الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 80، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
وصل النبي ﷺ بجيش المسلمين إلى خيبر فحاصرهم، وخرج مرحب للمبارزة فبارزه عامر بن الأكوع وقتل عامر بسيفه خطأ، فأقر النبي ﷺ له بأجرين ورد على من زعم حبط عمله، ثم وقف بالجيش ودعا بخير القرية وشرها وأمرهم بالتقدم باسم الله.
استمر الحصار نحو عشرين ليلة في حر شديد، وتقدم عبد أسود سأل النبي ﷺ عن الجنة إن قاتل فبشره بها، فقاتل حتى استشهد، فدعا له النبي ﷺ بحسن الوجه وطيب الريح وكثرة المال، وأخبر برؤية حور العين تتنازعان جبته.
حاصر النبي ﷺ اليهود في حصون الكتيبة والوطيح والسلالم حتى استسلموا على يد سلام بن أبي الحقيق، فصالحهم على حقن الدماء والخروج تاركين الأموال والأرض والسلاح، وأقرهم على العمل في الأرض بنصف الثمار، وقسم الغنائم على 3600 سهم.
بين المقطع أن الصحابة نالوا النصر لتمسكهم بالإيمان وإخلاصهم لله وجهادهم في سبيله واجتماعهم حول النبي ﷺ طائعين لأمر الله ورسوله، مقارناً ذلك بحال المسلمين اليوم من الفرقة والقتال.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، فلما تصافوا خرج مرحب يخطر بسيفه. ومعنى "أصابتنا مخمصة شديدة" يعني مجاعة شديدة، وذلك لطول الحصر أو الحصار. وقوله: "فلما تصافوا" أي أصبحوا صفوفاً صفوفاً، فالمسلمون في جهة واليهود في الجهة الأخرى. خرج مرحب وهو من اليهود يخطر بسيفه، يعني كأنه يدعو إلى المبارزة والمقاتلة، وينشد ويقول: "قد علمت خيبر أني مرحب، شاك السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب". يعني يمدح نفسه وأنه سيشهر السيف، "شاك السلاح" يعني شاهر السلاح ومظهرة، وأنه بطل وأنه مجرب، أي قد بارز من قبل فكانت الغلبة له، وذلك إذا الحروب أقبلت بنيرانها وشدتها. فنزل إليه عامر وهو يقول: "قد علمت خيبر أني عامر، شاك السلاح بطل مغامر". أي أنه مستعد على المبارزة والمقاتلة. قال: فاختلف ضربتين، يعني تبارز مرحب وعامر، فوقع سيف مرحب في ترس عامر فعضه، يعني كسر سنه، فذهب عامر يسفل له، أي يضربه من أسفله، وكان سيفه قصيراً فرجع إليه سيفه فأصاب ركبته فمات، أي السيف أصاب ركبة عامر رضي الله عنه فمات عامر. قال سلمة: فقلت، وعامر كما تقدم هو ابن الأكوع الذي كان يقول لهم: "لولا أنت مهتدين" إلى آخر ما ذكر، وسلمه هو ابن الأكوع. قال: قال سلمة: فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم: زعموا أن عامر حبط عمله. فقال: "كذب من قال ذلك، إن له أجرين"، وجمع بين إصبعيه: "إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله". وذكر المعلق أن هذا الحديث في صحيح البخاري في كتاب المغازي. "إنما الحرب سجال، يوم لك ويوم عليك". قال: ولما دنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قال: "قفوا"، فوقف الجيش. يعني دنى أي قرب، فوقف الجيش. فقال: "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الرياح وما أذرين، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله". قال الصحابة: تقدموا باسم الله. وهذا فيه أن المسلم في حال الشدة يجب أن يستعين بالله ويلجأ إلى الله، وكما تقدم معنا في غزوة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم بات ليلته وهو يدعو الله ويتضرع إليه ويرفع يديه ويبالغ في الدعاء حتى يسقط رداؤه، وهكذا في هذا الموضع أوقف عليه الصلاة والسلام الجيش. لماذا أوقفهم؟ حتى يتضرع إلى الله ويدعو الله عز وجل أن ينصره وأن يغنمه، ويدخل هذه القرية غانماً سالماً، ويعطيه ربه سبحانه وتعالى من خير هذه القرية، ويعوذه من شرها أو يعيذه من شرها. قال: فأسرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قريباً من عشرين ليلة، يعني حاصرهم، وكانت أرضاً وخمة شديدة الحر، فجهد المسلمون جهداً شديداً. يعني كانت أرضاً صعبة ووعرة ومناخها شديد الحرارة، فلا شك أن هذا يكون سبباً في تعب المسلمين، فجهد المسلمون أي تعب المسلمون تعبا شديداً، وكل ذلك نصرة لدين الله. فكيف لا يحب المسلم هؤلاء الصحابة وكيف لا يدعو لهم ويرضى عنهم، وهم الذين ناصروا رسول الله ودافعوا عن هذا الدين حتى وصل إلينا غضا طريا، وحتى علمنا هذا الدين وتعلمناه وأكرمنا الله عز وجل به، فقبح الله الروافض الذين ينالون من صحابة رسول الله ويرمونهم بكل قبيح. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، أي في الصحابة، فوعظهم وحضهم على الجهاد. وهذا فيه رفع لمعنوياتهم، وهذا من السياسة في الحرب وفي الجهاد، أن أمير الجيش قبل خوض المعركة يحفز المجاهدين ويرغبهم في الجهاد في سبيل الله، فيبين لهم فضل الجهاد وما يناله المجاهد عند الله سبحانه وتعالى من الأجر ومن الفضل ونحو ذلك. فهكذا النبي صلى الله عليه وسلم حضهم ووعظهم على الجهاد. قال: وكان فيهم عبد أسود، فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل، أدخل الجنة؟ يعني هل أدخل الجنة؟ قال: نعم. لأن هذا الدين لا ينظر إلى الأجساد ولا ينظر إلى الصور ولا إلى الأحساب والأنساب، وإنما ربنا سبحانه وتعالى ينظر إلى القلوب والأعمال. فمن كان قلبه سليماً نظيفاً قد ملئ بالإيمان واليقين والثقة بالله، فهذا هو ولي الله وهو أحب الناس إلى الله، وإن كان أسود اللون، وإن كان قبيح المنظر، وإن كان فقيراً معدماً. والعكس بالعكس: إن كان العبد نظيفاً جميلاً وسيماً أبيض، لكن قلبه أسود بالمعاصي والذنوب والكفر والشرك ونحو ذلك، فهذا من أبعد الناس إلى الله سبحانه وتعالى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. فتقدم هذا الرجل فقاتل حتى قتل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه: "أحسن الله وجهك، وطيب ريحك، وكثر مالك". ثم قال: "لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تتنازعان جبته عنه، وتدخلان فيما بين جلده وجبته". وهذا الحديث ذكره العلامة الألباني عليه رحمة الله في صحيح الترغيب، لكن ذكر زوجة واحدة: "رأيت زوجته من الحور العين"، فهو حديث إن شاء الله صحيح. قال: فافتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها، يعني فتحت خيبر، ودخل المسلمون إليها، وأذل الله عز وجل أهل خيبر. قال: ثم تحول إلى الكتيبة والوطيح والسلالم، فإن خيبر كان جانبين: الأول الشق والنطاة الذي فُتح أولاً، والثاني ما ذكرنا. يعني أن خيبر عبارة عن عدة مواقع، فمن هذه المواقع الشق والنطاة، وهذا أول ما افتتحه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: "فافتتح رسول الله سلم بعضها"، فيريد ببعضها الشق والنطاة، ثم افتتح المواقع الأخرى في الشق الآخر والجانب الآخر، وهي الكتيبة والوطيح والسلالم. هذا المعنى. قال: فحاصرهم حتى إذا أيقنوا بالهلكة، أي أن صلى الله عليه وسلم حاصر اليهود وقد دخل إلى قرب حصونهم حتى أيقنوا بالهلكة، لا يستطيعون الخروج ولا يستطيعون الصمود في مواقعهم، فأيقنوا بالهلكة، سألوه الصلح، يعني استسلموا على أن يتم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم الصلح. ونزل إليه سلام بن أبي الحقيق، وهو مر معنا لو تذكرون في معاهدة أهل مكة لليهود، فهو من سادات اليهود، سلام بن أبي الحقيق. قال: فصالحهم على حقن الدماء، أي أنه لا يقتلهم، وعلى الذرية ويخرجون من خيبر، يعني يأخذون ذريتهم ويخرجون من خيبر، ويخلون ما كان لهم من مال وأرض. وعلى الصفراء والبيضاء والحلقة، يعني يتركون كل أموالهم، كل أموالهم يعني يتركون كل أموالهم ويخرجون فقط بثيابهم، فيخلون كل ما لهم من مال، من أشجار، من أراضي، بل ومن أموال: الصفراء المراد بها الذهب، والبيضاء المراد بها الفضة، والحلقة المراد بها الدروع، دروع الحرب، دروع الحرب يعني أدوات الحرب. يخرجون هكذا فقط بثيابهم دون أن يأخذوا شيئاً من أملاكهم لثابت كالأراضي والأشجار والنخيل ونحو ذلك، ولا كذلك المنفصلة كالذهب والفضة ودروع الحرب، إلا ثوباً على ظهر إنسان، يخرج بثوبه فقط. فلما أراد أن يجليهم، أوشكوا على الخروج، قالوا: نحن أعلم بهذه الأرض منكم، أن سنخرج وأنتم ستقومون بهذه الأرض، ونحن نعلم بهذه الأرض، فدعنا نكون فيها، يعني على أن يعملوا للمسلمين. فأعطاهم إياها على شطر ما يخرج من ثمرها وزرعها، يعني يعملون فيها مقابل عملهم يأخذون نصف ما يخرج منها، والنصف الآخر يرجع للمسلمين. قال: ثم قسمها، أي هذه الثروة وهذه الأموال التي أخذها من اليهود، ثم قسمها على ستة وثلاثين سهماً، كل سهم مئة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، نصفها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينزل به من أمور المسلمين، والنصف الآخر قسمة بين المسلمين. هذه خلاصة غزوة، غزوة خيبر. فأعز الله أهل الإسلام، وأذل أهل الكفر والشرك وهم اليهود. وهذا فيه أنه لا عز للمسلمين ولا نصر على اليهود إلا بالرجوع إلى الله والتمسك بهذا الدين. فلماذا انتصر المسلمون على اليهود وأذلوهم؟ لأنهم تمسكوا بدينهم وأخلصوا لله وجاهدوا في سبيل الله، ما كانوا فرقاً وأحزاباً، وما كانوا جماعات وطوائف، وما كانوا متقاتلين متناحرين فيما بينهم كما هو حال المسلمين اليوم، وما كانوا متمردين على شرع الله ودينه، بل كانوا حول رسولنا صلى الله عليه وسلم طائعين مستسلمين منقادين لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فلذلك نصرهم الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى نكتفي بهذا.