الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 357، ألقاها
ناقش المقطع أحكام التعامل مع الكفار في الطريق وعدم البدء بالسلام عليهم وإلزامهم بالطريق الضيق، كما تطرق إلى تحريم التشبه بهم وآثاره على عزة الإسلام.
التشبه بالكفار يدل على ضعف الإيمان، بينما المسلم القوي لا يتشبه بهم لعزته بدينه، كما تطرق إلى جواز الدعاء للكافر بطول العمر وكثرة المال والولد.
يجوز الرد على دعاء الكافر إذا أحسن في الخطاب، كما يجوز الدعاء له بطول العمر وكثرة المال والولد، واستدل بآداب الدعاء للذمي في صحيح البخاري.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب يضطر أهل الكتاب في الطريق إلى أضيقها. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن سهيل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدأوهم بالسلام، واضطروهم إلى أضيقها». هذا الحديث صحيح. وقوله: «إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدأوهم بالسلام»، بهذا اللفظ، قال شيخ الألباني رحمه الله: شاذ، والمحفوظ: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه». هكذا هو عند الإمام مسلم. وإذا لقيتم المشركين في صحيحه، الشاهد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «واضطروهم إلى أضيقها». أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقي المسلم الكتابي -اليهودي أو النصراني- في طريق، فإنه يضطره إلى أضيقها. ومعناه كما قال القرطبي رحمه الله: لا تتنحوا لهم في الطريق، يعني لا توسع له الطريق وتترك له الطريق الأوسع والأفضل إكرامًا لهم، واحترامًا. هذا المعنى أنك لا تجعل له الطريق الأفضل والأحسن. وليس معناه أنك تضطره إلى أن تجعله في طرف الطريق، فهذا فيه شيء من الأذية، بغير سبب. وإنما المقصود كما قلنا: أنك لا تتنحى لهم في الطريق، لا تتنحى لهم في الطريق الضيق، إذا أنت تمشي في طريق ضيق، فامشي في محلك، لا تتوسع له؛ لأن هذا يكون من باب الإكرام والإحترام، وهذا لا يستحقه الكافر، وإنما يستحقه المسلم. والمراد من ذلك إظهار قوة المسلمين، وكذلك شرف الإسلام وأهله، وذلة الكفر وأهله، لأن مثل ذلك لا يقع إلا لعلو الإسلام وظهوره وقوته، وذلة الكفر وأهله. قال: باب كيف يدعو للذمي. قال: حدثنا سعيد بن تليد، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عاصم بن حكم، أنه سمع يحيى بن أبي عمر الشيباني، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، أنه مر برجل هيئته هيئة مسلم، فسلّم فرد عليه: «وعليك ورحمة الله وبركاته». فقال له الغلام: إنه نصراني. فقام عقبة فتبعه حتى أدركه، فقال: «إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين»، لكن أطال الله حياتك وأكثر مالك وولدك. وهذا الأثر حسنه العلامة الألباني رحمه الله. هذا الأثر كما سمعنا أن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه مر برجل هيئته هيئة مسلم. وهذه اللفظة تحتاج إلى وقفة. قوله: «هيئته هيئة مسلم»، هذا رجل نصراني، وفي ظاهره ومظهره أنه مسلم. ومعنى ذلك أنه يلبس لباس المسلمين ويتشبه بالمسلمين. وهذا في الحقيقة ما يكون إلا لعزة الإسلام وقوته، وهكذا أيضًا عزة أهله، حتى يتشبه الكافر بالمسلم. وإذا نظرنا إلى حال كثير من المسلمين إذا رأيتهم وهم يتشبهون بالكفار في لباسهم، وفي حلاقاتهم، وفي حركاتهم، وفي كلامهم، حتى كأنك ترى أمامك رجلًا كافرًا، ما تدري أهذا مسلم أو كافر، وهو يتشبه بالكفار. وهذا في الحقيقة لا يقع إلا بسبب الضعف والهوان. فمن كان قويًا فإنه لا يتشبه بمن خالفه. فالمسلم القوي ما يتشبه بالكافر لعلمه بعزة الإسلام وأهله، وأنه ينبغي أن يعتز بدينه الذي وفقه الله جل وعلا له، وأنه الدين الحق الذي يجب اعتناقه، ويجب التديّن به لله سبحانه وتعالى، والاعتزاز به، وهو لا يتنازل أن يتشبه بالكافر. لكن الضعيف الذي إيمانه ضعيف وإسلامه ضعيف، هذا الذي يتشبه بالكافر. فالتشبه لا يقع إلا بسبب الضعف. فالضعيف يتشبه بالقوي. فالمسلم الذي يتشبه بالكافر في الحقيقة هذا من ضعفه. والواجب على المسلم أن يعتز بدينه. فسلم فرد عليه: «وعليك ورحمة الله وبركاته»، لأنه ظن أنه مسلم، فرد عليه بسلام المسلمين. فقال: «وعليك ورحمة الله وبركاته». فقال له الغلام: إنه نصراني، يعني ليس بمسلم. فقام عقبة فتبعه حتى أدركه، أدرك هذا النصراني، فقال: «إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين»، يعني أنت لا تستحقها، الكافر لا يستحق الرحمة، لا يستحق رحمة الله ولا بركات الله، وإنما هذه للمؤمنين. قال: «إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين»، ومعنى ذلك أنه يقول: أنا رددت عليك لظني أنك مسلم، والمسلم يستحق رد السلام، وهو يستحق رحمة الله، فأراد أن يبين له أنه لا يستحق ذلك. لكن: «أطال الله حياتك وأكثر مالك وولدك»، يعني دعا له بدعاء آخر يناسبه، دعا له بطول العمر. لكن: «أطال الله حياتك وأكثر مالك وولدك»، أن يكثر الله له المال والولد، وذلك أن الكافر جنته الدنيا، ونعيمه في هذه الدنيا إن لم يسلم ويؤمن، فلذلك ناسب أن يدعو له بمثل هذا الدعاء الذي هو يتمتع به في هذه الحياة. وهذا فيه جواز الدعاء للكافر بطول الحياة وطول العمر. لكن: «أطال الله حياتك»، فإذا جاز ذلك للكافر، فجوازه للمسلم من باب أولى، أن تدعو لأخيك المسلم بطول العمر: «أطال الله عمرك، أطال الله حياتك، أطال الله بقاءك». وإن قيدته مع صلاح الأعمال، فهذا أفضل، تقول: «أطال الله حياتك أو بقاءك في طاعة الله وفي مرضاة الله»، هذا أمر حسن. وكذلك أيضًا الدعاء بكثرة المال والولد، وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام لأنس بن مالك رضي الله عنه حين سأله أن يدعو له، فدعا له أن يكثر الله عز وجل له ماله وولده. وأيضًا الدعاء بمثل هذا الدعاء بطول الحياة وكثرة المال والولد يجوز كذلك أن يدعى به للكافر عند التعزية، إذا عزيت كافرًا مات له قريب، فإنك تدعو له بمثل هذا الدعاء: «أطال الله حياتك، كثر الله مالك وولدك»، وهكذا نحو هذا الدعاء. وقد ورد عن بعض السلف كما ذكر ابن القيم رحمه الله في أحكام أهل الذمة. والشاهد من هذا الأثر هو قول عقبة رضي الله تعالى له: «لكن أطال الله حياتك وأكثر مالك وولدك»، على أنه يدعى بمثل هذا للذمي. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ضرار بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو قال لي فرعون: «بارك الله فيك»، قلت: «وفيك». وفرعون قد مات. هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: لو قال لي: «بارك الله فيك»، قلت: «وفيك». ومراده رضي الله تعالى عنه: أنك تجيب الكافر إذا دعا لك وأحسن في الخطاب، أن تحسن له في الجواب، ولو كان كافرًا، فلا يمنع ذلك من الإحسان إليه في الجواب إن أحسن الخطاب. وذكره لفرعون من باب التمثيل والمبالغة، ومن باب المبالغة في رد الجواب وإحسان الجواب للكافر. وإلى فرعون قد مات، كما قال، ولا يمكن رجوعه، لكن المقصود أنك تقول ذلك ولو كان الكافر. قالوا: عن حكيم بن ديلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم: «يرحمكم الله». فكان يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم». هذا الحديث صحيح. فيه أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي عليه الصلاة والسلام عمدًا، رجاء أن يقول لهم: «يرحمكم الله»، يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس المسلم فقال: «الحمد لله»، قال له: «يرحمك الله». فيأتون يتعاطسون عمدًا حتى يسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: «يرحمكم الله». وهذا فيه أن اليهود يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام نبيًا ورسولًا مرسل من عند الله جل وعلا، ولكن الحسد والبغضاء التي في قلوبهم هي التي منعتهم من الإسلام والإيمان به عليه الصلاة والسلام. وإلا لو كانوا على ما يعتقدون أنه ليس برسول وليس بنبي، فلماذا يريدون أن ينالوا دعاءه بالرحمة؟ لماذا يريدون أن ينالوا دعاءه بالرحمة إلا لعلمهم ويقينهم أنه رسول من عند الله؟ فكانوا يتعاطسون عند النبي عليه الصلاة والسلام رجاء أن يقول لهم: «يرحمكم الله». فعلم النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون، فكان يجيبهم بقوله: «يهديكم الله ويصلح بالكم». فكان يدعو لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهداية وصلاح الحال والبال، وهذا دعاء لهم بالتوفيق للهداية والإسلام. واستدل به الإمام البخاري رحمه الله في هذا الموضع في قوله: «باب كيف يدعو للذمي»، كأنه يقول: تدعو له بمثل هذا الدعاء بالهداية والصلاح: «يهديكم الله، أصلحك الله، وفقك الله للخير، هداك الله للحق»، ونحو ذلك من هذه الأدعية يدعى بها للكافر. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.