الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 389، ألقاها
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند الصباح "اللهم بك أصبحنا" وتفصيل معانيه وأهمية ذكر الله صباحاً. يُظهر أهمية التوكل على الله في بداية اليوم.
ذكر أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح والمساء مثل "اللهم إني أسألك العافية" وشرح أهميتها في طلب العافية والحماية من الله.
شرح معنى العافية في الدين والدنيا والأهل والمال، وتوضيح شمولها للسلامة من الشرور وستر العورات والحفظ من المخاوف.
التعوذ بعظمة الله من الهلاك المفاجئ مثل الزلازل، وأهمية قول الأدعية المباركة والكلمات الطيبة الجامعة والنافعة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد بن عبد الله، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله: باب ما يقول إذا أصبح. قال حدثنا معلى، قال حدثنا أبو هيد، قال حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: «اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور». وإذا أمسى قال: «اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك المصير». هذا الباب «باب ما يقول إذا أصبح» يعني إذا أصبح الإنسان في الصباح، فما الذي يقوله؟ وهناك أذكار وأدعية كان النبي عليه الصلاة والسلام يقولها إذا أصبح، وبعض هذه الأذكار كذلك تقال في الصباح وتقال في المساء، وإن كان المؤلف رحمه الله قد جعل أيضا بابا بعد هذا «ما يقول إذا أمسى». وبعض هذه الأدعية مشتركة تقال في الصباح وتقال في المساء، يعني بصيغة مغيرة، وبعضها خاصة في الصباح. وقوله: «إذا أصبح» يعني إذا دخل عليه الصبح، ودخول الصبح بدخول الفجر. فيكون ذكر هذا الدعاء وما كان مثله مما يقال في الصباح يشرع قوله بعد طلوع الفجر. قال: ذكر أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح -يعني في الصباح- قال: «اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور». «اللهم» أصلها «يا الله»، هو نداء لله سبحانه وتعالى، فحذف حرف النداء وعوض عنها بالميم، فصارت «اللهم». «اللهم بك أصبحنا» يعني بعونك وتوفيقك وتيسيرك أصبحنا، ولولا عونك ولولا توفيقك ولولا تيسيرك لما أصبحنا. فإن الإنسان ربما ينام ثم لا يصبح، كم من إنسان ربما يموت وهو في حال النوم، يقبض الله عز وجل روحه وهو نائم، فلا يأتيه الصباح إلا وقد انتقلت روحه من جسده وفارق الحياة. فأنت إذا أصبعت تذكر هذه النعمة، أن إصباحك إنما هو بتوفيق الله سبحانه وتعالى لك. «اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا» كذلك أيضا دخول المساء هو بعونك وتيسيرك وتوفيقك، فأنت الذي أطلت أعمارنا، وأنت الذي يسرت لنا أمورنا. «وبك نحيا وبك نموت»، نعم «بك نحيا» أي بعد النوم، لأن النوم هو موت صغرى، والله عز وجل سمى النوم وفاة: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. فالنوم يعتبر موتا صغرى، ولهذا كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول إذا أصبح: «اللهم الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا». والمراد بالموت هنا النوم. فكونك تصبح وتحيا من نومك هذا من توفيق الله سبحانه وتعالى لك. «وبك نحيا» بعونك وتيسيرك، وكما سمعنا أن الإنسان ربما ينام فتكون هذه ماذا؟ النوم الأخيرة له في الدنيا، فلا يستيقظ بعدها. فالذي يعينك على الاستيقاظ والحياة بعد النوم هو الله سبحانه وتعالى. «وبك نموت» كذلك أيضا الذي يميتك والذي يقبض روحك، والله سبحانه وتعالى، فالأمر بيده جل وعلا، فالإحياء والإماتة بيد الله سبحانه وتعالى، وهو يحيي ويميت. قال: «وإليك النشور»، يعني المرجع والمآل والرجوع. «النشور» يعني البعث بعد الموت، فالبعث بعد الموت إلى الله سبحانه وتعالى. فالإنسان في هذه الدنيا يعيش ما كتب الله له، ثم يموت فينتقل إلى الحياة البرزخية، ثم يبعث يوم القيامة وينشر، يبعث إلى ربه سبحانه وتعالى فيجازيه على أعماله. وقال: «وإذا أمسى قال: اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيا، وبك نموت»، بدل «بك أصبحنا» يقول في المساء: «اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك المصير». بدل «وإليك النشور» يقول: «وإليك المصير»، «المصير» يعني المرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وهنا في أذكار المساء يقول: «وإليك المصير»، «المصير» لأنه سينام، والنوم كما سمعنا هي موتة صغرى، فناسب أن يقول في أذكار المساء «وإليك المصير» لأنه مقبل على النوم، والنوم فيه شبه بالموت. وفي الصباح يقول: «بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور»، يعني المرجع بعد الموت والإحياء بعد الإماتة، فإليك. فهذا ذكر من أذكار الصباح والمساء التي كان يقولها النبي عليه الصلاة والسلام ويواظب على قولها، فيحرص المسلم على أن يحافظ على هذا الدعاء الذي كان يدعو به عليه الصلاة والسلام في صباحه ومسائه. قال: وحدثنا محمد بن سلام، قال حدثنا وكيع، عن عبادة بن مسلم الفزاري، قال حدثني جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، قال: سمعت ابن عمر يقول: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات إذا أصبح وإذا أمسى: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن اغتال من تحتي». هذا الحديث كذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يدعو بها عليه الصلاة والسلام في الصباح والمساء. يقول ابن عمر: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات إذا أصبح وإذا أمسى، وهذا دليل على أنه كان يواظب على قولها ويحافظ على الإتيان بها في الصباح ومساء. «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة»، العافية هذا سؤال، سؤال العافية من الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، والعافية هي الوقاية والسلامة من كل شر وضر. فأنت تسأل الله عز وجل أن يعافيك في الدنيا وفي الآخرة، أن يقيك الشرور والمضرات في الدنيا من مصائب ومن فتن ومن حروب ومن مذل، ومن غير ذلك من الأمور التي قد يتضرر بها الإنسان في الدنيا، فأنت تسأل الله عز وجل السلامة منها. وفي الآخرة من أهوالها وشدائدها وعذابها عذاب الآخرة، فأنت تسأل الله عز وجل أن يعافيك وأن يسلمك. «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة»، كذلك أيضا العافية في الدنيا من الأسقام والأمراض والأوجاع التي ربما يبتلى بها بعض العباد، فأنت تسأل الله عز وجل العافية. «اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي»، والإنسان إذا أعطي العافية أعطي خيرا عظيما وكنزا كبيرا، العافية كنز عظيم ونعمة عظيمة أن تكون في عافية في نفسك وفي دينك وفي دنياك وفي أهلك وفي مالك، فهذه نعمة عظيمة لا يستهين بها الإنسان. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك العفو والعافية»، العفو بمعنى مغفرة الذنوب وستر السيئات والتجاوز عن ما يحصل للإنسان من أفوات، فأنت تسأل الله عز وجل أن يعفو عنك وأن يغفر لك وأن يكفر عنك سيئاتك. «والعافية» كما سمعنا السلامة والوقاية من كل شر «في ديني ودنياي وأهلي ومالي»، يعني أن تكون معافى في دينك فلا تبتلى فيه أو تفتن عنه أو تصد عن تمسك به، وهكذا أيضا في دنياك وفي أهلك ومالك، أن الله عز وجل يعافيك فيهم فلا يبتليك بهم بشيء من البلايا والفتن والمحن. «اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي»، «ستر عوراتي» عوراتي جمع عورة، والعورة كل ما يكره الإنسان كشفه وظهوره، فهو عورة. فأنت تسأل الله عز وجل أن يستر عوراتك، أن يستر عوراتك سواء كانت حسية أو كانت معنوية. العورات المعنوية ما يحصل للإنسان من زلل وخطأ وعيوب وسقطات، لأنه بشر معرض لذلك، فأنت تسأل الله عز وجل أن يستر أن يسترك في ذلك. ويستر ما قد يحصل منك من ذلك، أو كذلك العورات الحسية كالعورة التي أمر الشرع بسترها، فعورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة. كذلك أيضا من عوراتك محارمك ونساؤك وهن عورة، والمرأة كلها عورة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت تسأل الله عز وجل أن يستر هذه العورات ألا تكشف، بل تكون مستورة متحفظة متسترة بما أمر الله عز وجل بالتستر به من لزوم الحجاب الشرعي وتحفظ بذلك وعدم كشف شيء من ذلك. فأنت تسأل الله عز وجل ذلك. «وآمن روعاتي»، «روعاتي» جمع روعة، والروعة هي ما يخيفك، «آمن روعاتي» يعني أمني مما أخاف، أمني مما يخيفني، والذي يخيف الإنسان يعني ما قد يحصل من حروب وسفك للدماء واعتداء على الأعراض، أو اعتداء عدو أو غير ذلك من الأمور التي تخيف الإنسان. فأنت تسأل الله عز وجل أن يؤمنك لأن الأمان بيد الله، الأمن بيد الله سبحانه وتعالى كما قال الله عز وجل: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾، فالذي يؤمن الناس من الخوف هو الله سبحانه وتعالى، فأنت تسأل الله عز وجل أن يؤمنك من المخاوف أن يؤمنك من المخاوف، فلا يخيفك شيء وتبقى آمنا في سائر أحوالك في صباحك وفي مسائك. فأنت تسأل الله عز وجل في الصباح بهذا السؤال وتسأله في المساء بهذا السؤال، فتصبح وأنت آمن وتمسي وأنت آمن، فلا يخيفك شيء ولا يروعك شيء. قال: «اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن اغتال من تحتي». فأنت تسأل الله عز وجل الحفظ أن يحفظك من سائر جوانبك، من بين يديك يعني من أمامك، ومن خلفك من الخلف، وعن يمينك وعن شمالك، فأن تكون محفوظا بحفظ الله من سائر هذه الجوانب، سواء كان ذلك من أعداء الإنس أو الجن، من شياطين الجن أو شياطين الإنس، ألا يضروك ولا يصيبوك بسوء، وتكون في حفظ الله سبحانه وتعالى. والشيطان حريص على أن يضل بني آدم وأن يزيغه وأن يبعده عن الهدى والخير كما توعد بذلك، ما أخبر الله عز وجل: ﴿فلا أتي أنهم بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾، فأنت تسأل الله عز وجل أن يحفظك أن يحفظك من سائر هذه الجوانب، فلا يكون للشيطان مدخل يصل فيه إليك فيصيبك بسوء أو يوسوس لك أو يصدك عن هدى وعن خير، لأنك في حفظ الله سبحانه وتعالى. «وأعوذ بعظمتك أن اغتال من تحتي» يعني بما قد يقع من زلازل أو خسف أو نحو ذلك مما يحصل لبعض العباد من تعجيل العقوبة لهم بخسف أو بزلزال أو شيء من ذلك، مما يأخذهم من تحت أقدامهم، فيكون ذلك سببا في هلاكهم وموتهم. فهذا الحديث وهذا الذكر العظيم ينبغي أن نحرص على الإتيان به، فكما سمعنا فيه أدعية مباركة وكلمات طيبة وجامعة ونافعة، كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص على أن يقولها، فينبغي أن نحرص على قولها، أن نحرص على قولها. بارك الله فيكم.