التعليقات على كتاب الأدب المفرد 326

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 326، ألقاها

مشروعية تقبيل الأبناء وتقديرهم

يشرح المقطع الأول جواز تقبيل الأبناء احتراما وتقديرا مستندا إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابنته فاطمة. هذا الفعل يعتبر من باب الإكرام والتقدير المتبادل بين الأب وابنته.

تفسير آية القتال وتقبيل اليد

يتناول المقطع الثاني تفسير آية تحريم الفرار من القتال واستثناءاتها، ويشرح معنى الحديث النبوي حول العكارون وتقبيل اليد. يُقيّم صحة الأحاديث والآثار الواردة في هذا السياق.

حكم تقبيل اليد والرجل

المقطعان الثالث والرابع يناقشان حكم تقبيل اليد والرجل، حيث يُعتبر تقبيل اليد جائزًا إذا كان من باب الاحترام والتقدير، بينما يُحرم إذا كان من باب التعظيم أو التكبر. كما يُنهى عن تقبيل الرجل لما فيه من معنى التعظيم أو السجود.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب الرجل يقبل ابنته. قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمر، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: ما رأيت أحدا كان أشبه حديثا وكلاما برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، ورحب بها، وقبلها، وأجلسها في مجلسه. وكان إذا دخل عليها قامت إليه، فأخذت بيده، فرحبت به، وقبلته، وأجلسته في مجلسها. فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه، فرحب بها، وقبلها. والحديث صحيح، وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه. هذا الحديث أراد أن يسدل به رحمه الله على ما بوّأ به في هذا الباب، باب الرجل يقبل ابنته، أن يجوز للأب أن يقبل ابنته من باب الاحترام والإكرام والتقدير. وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها، حين ذكرت ما كانت عليه فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام من شدة شبهها برسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامها وفي مشيها. وكانت إذا دخلت عليه - أي على النبي صلى الله عليه وسلم - قام إليها، فرحب بها، وقبلها، وأجلسها في مجلسه. وهكذا إذا دخل عليها قامت إليه، فرحبت به، وقبلته، وأجلسته في مجلسها. وهذا من باب الإكرام والتقدير والاحترام، إذا زار الرجل مثلا ابنته، فتقوم إليه، وتقبله، وتجلسه في مجلسها، وكذا العكس إذا أتت هي إليه، فكذلك يجوز له أن يقبلها وأن يجلسها في مجلسه إكراما وتقديرا. فوجه الاستدلاد من الحديث ظاهر من فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع فاطمة رضي الله عنها. قال: باب تقبيل اليد. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر، قال: كنا في غزوة، فحاص الناس حيصة - يعني رجعوا وفروا - قلنا: كيف نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا؟ فنزلت: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾ يعني في الاستثناء في تحريم الفرار، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ﴾ يعني لا يجوز للمسلم إذا حضر القتال أن يفر هاربا، هذا من كبائر الذنوب، إلا متحرفا لقتال، إذا كان هذا من باب التفنن في القتال أن يفر ويكر - يذهب يرجع - فيهرب ويرجع ويكر على العدو، هذا جائز. إلا متحرفا لقتال، أو متحيزا إلى فئة - يعني هربه وذهابه إلى فئة أخرى من المؤمنين الذين يقاتلون فيقاتل معهم - فهذا ليس عليه شيء. فقلنا: لا نقدم المدينة، فلا يرانا أحد. فقلنا: لو قدمنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر، فقلنا: نحن الفرارون. قال: «أنتم العكارون»، فقبلنا يده. قال: «أنا فئتكم». وهو معنى العكارون، أي الذين يكرون إلى الحرب، والذين يعطفون نحوها. وقوله: «أنا فئتكم»، يعني أنا الجماعة التي تتحرفون إليها وتتحيزون إليها. ومعنى هذا أنكم لستم ممن فر وترك القتال، بل أنتم ممن استثني ممن دخل في هذا الاستثناء: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ وأنا فئتكم، فأنتم تحيزتم إلي. وهذا الحديث ضعيف، فيزيد بن أبي زياد الهاشمي مولى ملك كوفي ضعيف، وعلى هذا فلم يصح هذا الحديث. قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا عطاف بن خالد، قال: حدثني عبد الرحمن بن رزين، قال: مررنا بالربذة، فقيل لنا: هاهنا سلمة بن الأكوع، وهو صحابي رضي الله تعالى عنه. فأتيناه، فسلمنا عليه، فأخرج يديه، فقال: بايعت بهاتين نبي الله صلى الله عليه وسلم. فأخرج كفا له ضخمة كأنها كف بعير - يعني من ضخامتها - فقمنا إليها، فقبلناها. وهذا الأثر حسنه العلامة الألباني رحمه الله. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا ابن عيينة، عن ابن جدعان، قال: قلت لأنس: أمسست النبي صلى الله عليه وسلم بيدك؟ قال: نعم، فقبلها. وهذا الأثر ضعيف، ابن جدعان هو علي بن جدعان ضعيف. وهذه الآثار أراد أن يسدل بها الإمام البخاري رحمه الله على جواز تقبيل اليد. وتقبيل اليد فيه تفصيل، إذا كان تقبيلها من باب الاحترام والتقدير للرجل الكبير أو العالم أو نحو ذلك، فيجوز. ويدل عليه هذا الأثر في تقبيل عبد الرحمن بن رزين ومن معه يدي سلمة بن الأكوع. وهكذا أيضا تقبيل زيد بن ثابت رضي الله عنه يدي ابن عباس، قال: وقال هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. لما أخذ بركاب ابن عباس، أخذ بركاب زيد بن ثابت، فقال زيد حين قبل يدي ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. وقال زيد: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما إذا كان تقبيل اليد من باب التعظيم والافتخار والتكبر على الناس، فهذا لا يجوز. كما يفعله المتصوفة من ينتسب إلى أهل البيت، تجده يستحقر الناس، ويريد من الناس أن يعظموه، فإذا صافحهم مد يده وجعلها معلقة رخوة قابلة للتقبيل هكذا، هذا لا شك أنه مخالف للشرع، مثل هذا لا يجوز. أما إذا كان من باب التقدير والاحترام، تقبل يده أو تقبل يد العالم، ليس من باب التعظيم، من باب الاحترام والتقدير ونحو ذلك، هذا جائز. لو ترك ذلك فهو أفضل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما فعله. لا يوجد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقبلون يده. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل يد أحد. ولهذا الإمام مالك رحمه الله كان يكره تقبيل اليد. الإمام مالك كان يقرأ تقبيل اليد، وبعض العلماء حمله على هذه الكراهة على ما كان على وجه التعظيم، ما كان على وجه التعظيم. قال: باب تقبيل الرجل. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق، قال: حدثتني امرأة من صباح عبد القيس، يقال لها أم أبان بنت الوازع، عن جدها، أن جدها الوازع بن عامر، قال: قدمنا، فقيل: ذاك رسول الله، فأخذنا بيديه ورجليه نقبلها. وهذا الأثر ضعيف، أم أبان هذه مجهولة. قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: حدثنا سفيان بن حبيب، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا عمر بن مرة، عن ذكوان، عن صهيب، قال: رأيت عليا يقبل يد العباس ورجليه. وصهيب مولى العباس لا يعرف، فهو مجهول. فكل الأثرين لا يصح. وتقبيل الرجل لا يجوز، تقبيل الرجل لا يجوز، فهو محرم، وإن كان فيه معنى التعظيم أو السجود، فهو شرك، لا يجوز مثل هذا الفعل. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على