الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 23، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع باب "من تبرك بشجر أو حجر" مبيناً أن التبرك بغير ما ثبتت بركته شرعاً أو حساً يعد شركاً، وأن التبرك بالأحجار والأشجار والقبور بدعة لا أصل لها. كما يوضح أن استلام الحجر الأسود وتقبيله تعبد محض اقتداء بالنبي ﷺ لا لبركة ذاتية فيه.
يبين المقطع أن التبرك بالنبي ﷺ ذاتاً أو أثراً خاص به، وأن التبرك المشروع بعد موته يكون بالأفعال كقراءة القرآن، والأقوال ك مجالس العلم، والهيئات كبركة الطعام. يشدد على وجوب ثبوت التبرك بالشرع أو الحس، ومن تبرك بغير مشروع فهو غلو.
يفسر المقطع معاني أسماء الأصنام الثلاثة (اللات، العزى، مناة) التي عبدها مشركو مكة، ويبين ظلمهم في نسبة البنات لله مع كراهيتهم لها. يختم بتحذير من مشابهة عباد القبور اليوم للمشركين في التبرك بالأموات والأضرحة، معتبراً ذلك شركاً بالله.
يعلن المحاضر عن انتهاء الجلسة الحالية ويؤجل استكمال شرح الحديث إلى الدرس المقبل. لا يحتوي المقطع على محتوى علمي جديد بل يكتفي بالإعلان الإداري.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ المجدد، العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: "من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما". قوله: "باب من تبرك"، التبرك من التبرك، والتبرك المراد به البركة. والبركة عرفها العلماء بقولهم: هي كثرة الخير وثبوته. وثبوته يقال له البركة، ولذلك يسمى مجمع الماء بركة بكسر الباء. لماذا سمي بركة؟ لأن الماء يكثر فيه، صح؟ ويثبت، يبقى. فهناك فرق بين مجمع الماء وبين جريان الماء. جريان الماء يكون قليلاً، ويكون سرعان ما يذهب ويزول، بخلاف الماء المجتمع؛ فإنه يكثر ويثبت. فلذلك عرفوا البركة بكثرة الخير وثبوته: كثرة الخير وثبوته. وقوله: "بشجر أو حجر ونحوهما"، يعني أن ذلك من أعمال المشركين، ومن الشرك. وهذا الباب مهم جدًا، لماذا؟ لأن فيه أنه لا يتعلق بشيء لم تثبت في حقه البركة لا بشرع ولا بحس، فلا يتعلق إلا بما ثبتت بركته. لا يتعلق بشيء إلا بما ثبتت بركته. فقوله: "من تبرك بشجر أو حجر"، أي لا يشرع التبرك بشيء من الأشجار والأحجار. ونحوهما يشمل ذلك القباب والقبور والمشاهد. بل ذكر العلماء حتى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، أو حجرة النبي عليه الصلاة والسلام، لا يتبرك بها؛ لأنه لم يرد الدليل على ذلك. كذلك صخرة بيت المقدس لا يتبرك بها، لا يثبت ذلك. بل حتى الحجر الأسود والركن اليماني لا يتبرك به. وما جاء في تقبيله أو في استلامه فهذا تعبد محض. ولذلك يقول عمر رضي الله عنه وهو يخاطب الحجر: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". ما قبلتك الحجر؛ لا يستلم لأنه مبارك كما يظن بعض العوام، وإنما يستلم تعبدًا لله عز وجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ولا يتبرك بجدران الكعبة من باب أولى، من باب أولى. وهكذا الصالحون، الصالحون لا يتبرك بذواتهم، ولا يتبرك بشيء من أجزائهم، وإنما يتبرك بعلمهم ودعائهم ومجالستهم. ومجالستهم فيها بركة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. فالمؤمن، لا سيما العالم، مبارك. لكن هل مبارك في ثيابه؟ في بزاقه؟ في عرقه؟ لا. قد يقول قائل: النبي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يتبركون بشعره، وبريقه، وكذلك عرقه، وآثاره، وثيابه. فيقال لهم: هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. قد يقول قائل منهم: كيف خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ أليس من اقتدى به وسار على نهجه يكون مثله؟ فيقال لهم: من أفضل من اقتدى به عليه الصلاة والسلام؟ الصحابة، صح؟ وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. فهل جاء عن الصحابة التبرك بغير النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل جاء أنهم كانوا يتبركون بعرق أبي بكر، أو بريقه، أو بثيابه، أو بشعره؟ هل ورد ذلك؟ ما ورد ذلك. يدل ذلك على المنع، أن التبرك بذات النبي عليه الصلاة والسلام، أو بمن فصل من جسده الطاهر الشريف، فهذا خاص به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا يجرنا إلى مسألة، وهي أن التبرك له أنواع وأصناف كثيرة. فقد يكون التبرك بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بالأفعال، أو بالأقوال، أو بالهيئات. الأفعال: مثل قراءة القرآن. القرآن مبارك بنص القرآن، قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: 29]. فأثبت الله عز وجل له البركة بالشرع. كيف مبارك القرآن؟ هل معنى مبارك تمسح عليه أو تقبله؟ لا. بركة القرآن من عدة أوجه: أولاً، بكثرة ثواب تاليه وقارئه؛ فإنه يثاب ثوابًا عظيمًا، كما جاء في حديث ابن مسعود عند الترمذي: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». هذه بركة من بركة القرآن. أنه يشفع لأصحابه: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه». من بركة القرآن أنه شفاء لمن باشره وقرأه، قال الله عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]. فإذا هذه هي بركة القرآن، واضح. كذلك من الأقوال: بركة العلم والذكر. أيضًا هذه بركة، فالعلماء جعلهم الله عز وجل مباركين بما يستفيد منهم الجالس لهم، يستفيد منهم. فالعلم بركة، في أيضًا كثرة الثواب. قال عليه الصلاة والسلام في فضل بركة مجالس العلم: «ما من قوم يجتمعون في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». هذه بركة مجالس العلم، مباركة. قال عليه الصلاة والسلام: «يقال في آخر المجلس: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. قوموا مغفورًا لكم». يقال لهم: «قوموا مغفورًا لكم». فيقال: يا رب، فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. فيقال: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». هذا من البركة. البركة في الهيئات: هيئة الطعام، وأيضًا آخر الطعام؛ فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة. وهكذا البركة في أشياء كثيرة ثبتت. فإذن لا بد في مسألة التبرك أن يكون ثابتًا بالشرع، أو كذلك ثابتًا بالحس. ويراد بالحس: يعني كمجالس العلم، وكذلك الاستفادة من العالم، هذا شيء محسوس أنه بركة. فمن تبرك بشيء غير مشروع، فهذا من الغلو. هذا يعد من ماذا؟ من الغلو. ثم قال: وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 19-23]. معنى الآية: هذه الآية جاءت في سورة النجم، بعدما ذكر الله عز وجل ما أنعم به على نبيه في الإسراء والمعراج من اطلاع النبي عليه الصلاة والسلام على آيات عظيمة، وصف الله عز وجل بأنها كبرى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: 18]. ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، أيهما أعظم وأجل؟ ما رأى النبي عليه الصلاة والسلام من آيات ربه الكبرى، أم هذه التي تعبدونها؟ اللات: اللات هو صنم يعبده أهل مكة المشركون. وجاءت قراءتان في اللات: بالتخفيف، وهي قراءة الجمهور، وبتضعيف التاء، يعني تشديد التاء: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾، على قراءة ابن عباس، فيكون على التشديد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾، اسم فاعل من "لَتَ يَلُت". "لَتَ السويق" معناه: فته. والسويق هو طعام يصنع للحجاج، كان يصنعه هذا الرجل. فلما مات، عكفوا على قبره، فجعلوا هذا الصنم لهذا الرجل الذي كان يلت السويق للحجاج، فيطعم الحجاج. فعظموا هذا الرجل لصلاحه. وهذا على قراءة التضعيف: "اللات" من "لَتَ يَلُت"، فهو "لات" على وزن "فاعل"، واضح. وعلى قراءة التخفيف: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، يعني صنم سموه باللات. قال العلماء: مشتق من الإله، أو من لفظ الجلالة "الله". لفظ الجلالة "الله"، فشقوا له هذا الاسم. ولذلك قال عز وجل في آخر هذه الآيات: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ﴾، سميتم هذا باللات اشتقاقًا من الإله ومن الله. ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾، يعني من برهان. هذا هو اللات. والعزة: كذلك آلهة كان يعبدها المشركون أهل مكة. قيل: اشتقوها من "العزيز"، العزة من العزيز. وأما مناة: فهي كذلك آلهة يعبدها المشركون. قيل: مشتقًا من "المنان"، من المنان. وقيل: مناة من كثرة ما يمنى عندها، يعني يذبح عندها من الذبائح. ولذلك سميت "مناة" لأن الحجاج ينسكون أو يذبحون نسكهم فيها، لكثرة النسك فيها والذبح فيها سميت "مناة" من كثرة ما يمنى فيها من الذبائح. وهكذا هذه الآلهة سميت "مناة" لكثرة ما يذبح عندها من القربان، من القربان. هذا معنى الآية: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى﴾، يعني أن المشركين جعلوا لله البنات، جعلوا لله البنات، وصفوه بأن الله عز وجل له البنات، وهم استنكفوا واستكبروا أن يلد لهم البنات. فإذا بشر أحدهم بالأنثى، ظل وجهه مسودًا وهو كظيم. فلم يرضوا الإناث لأنفسهم، ووصفوا الله عز وجل بهم. وهذا من الظلم. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، يعني قسمة جائرة ظالمة. هذا معنى "قسمة ضيزى". ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾، يعني هذه الآلهة أسماء من تلقاء أنفسكم، ما أمركم الله بذلك، لأنها من الشرك. هذا هو معنى هذه الآيات. وجه الشاهد منها: وجه الشاهد من هذه الآيات أن المشركين اتخذوا هذه الآلهة يتبركون بها، ويدعونها من دون الله، ويتقربون إليها بالقرابين، ويذبحون لها، وإلى غير ذلك. فهذا مما أنكر الله عز وجل عليهم ذلك. فما أشبه الليلة بالبارحة! فهؤلاء عباد القبور يتبركون بقبورهم، ويتمسحون بها، ويأخذون أتربة الموتى، ربما أخذوها في قوارير، مثل ما يفعل الرافضة، وكذلك الصوفية في بعض البلاد. وهكذا يجعلون الخرق على التوابيت، هؤلاء المقبورين، ثم يقطعونها ويتبركون بها، يتبركون بهذه الخرق، ويتمسحون بهذه الخرق. فهذا كله من التبرك المحرم الذي هو من الشرك بالله عز وجل، إذ أثبتوا النفع أو الضر في شيء لم يثبته الله سبحانه وتعالى، فيعتقدون أن هذه المسحة، أو تلك القبلة للصنم، أو للقبر، أو للضريح، أو للخرقة، سبب لشفاء، أو سبب لجلب نفع، أو إلى غير ذلك. فهذا من الشرك، وهو شبيه بتبرك المشركين باللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآيات في هذا الباب. والحديث، إن شاء الله، نتكلم عليه في الدرس القادم. إلى هنا، والله إذا أعتقد أن المسحة سبب لك...