستوى الدول، الدولة التي تعطي للتوحيد حظا ونصيبا تزداد رفعا وظهورا، بينما الدول القائمة على الشركية تنهار ولو بعد حين، وتأمل في الواقع تعلم المقصود. إخواني في الله، لست أتحدث عن فضل العقيدة والتوحيد، لكن حسبي أن أبين أن مسألة العقيدة والتوحيد كانت من أعظم ركائز دعوته عليه الصلاة والسلام، أشير إلى ثلاث مؤشرات على وجه السرعة كيف أن العقيدة والتوحيد احتلت المنزلة الرفيعة في دعوته. أولا، باهتمامه باهتمام كما مضى من أول ما بدأ وانطلق في دعوته، العقيدة والتوحيد، جلس ثلاثة عشرة سنة في مكة يدعو إلى التوحيد، ومن قطع حتى وصل إلى الرمق الأخير من حياته وهو في النزع، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الموت كان يغطي وجهه بخميصة، فإذا اغتم بها كشفها قال وهو كذلك «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، تخيل المشهد إذا استطعت أن تتخيل هذا مما يتعلق بحرمة التوحيد وحرمته العقيدة. متى؟ في الرمق الأخير من حياته، ما أشد شيء مضجعه عليه الصلاة والسلام من هذا الباب، حريص حريص دائما من أول حياته إلى أن توفاه الله، ولهذا تجد العجب أن من الناس من يزعم أنه على منهج رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا يبالي بالتوحيد ولا يبالي بالعقيدة، بل ينفر عنها ويرى أن الحديث عن العقيدة والتوحيد يفرق الجماهير ويذهب الحشود. المؤشر الثاني على أهمية العقيدة والتوحيد في دعوته عليه الصلاة والسلام ما كان منه عليه الصلاة والسلام أنه كان يغضب أيما غضب إذا خدش هذا الباب ولو بأدنى خدش، مهما كانت الظروف، إلا التوحيد لا يمس، لنعبر بقصة خروج الصحابة إلى غزوة حنين، مروا على ذات أنواط شجرة سدرة الكفار يعتقدون فيها النفع والبركة، فقال قائلهم «يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، غضب عليه الصلاة والسلام قال «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، هذه دعوته. المؤشر الثالث من أهمية العقيدة والتوحيد في دعوته عليه الصلاة والسلام أنها ما تقبل التنازل مهما كانت المغريات مهما كانت المفاوضات والمساومات، العقيدة والتوحيد ليس عرضا للمساومة، حين قام الكفار وقالوا «يا محمد نعبد إلهك عاما وتعبد إلهنا عاما»، دبلوماسية في التدين، سنة عندك وسنة عندنا. لو كان شخص من بعض الحركيين له وافق، كما يفعلون في قبة البرلمان والديمقراطية إذا آلت إلينا الأمور فعلنا، لكن على حساب أنهم يتنازلون عن دينهم، عرض هذا على نبينا «تعبدوا نعبد إلهك عاما وتعبد إلهنا عاما»، فأنزل الله قوله جل في علاه «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد»، لا تنازل. الشاهد إخواني في الله أن هذا الأساس الأول الذي أقام عليه نبينا صلى الله عليه وسلم دعوته، الاهتمام بالعقيدة والتوحيد، الأساس الثاني الاهتمام بالسنة النبوية، تعظيم ما جاء به عليه الصلاة والسلام، هي من أوائل ما كان من جوانب اهتمامه عليه الصلاة والسلام في أن يعرف الناس بمقامه. وكان ذلك من أوائل ما دعا إليه الناس، عندما نزلت تلكم الآية الكريمة «وأنذر عشيرتك الأقربين»، صعد نبينا على الصفة وأخذ ينادي «يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني فلان ويا بني فلان»، فاجتمع الناس، فلما اجتمعوا قال «يا أيها الناس لو أخبرتكم أن خيلا ستغير عليكم، المصدقية أنتم؟ قالوا يا محمد ما جربنا عليك كذبا حاشاك أن تكذب، ما كان هذا من خلقك»، فقال عليه الصلاة والسلام «فإني نذير بين يدي عذاب شديد»، قال معه أبو لهب «وقال تبا لك لهذا جمعتنا»، ما الذي أراد نبينا من هذا التصريح؟ أراد أن يزرع أول لبنة في دعوته، الثقة به، أن يثقوا به. لو أخبرتكم أن خيلا ستغير عليكم، المصدقية أنتم، فإني نذير بين يدي عذاب شديد، هذا الذي أريده أنكم تثقوا به وتذعنوا لي، فإن فعلتم ذلك كفأكم الله، فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم من أوائل ما أراد أن يؤسسه في دعوة للناس أنهم يقوموا بتعظيمه، التعظيم الشرعي. ثم جاءت الأدلة الكثيرة بما ينبغي للأنام فعله لنبينا عليه الصلاة والسلام من محبته وجوبا، «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من طاعته»، كذلك وجوبا، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى «وإن الله أمر بطاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، وقارن طاعته بطاعته، وقارن مخالفته بمخالفته، كما أنه قارن بين اسمه واسمه»، فلا يذكر الله إلا وذكر معه عليه الصلاة والسلام. كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يدلك على عظيم منزلته صلوات ربي وسلامه عليه، بوجوب الطاعة، كذلك ما يكون من وجوب التحاكم إليه، «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر»، أي شيء يقع فيه الخلاف، عوده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام عند التنازع، مسائل اجتماعية، اقتصادية، سياسية، دعوية، مالية، يرجع إلى سنته عليه الصلاة والسلام، هذا هو مقتضى الإيمان. كذلك ما يكون من ضرورة الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، الشاهد إخواني في اللون الاقتداء به، طبعا مجال آخر، الاقتداء به في أخلاقه وآدابه، الاقتداء به في أفعاله وحركاته، الاقتداء به في شمائله، وكل ذلك أبواب واسعة، لست في مقام الإسهاب فيها. لكن يهمني في هذا المقام أن أبين كيف لمقام السنة أثر في ركيزة الدعوة إلى الله عز وجل، في باب الدعوة إلى الله عز وجل، السنة حاضرة، السنة حاضرة في دعوة عليه الصلاة، باعتبارها ركيزة من ذلكم أن ما من عمل لا يوافق السنة فهو مردود على وجه صاحبه، قال عليه الصلاة والسلام «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، كل فعل محدث مردود، عبادة، طاعة، طريقة. وحين دخل نبينا المسجد فرأى حبلا ممدودا، قال «ما هذا الحبل؟ قالوا يا رسول الله إنه حبل زينب تصلي الليل فإذا فترت تعلقت، قال حلوه وليصلي أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد»، وفي لفظة «فليقعد»، فما عندنا شيء من المحدثات، فلابد أن تكون الدعوة بعيدة من المحدثات. وبهذا تعلم يا عبد الله كثير من الجماعات تدعي أنها من دعوته، تسير على هديه، وغد مليئة بالمحدثات والبدع والخزعبلات، من طقوس وأذكار وأوراد ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، كيف هذا؟ هذا ليس من دعوته، بل نبينا كان يحارب البدع أيما محاربة. من صور ركيزة السنة في باب الدعوة إلى الله أنها معيار في تقويم الناس والأشخاص والأعيان، السنة معيار، تأمن لحديث الثلاثة الذي قال أحدهم «ذاك وقال الآخر الذاك»، فبلغ نبينا هذه الأخبار، فصعد وناد وجمع الناس، ثم قال «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، أما إني أصوم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، هذه قاعدة «من رغب عن السنة فليس من رسول الله»، فمهما يا عبد الله تأتي إلى باب الدعوة تغير فيها، بيعة، سرية، إمارة، تأتي بهذه الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، ترغب عن السنة، أنت لست من دعوته، لا تتعب نفسك. «من رغب عن سنتي فليس مني»، هذه براءته عليه الصلاة والسلام لهؤلاء في الدنيا، أي من رغب عن السنة، وهكذا تأتي براءته يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي يكون على الحوض، فإذا بفئام من أمته يذادون، يمنعون، فينادي عليه الصلاة والسلام ربه قائلا «يا رب أمتي أمتي»، أي علامة يمنعون ويحجزون؟ فيقال له «يا محمد إنك ما تدري ما أحدث بعدك»، في رواية «إنهم غيروا وبدلوا»، قال «فأقول حينها سحقا سحقا سحقا لمن بدل وغير». ننتقل إخواني في الله إلى الركيزة الثالثة من ركائز دعوته عليه الصلاة والسلام، ما يكون من الإقبال على العمل الصالح، الإقبال على العمل الصالح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اهتم اهتماما عظيما بالأعمال منذ فجر الإسلام، والذي أعنيه بالأعمال الصالحة كل عمل يقربك إلى الله، من طاعات وعبادات ونوافل ومستحبات وقربات، وعلى رأسها الفرائض والواجبات. ومما يدخل في العمل الصالح ترك المحرمات، هذا العمل الصالح لعب دورا عظيما في دعوته عليه الصلاة والسلام منذ ظهوره، وهو حتى في مكة، جاء في الصحيح عندما قدم عمر بن عبسة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «من أنت؟ قال رسول الله من أنت؟ قال أنا نبي، قال وما نبي؟ قال أرسلني الله بأن يعبد الله وحده وبأن تكسر الأصنام، وأمرني بصلة الأرحام»، فقال «ومن معك؟» على هذا قال «معي عبد وحر». الشاهد من هذا أريد أن الأذهان تستحضر لهذا الموقف، قال نبينا «معي عبد وحر»، إذن أتحدث عن ماذا؟ أتحدث عن أوائل دعوته عليه الصلاة والسلام، وبماذا كان يدعو؟ يدعو إلى التوحيد وإلى العقيدة وإلى العمل الصالح وإلى صلة الأرحام، منذ فجر الإسلام عليه الصلاة والسلام. وحينا قام جعفر من أبي طالب وذهب إلى أرض الحبشة، وطلب من النجاشي أن يشرح ما هم عليه من دين، فقام جعفر بلسان عربي مبين وذكر أصول دعوته نبينا عليه الصلاة والسلام، أخبر أن «كنا في جاهلية وشر وكنا نعبد الأصنام ونأكل الميتة»، إلى أن «من الله علينا فبعث إلينا رجلا نعرف أصله ونسبه وصدقه وعفافه، فأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وبالعفة والعفاف وبإحسان الجوار»، هذا من؟ هذا جعفر ينقل عن من؟ ينقل عن دعوته عليه الصلاة والسلام. بالذي أتى به أوائل ما أتى به عليه الصلاة والسلام، الأعمال، أمرهم بالأعمال، أمرهم بصدق الحديث، أمرهم بأداء الأمانة، أمرهم بصلة الأرحام، أمرهم بما ينبغي أن يكونوا عليه من طاعة وعبادة، ومثله في رقة عندما استدعى أبا سفيان وسأله عن نبينا عليه الصلاة والسلام «كنه ما دعوته إلى ما يدعو إليه»، أخبره أبو سفيان لشدة انتشار خبره عليه الصلاة والسلام «وأنه كان يدعو ويأمرنا بالصلاة والزكاة وبالعفاف وبصدق الحديث»، طاعات يدعو إلى الفرائض يدعو إلى الوواجبات. وهذا كان في العهد المكي، في العهد المكي، فكانت الأعمال من أعظم أسس دعوته عليه الصلاة والسلام إلى أن وصل المدينة، إلى ما جاءت المدينة، جاءت الشرائع تنهمر على رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل حتى عندما دخل المدينة، لما دخل المدينة، فقط عندما دخل كما قال عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، عندما جاء رسول الله إلى المدينة «أقبل الناس وأخذوا يتحدثون أقبل رسول الله أقبل رسول الله»، قال «فاجتمع الخلق وكان ممن اجتمع فرأيته فما كان وجهه وجه كذاب». وكان أول ما سامعته يتحدث أن قال «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام»، أول ما قاله عندما دخل المدينة، الأعمال، الأعمال، لا حظ عظيم من دعوة عليه الصلاة والسلام، فلما دخل المدينة لم يحط رحاله إلا على موضع أمر بأن يكون مسجدا، القصة معروفة في قصة الهجرة. قال «دعوها دعوا الراحلة فإنها مأمورة»، تدور وتدور بين الدور حتى جاءت إلى مربد، قال «هذا المنزل لمن؟ لغلامين؟ اشتراه منهما ثم أمر بأن يبنى هاهنا مسجدا»، ما حط رحاله إلا على موضع يقام فيه مسجد، إشارة إلى أن هذا المجتمع لا قوام له إلا بالتعبد لله جل في علا. فالشاهد إخواني في الله من هذه المقدمة نعلم أهمية العمل الصالح، أهمية العمل الصالح في دعوة عليه الصلاة والسلام، ثم جاءت الأدلة الكثيرة المبينة عظيم العمل الصالح، وكيف أن العمل الصالح من أعظم الأسباب التي بها يدخل الأنام إلى الجنان، تلكم الجنة «أورثتموها بما كنتم تعملون»، العمل. وهكذا بالعمل الصالح يا عبد الله يغير الله عز وجل أحوال الناس، ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾، بالعمل الصالح يستجاب العبد على نفسه خيري الدنيا والآخرة، ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه حياة طيبة﴾. بالعمل الصالح يستدفع البلاء النازل من السماء، كما قال شيخ الإسلام «وما استدفع البلاء النازل من السماء إلا بالدعاء وبالعمل الصالح»، وبالعمل الصالح وهكذا أدل كثيرة تدل على العمل الصالح. الشاهد إخواني في الله أن النبي جعل هذا العمل الصالح من أسس دعوته، ذلك في عدة أمور، منها أنه جعلها على قائمة ما يدعو بها الدعاة، المدعوين مع التوحيد، حين أرسل نبينا معاذا إلى اليمن، قال «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله، فإنهم أطعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات»، الصلاة والزكاة إلى آخر الحديث، الأعمال. وقال عليه الصلاة والسلام «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان»، الحديث، الأعمال، فدل ذلك على أن الإنسان ينبغي أن يعلم أن دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد القيام بالتوحيد العمل. فإذا رأينا دعوة من الدعوات تفرط في الأعمال الصالحات، اعلم أنها بعيدة كل البعد عن دعوته صلوات ربي وسلامه عليه، من أسس أو من أثر الأعمال في دعوة عليه الصلاة والسلام أن من أسباب الثبات على الصراط إذا أردت أن الله يثبتك على هذا المنهج القويم وعلى الصراط المستقيم، عليك يا عبد الله بالعمل، أكثر من الأعمال، أكثر من الطاعات والعبادات. قال سبحانه ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا﴾، يثبتك الله عز وجل يثبتك الله عز وجل بالماذا؟ بأعمالك، تكون يا عبد الله على ثبات، وحينما قام ذاك الرجل قال «يا رسول الله إني أسألك مرافقتك في الجنة»، فقال «أعني على نفسك بكثرة السجود»، اعمل، اعمل، ليس الأمر دعاوى تريد الجنة عرضها السماوات والأرض، اعمل. كذلك بما نذكره من مؤشر العمل الصالح في دعوة عليه الصلاة والسلام، زيادة على ما ذكر، أنها من أعظم أسباب النجاة من الفتن، هذه الدعوة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام تمر بأزمات وإرهاصات، منها هنا ومنها هنا، فإذا أراد شخصا ما بأن الله عز وجل ينجيه من الفتن، فعليه بأن يكثر من الطاعة ومن العمل الصالح، تنجو تنجو يا عبد الله من فتن الشبهات من فتن الشهوات. والأحاديث كثيرة، كما في مسلم من حديث معقل بن يسار، قال عليه الصلاة والسلام «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، العبادة في الهرج، قال النووي «الهرج هاهنا هي أيام الفتن»، العبادة في أيام الفتن تثبتك على الطاعة وعلى الإسلام وعلى الخير. ننتقل إخواني في الله إلى الركيزة الرابعة، ألا وهي ركيزة العلم، الاهتمام بالعلم، هذه الركيزة من الركائز التي اعتنى بها نبينا صلى الله عليه وسلم كذلك عناية عظيمة، ويظهر ذلك أيضا في أوائل دعوته، متى؟ حين كان نبينا كما أسلفت في مقدمة الحديث أنه عاش بين قوم جهلا يعيشون حياة الغاب. يعيشون حياة الغاب القوي يأكل الضعيف، بينما كان نبينا على هذا الحال، حينها كان يعتزل الناس ويلتجئ إلى غار حراء يتحنث لله يتقرب إلى الله بما كان من شريعة إبراهيم، فبينما كان في الغار إذ نزل عليه الوحي، وكان هذا الوحي إيذانا من رب العباد على أن هذا الظلام الموجود سيبدده الله بهذا الوحي، هو نوره سبحانه وتعالى. يترى هذا الوحي بماذا نزل؟ نزل هذا الوحي بقوله سبحانه وتعالى ﴿اقرأ﴾، إشارة ودلالة على أن تبديد هذه الظلمات ليس من قومك بل عن البشرية جمعا، إنما يتأدى بالعلم بالعلم، أخذ نبينا صلى الله عليه وسلم هذه المهمة فانحدر ونزل إلى قومه معلما، يعلمهم حدود ما أنزل الله، يعلمهم الوحي بكل ما فيه عليه الصلاة والسلام. بل كان ذلك من أعظم صفاته «لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين»، يعلمهم، من أعظم ما أتى به نبينا، فلا زال نبينا يعلم أصحابه، فكان بفضل العلم وبفضل الوحي أن غير نبينا صلى الله عليه وسلم مجريات الأمور، بدءا بأصحابه الذين ضربوا في زمن قياسي زمن قياسي أروع الأمثلة في السيطرة على المدن والقرى والأقاليم والمدن. بالأمس كانوا رعاة غنم، فما بها إلا سنوات قلائل أصبحوا قادة أمم، رضي الله تعالى عنهم، بهذا العلم بهذا الوحي، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفي بهذا، وإنما أخذ يبعث يبعث بأصحابه يمنة ويسره إلى الأرياف وإلى القرى، يرسل هذا يعلمهم القرآن، يرسل هذا يعلمهم الإسلام، يرسل هذا يعلمهم ما يتعلق بدين الله. فأصبح العلم ينتشر، وكانت تأتيه الوفود يطلبون هذا، مما جاء إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وفد اليمن، وفد اليمن، فقالوا «يا رسول الله ابعث لنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام»، فبعث نبينا عليه الصلاة والسلام أبا عبيدة ابن الجراح، وهنا نكتة أو قل فائدة، حين أن طلب أهل اليمن هذا المطلب «ابعث لنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام»، السنة والإسلام. وبهذا نعلم أن دعوة أهل اليمن هي قائمة على السنة، وما نرى من هذه الدعوات التي جثمت على البلاد اليمنية شرقا وغربا شمالا وجنوبا، كالزيدية والحوثية والصوفية، هي في الحقيقة دعوات دخيلة، دخيلة، وإن كانوا هم بزعمهم «يا أبن قل لا هذا ديننا»، وإذا رأوا دعوة السنة قالوا «هؤلاء وهبية»، نحن على دين آبائنا وعلى دين أجدادنا، وكل يدعي وصلا بليلة من آبائكم من أجدادكم. يا عبد الله، نتحدث عن أسلافنا، ما أسلافنا إلا على السنة، ما كانوا إلا على السنة، «يا رسول الله ابعث لنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام»، السنة والإسلام، فهم تربوا منذ نعومة إسلامهم على السنة، ولهذا لا غرابة أن تجد أن دعوة السنة تنتشر انتشارا عظيما في اليمن لا نظير له، لا نظير له، مع زعم هؤلاء المزاعم، تجد أن هؤلاء دعوتهم تنحصر يوما بعد يوم، تتقهقر هنا وهنا وتنحصر، أما دعوة أهل السنة تنتشر لأن هي الأصل في هذه البلاد المباركة، هي الأصل، ما دينها إلا السنة. الشاهد إخواني في الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بالعلم اهتماما عظيما، حتى أنه كما قلنا يرسل الرسل ويبعث البعوث من أصحابه يعلمون الناس هنا وهنا دين الله، هذا من عنايته، وأيضا من عنايته عليه الصلاة والسلام أنه كان يعلم كل أحد، يعلم كل أحد، لم يكن تعليمه للرجال لا، بل كان تعليمه للصغار والكبار، حتى الصغار حديث ابن عباس حين قال «يا غلام يا غلام إني أعلمك»، التعليم يشق طريقه في كل الأجيال. حتى النساء، حتى النساء في زمنه، كما جاء في الحديث الصحيح أن النساء قلن «يا رسول الله قد غلبنا عليك الرجال قد غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا من نفسك يوما»، فكان نبيه يأتيهم ويعلمهم، هكذا كانت حاله في باب الدعوة، كان عليه الصلاة والسلام يبذل وقته في تعليم الناس، الصغار والكبار والذكور والإناث. العلم يا عبد الله في دعوة عليه الصلاة والسلام هي البداية وهي النهاية، البداية، كما قال سبحانه وتعالى ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين