شرح مختصر سيرة الرسول 78

شرح مختصر سيرة الرسول 78

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 78، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

كتابة الصلح والخلاف على البسملة

وصل سهيل بن عمرو للتفاوض فتفاءل النبي ﷺ باسمه، وأملى الصلح على علي بن أبي طالب فاعترض سهيل على البسملة وطلب كتابة «باسمك اللهم» فقبل النبي ﷺ ذلك حرصاً على الصلح ودفعاً للمفسدة الكبرى. أظهر هذا الموقف حكمة النبي ﷺ في تقديم المصلحة العامة على الشكل الظاهري.

مفاوضات الصلح وشروطه القاسية

أصر سهيل على كتابة «محمد بن عبد الله» بدلاً من إثبات النبوة، واشترط رد أي رجل يأتي من مكة حتى لو كان مسلماً، فلما جاء أبو جندل مقيداً طالب أبوه برده فامتثل النبي ﷺ رغم اعتراض الصحابة. ثبّت أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب على وجوب التسليم لوحي الله.

نتائج الصلح ونزول سورة الفتح

تردد الصحابة في النحر والحلق بعد الصلح حتى بادر النبي ﷺ بنفسه بمشورة أم سلمة فاقتدوا به، ونزلت آيات الممتحنات وسورة الفتح مبشرة بالفتح المبين. بين النبي ﷺ لعمر أن الصلح فتح لأنه أمن القتال ومكن لدين الله، ونزلت السكينة في قلوب المؤمنين.

ختام الدرس واستكمال الموضوع

أعلن المحاضر انتهاء الجزء الحالي من الدرس مؤكداً استكمال ما تبقى في درس قادم إن شاء الله، وختم بقوله: والله تعالى أعلم. يبقى الباب مفتوحاً لمتابعة التفاصيل اللاحقة في الجلسة القادمة.

  • 24 جمادى الأولى 1442هـ - 07/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ذكر أحداث صلح الحديبية، وقد ذكرنا بالأمس الرسل الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قريش. فأول رسول هو... من أول رسول جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يفاوض النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغ رسالة قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من هو؟ ما اسمه؟ نعم، بُدَيْل بن ورقاء. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يقوله قريش، وأنهم مقاتلوه وصادوه عن البيت. نعم، ثم بعده عروة بن مسعود. طيب، قال: فقال رجل من بني كنانة: «دعوني آته». ما إعراب «آته» عندك يا سيد؟ ما إعراب «آته»؟ فعل مضارع، فعل مضارع مرفوع، أو ماذا؟ مرفوع، علامة رفعه مقدرة عند من؟ نعم، مجزوم وليس مرفوع. وما الذي جزمه؟ جواب الطلب، مثل «قل تعالوا». والتقدير: حذف حرف العلة. أصل الفعل «آتيه»، «آتيه»، «آتيه». نعم، والتقدير: «دعوني فإن تدعوني آته» أو «فإن تدعو»... نعم، «فإن تدعوني آته». فقالوا: «ائته». فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا فلان»، يعني عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من قوم يعظمون البُدْن، والبُدْن يعني الجِمال. فابعثوها له، وهذا من باب استمالة قلبه وكذلك قبول الصلح. ففعلوا، واستقبله القوم يلبون لأنهم محرمون بالعمرة. فلما رأى ذلك قال: «سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت». ورجع إلى أصحابه فأخبرهم. وهذا فيه أن الشخص يتأثر بما رأى أكثر من تأثره بما سمع. فلما رأى أنهم لا يحملون سلاحاً وإنما هم محرمون وملبون، استغرب وتعجب: كيف يصد هؤلاء عن البيت وقد جاءوا بهذه الهيئة؟ قال: فبيناهم كذلك إذ جاء سهيل بن عمرو. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد سهل لكم من أمركم». واستدل العلماء بهذا على أن اسم الشخص قد يكون له حظ من تصرفاته وأخلاقه وأفعاله. فلما جاء سهيل، اسمه سهيل من السهولة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد سهل لكم من أمركم». فقد يكون للشخص من اسمه نصيب، فقد يكون للشخص من اسمه نصيب. فإذا سمي شخص مثلاً «سعد»، فقد يكون له حظ من اسمه فيكون إن شاء الله من أهل السعادة. هذا من باب التفاؤل، من باب التفاؤل. فقال أي سهيل بن عمرو: «هاتي، اكتب بيننا وبينك كتاباً». فدعا الكاتب، وهو علي بن أبي طالب. فقال: «اكتب»، يعني يكتب صلحاً بين المشركين والمسلمين. وهذا فيه توثيق للصلح، وأيضاً تحديد لبنوده حتى لا يتم الخلاف، فيكتب هذا الصلح ويرجع إليه عند الخلاف. فقال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». أي: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي في أول هذا الكتاب. وهذا فيه أن الصلح يبتدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: «أما الرحمن فما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم». لأن المشركين كانوا لا يؤمنون بـ «بسم الله الرحمن» كما في سورة الفرقان: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾. قال: «ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب». يعني: كما كنت تكتب لعله يريد قبل مبعثه، وكما يفعل أهله وعشيرته في الجاهلية، فكانوا يكتبون: «باسمك اللهم». فقال المسلمون: «والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم». فقال صلى الله عليه وسلم: «اكتب: باسمك اللهم». لأن النبي صلى الله عليه وسلم جنح إلى الصلح، وقال: «ما سألوني خطة إلا أعطيتهم إياها» أو بهذا المعنى. فالألفاظ لا تضر، لا تضر، فلا يكون هذا الأمر سبباً في بطلان الصلح. وهذا من الحكمة، ومن كذلك تقديم أو دفع أكبر المفسدتين لتحقيق أدناهما. قال: «والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم». فقال صلى الله عليه وسلم: «اكتب: باسمك اللهم». ثم قال: «اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال سهيل: «والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله». يعني: بدون إثبات الرسالة. فقال: «إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». يعني: إنما هي ألفاظ لا يعتقدها المسلمون، فهي كلمات تكتب في ورقة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». فقال سهيل: «والله لا تحدث العرب أننا أخذنا ضغطة». يعني: لا تتحدث العرب أن المسلمين ضغطوا على المشركين حتى طافوا بالبيت رغم أنوف أهل مكة، وأنوف المشركين أو قريش. حتى... حتى لا تتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة. «ولكن ذاك من العام المقبل». يعني: أرادوا أن يحققوا ما أرادوا في هذا العام حتى لا يؤنبوا، أو كذلك يتكلم عليهم من قبل العرب. فكتب... أي: أن هذا العام يرجع المسلمون ويأتون العام المقبل. فقال سهيل: «وعلى أن لا يأتيك رجل منا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا». أي رجل يأتي إليك من مكة فلا تقبله، وإن كان مؤمناً، وإنما ترده إلينا. فقال المسلمون: «سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟» يعني: هذا الشرط فيه إجحاف، وفيه غضاضة على المسلمين. قال: فبيناهم كذلك، ما زالوا يأخذون ويعطون في هذا الشرط، إذ جاء أبو جندل بن سهيل، وقد خرج من أسفل مكة يرسف في قيوده، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. يعني: هو مقيد بقيوده، كان مطهداً في مكة. فقال سهيل: «هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي». هذا أول ما يطبق به هذا الصلح وهذا البند، فترده إلينا. فقال... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نقضِ الكتاب بعد، أن ما كتبنا الكتاب وما اتفقنا عليه». فقال: «إذن والله لا أصالحك على شيء أبداً، خلاص، فاضطلنا من هذا الصلح إذا لم ترد هذا الرجل». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجزه لي». قال: «لا، هذا خلاص، قد جاء وقبل ما نكتب الصلح، فأذلنا فيه واجعله معنا». قال: «ما أنا بفاعل». قال أبو جندل: «يا معشر المسلمين، كيف أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما لقيت؟» يعني: نجا الله ووصلت إليكم، فكيف تردونني إلى المشركين؟ فماذا هم عاملون فيّ؟ قال: «وقد كان عُذِّب في الله عذاباً شديداً». قال عمر: وهذا فيه صبر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وشدة ما لقوه من أجل هذا الدين. قال عمر بن الخطاب: «والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ». يعني: لما رأى من شدة هذه الشروط عليهم. قال: «فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟» يعني: الذل والهوان، «ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟» فقال: «إني رسول الله وهو ناصري، ولست أعصيه». استدل العلماء بقوله عليه الصلاة والسلام: «ولست أعصيه»، على أن الله عز وجل أوحى إلى نبيه أن يصالح القوم، أن يصالح القوم، إما برؤية صادقة، وإما بإخبار جبريل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «قلت: ألست كنت تحدثنا؟» أي: عمر، لا يزال يراجع النبي صلى الله عليه وسلم في بنود هذا الصلح، ويقول: «ألست كنت تحدثنا أن نأتي البيت ونطوف به؟» قال: «بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟» يعني: أنك تأتي البيت وتطوف به هذا العام. ثم قال: «قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به»، أي: في العام المقبل. قال: «فأتيت أبا بكر فقلت له مثل ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليك ما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء». يعني: بمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم. وزاد أي: أبو بكر: «فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق». فعملت لذلك أعمالاً، يعني: علم خطأه رضي الله تعالى عنه، أي: عمر، فكان يكثر من الأعمال الصالحة لعل الله أن يغفر له ما صدر منه من مراجعة ومن معارضة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذلك لشدة حبه لرسول الله وللإسلام والمسلمين، فهو متأول في ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهذا من شدة غيرته، ومن شدة كذلك محبته لنصرة الإسلام والمسلمين. ولكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أوحي إليه أن الصلح خير. قال: قال: «فلما فرغ من قضية الكتاب»، يعني: تم الصلح على هذه الشروط، على هذه الشروط... والشروط. قال: «فلما... فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم حلقوا». قال: «فوالله ما قام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات». يعني: لما في قلوب الصحابة من هم وغم لشدة تلك الشروط على قلوبهم. هذا أمر، وأمر آخر: رجى الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يحدث أمر فينقض هذا الصلح ويعتمرون، فما أرادوا الاستعجال في ذلك. هكذا ذكر بعض أهل العلم عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وليس فعلهم ذلك معارضة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة لأمره، وإنما رجاء أن يغير الأمر، رجاء أن يغير الأمر وأن يعتمروا ويدخلوا مكة. قال: «فلما لم يقم منهم أحد، قام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه». وكان هذا باستشارة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها. قال: «فلما... فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة فلم يفعلوا، دخل عند أم سلمة فأخبرها الخبر، فأشارت إليه بذلك». أشارت إليه أن يخرج إلى الناس ولا يكلم أحداً، وأن ينحر بدنه، وأن يحلق رأسه، حتى يقطع الأمر على الصحابة، وأن الأمر قد تم، ولا هناك أي أمر آخر. قال: «فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً». يعني: من شدة الغم الذي لحق قلوبهم لشدة تلك الشروط. واستدل العلماء بهذا على أن الفعل أبلغ من القول. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا، فلما فعل فعلوا. فالفعل أبلغ من القول، فهو قول وزيادة. وهذا أمر مشاهد في الواقع، فإن الداعي إلى الله إذا تكلم بلسانه لربما ما يجد استجابة، ولا يجد كذلك عملاً بقوله، لكنه إذا عمل بما قال فإن الناس يتأثرون بالأفعال أكثر من تأثرهم بالأقوال، أكثر من تأثرهم بالأقوال. فالقدوة الحسنة لها أثر بالغ في قلوب الناس، وفي استجابة الناس. قال: «ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾» حتى بلغ: ﴿ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾. «فامتحنوهن» يعني: هل هن مسلمات أو ما زلن كافرات؟ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فلا يجوز لمسلم أن ينكح مشركة، أو أن تبقى في ذمته، أي: في عقده، مشركة. قال: «وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم أنزل الله سورة الفتح: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾» الآية. فقال عمر: «أوفتح هو يا رسول الله؟» قال: «نعم». ووجه كونه فتحاً: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أمن قتال المشركين، فهو تفرغ عليه الصلاة والسلام لغيرهم ممن لم يتصالح معهم من أهل الكفر ومن أهل النفاق، فكان في هذا مصلح عظيم، فقوي الإسلام وانتشر، وكذلك دخل كثير ممن هم حول المدينة في الإسلام، في الإسلام، فهو فتح وخير ومصلح للإسلام والمسلمين. قال الصحابة: «هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟» أي: إن الفتح خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك فتح للمؤمنين، لكن يريد الصحابة شيئاً خاصاً بهم. فأنزل الله: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ الآيتين، إلى قوله: ﴿ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. طيب، نكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.