الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 81، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
في سنة خيبر قدم جعفر بن أبي طالب ومهاجرو الحبشة، وانضم إليهم أبو موسى الأشعري، فدار جدل بين أسماء بنت عميس وعمر بن الخطاب حول أحقية سبق الهجرة. كان التنافس على الأجر لا على الفخر، مما يعكس حرص الصحابة على مراتب العمل الصالح.
حكم النبي بأن لأهل مكة هجرة واحدة ولأهل السفينتين هجرتين، ففرح المهاجرون بذلك فرحاً عظيماً. كما يروي المقطع مقتل مدعم في وادي القرى وتحذير النبي من الغلول في الغنائم.
حذر النبي من أخذ المال العام بغير حق مبيناً أن إثم ذلك أعظم من أخذ مال الفرد، وقسم غنائم خيبر المنقولة وأبقى الأرض والنخل بأيدي اليهود عاملين فيها. بعد الفتح توقع المسلمون الشبع من التمر لكثرة نخيل خيبر التي صارت ملكاً لهم مع اليهود العاملين فيها.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: قدوم جعفر بن أبي طالب وصحبه من الحبشة. والمؤلف سلك في كتابه هذا سرد الأحداث على حسب التاريخ. فلما كان قدوم جعفر رضي الله عنه في هذه السنة، ومع خيبر ذكر هذا الحدث، قال: وفي هذه الغزوة -أي غزوة خيبر- قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون، أبو موسى من أهل اليمن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسيأتي سبب إتيانه مع جعفر. قال أبو موسى: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندكم، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوتي لي في بضع وخمسين رجلاً من قومي -يعني هو واثنان من إخوانه من النسب، وبضع وخمسون رجلاً من قومه، والبضع من الثلاثة إلى التسعة-. قال: فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي. هم أرادوا المدينة، لكن لعدم تيسير ذلك الأمر ركبوا في سفينة فألقتهم وأخرجتهم إلى الحبشة، المكان الذي هاجر فيه المهاجرون الأول من مكة، فقد هاجروا من مكة إلى الحبشة. قال: فوافقنا جعفراً وأصحابه عنده -أي التقوا بمن هاجر من مكة إلى الحبشة من المهاجرين الأولين، ومنهم جعفر بن أبي طالب-. قال: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. يعني جعفر قال لأبي موسى وقومه: أمرنا الرسول أن نبقى ولا نرجع حتى يأذن لنا، فأنتم آمنتم بالنبي عليه الصلاة والسلام فأقيموا معنا، كونوا معنا إلى أن نهاجر معكم. قال: فأقمنا حتى قدمنا فتح خيبر. يعني كان رجوع المهاجرين من الحبشة في السنة السادسة عندما فتحت خيبر. قال: وكان ناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة. والمراد بالناس من هاجر من مكة إلى المدينة، وهم يقولون ذلك ليس على سبيل المفاخرة والترفع، وإنما على سبيل التحدث بنعمة الله والفرح بذلك، لما علم من عظيم شأن أجر الهجرة. وقولهم هذا يحمل على التحدث بنعمة الله عز وجل عليهم والفرح بها. قال: فدخلت أسماء -أسماء بنت عميس، وهي ممن كان في الحبشة ممن هاجر إلى الحبشة- فوجدت في نفسها كيف هؤلاء يقولون أنهم سبقوا بالهجرة، نحن الذين سبقنا وهاجرنا قبلهم إلى الحبشة، فكيف يقولون سبقناكم بالهجرة؟ فدخلت أسماء بنت عميس على حفصة بنت عمر، فدخل عليها عمر وعندها أسماء. دخل أخوها عمر عليها على حفصة وعندها أسماء بنت عميس، فقال: أي عمر، من هذه؟ فقالت: أي حفصة، أسماء. قال: الحبشية هذه. ومعنى الحبشية: يعني التي هاجرت إلى الحبشة، ليس معنى أنها من الحبشة، وإنما التي هاجرت إلى الحبشة. وإذا قال: البحرية هذه، يعني التي رجعت من الحبشة إلى المدينة عن طريق البحر في السفينة. فقال: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. فقال أي عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله منكم. ويحمل قول عمر كما تقدم أنه قال ذلك على سبيل الفرح بنعمة الله عز وجل والتحدث بها، لا على سبيل الفخر والترفع. وهذا فيه حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على المنافسة في الأجر، فإنما حملهم على ذلك محبتهم للأجر والتنافس في عمل الآخرة. قال: فغضبت أي أسماء بنت عميس، وقالت: كلا والله، لستم أنتم أحق برسول الله مننا. كلا والله، لقد كنتم مع رسول الله -يعني في المدينة، في مكة، وعندما هاجرتم إلى المدينة كنتم مع رسول الله، يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم- وكنا في أرض البعداء البغضاء. يعني تريد أن من كان في الحبشة كان أكثر بلاء وشدة، فهم في أرض غريبة وبعيدة عن المسلمين، ولا يواسيهم أحد من المسلمين لأنها أرض النصارى. فنحن أشد بلاء وشدة وأجراً. أما أنتم فمع رسول الله، يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، يعلمه. هذا معنى كلامها. فهي تقول: نحن سبقناكم، ونحن أحق برسول الله منكم. الآن وجدت منازعة: من هاجر من مكة إلى المدينة يقول: نحن أحق برسول الله منكم لأننا سبقناكم بالهجرة، ومن هاجر إلى الحبشة يقول: لا، نحن أحق لأننا هاجرنا في أول الأمر ولقينا ما لقينا من الشدة والبلاء. قالت: وذلك في ذات الله ورسوله -يعني من أجل الله- وأيم الله، وهذا من القسم، لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه الرجوع إلى العلماء للفصل في مواضع النزاع. قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له ذلك -يعني أسماء-. فقال: ما قلت له؟ ما قلت لعمر؟ قالت: قلت له كذا وكذا -يعني: لقد كنتم مع رسول الله يطعم الطعام، الكلام المتقدم-. فقال أي رسول الله: ليس بي أحق بكم منكم، أو ليس بأحق بكم منكم؟ أحقي أو أحق؟ قال: عندك عبد الرحمن، بأحقي أو بأحق؟ أنه من رئيس بالمضار، وهو ممنوع من الصرف. نعم، لأنه على وزن أفعل، أحق على وزن أفعل، فهو ممنوع من الصرف لوزن الفعل والوصفية. قال: ليس بي أحق بكم منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة -أي لعمر ولأصحابه هجرة واحدة، هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة-. قال: ولكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان -يعني من هاجرتم من الحبشة إلى المدينة بالسفينة لكم هجرتان-. لماذا هجرتان؟ الهجرة الأولى من مكة إلى الحبشة، والهجرة الثانية من الحبشة إلى المدينة. فطيب، فطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطر أهل السفينة. والحديث في البخاري ومسلم، وفيه زيادات، وفيه ذكر كنيتي أخوي أبي موسى. قال: فكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتونها أرسالاً -يعني جماعات- يسألونها عن هذا الحديث. ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه أن الفرح الحقيقي الذي ينبغي أن يفرح به المسلم ما كان من توفيق الله عز وجل له في الطاعة والقربة، وفي التوفيق إلى العمل الصالح. فهذا الذي كانوا يفرحون به، وهذا الذي ينبغي أن يفرح به المسلم حين يوفق لعبادة من العبادات أو لطاعة من الطاعات. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وفي هذا أيضاً أهمية الحرص على أخذ العلم من مصادره مباشرة بدون واسطة عند الاستطاعة. فانظر إلى هؤلاء، لربما سمع بعضهم من بعض، ولكن أحب أن يأخذوا هذا العلم بسند عالٍ ممن سمعت من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانوا يأتونها أرسالاً -أي جماعات- حتى تحدثهم بهذا الحديث. محاصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض اليهود بوادي القرى، وكان هذا الوادي يسكنه هؤلاء اليهود. قال: ثم انصرف رسول الله، وهذا كله في السنة السادسة لأن السياق في ذكر أحداث السنة السادسة من الهجرة. قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى، وكان به جماعة من اليهود، وانضاف إليهم جماعة من العرب -أي ممن هم أعداء للمسلمين-. قال: فلما نزلوا -يعني نزل المسلمون- استقبلتهم يهود بالرمي -يعني رمتهم بالأسهم- وهم على غير تعبئة -على غير تعبئة يعني على غير تجهيز، ليسوا مجهزين-. فقتل مدعم، أو مدعم، عبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان رفاعة بن زيد الجذامي وهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الناس: هنيئاً له الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم، فتشتعل عليه ناراً. فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شراك من نار، أو شراكان من نار. وهذا أيضاً في الصحيحين. وهذا فيه عظم أخذ المال العام، ومن المال العام أخذ شيء، أخذ شيء من الغنيمة قبل أن تقسم. فهذا الذي قتل قد أخذ هذه الشملة من الغنائم دون إذن وقبل أن تقسم الغنائم، فأخذها بغير حق، فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك. فلما قتل قال الناس: هنيئاً له الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا، يعني ليس الأمر كما تقولون، بل عنده خبيئة سيئة لربما تمنعه من دخول الجنة. ولذلك قال: إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، تشتعل عليه ناراً. وهذا فيه أن من أخذ شيئاً بغير حق يعذب به يوم القيامة، وفيه التحذير من أخذ الأموال بغير حق، خصوصاً المال العام، لأن الأخذ من المال العام يتعلق بمال المسلمين جميعاً، ليس هو مال فرد واحد، إنما هو مال أمة من الناس. أما لو أخذت مال إنسان واحد، شخص واحد، فسيكون خصمك يوم القيامة شخص واحد، نفر واحد، قد أرضه أو ماله. لكن لو أخذت من المال العام الذي هو حق الناس جميعاً، فهذا إثمه أعظم. والمال العام له أمثلة كثيرة في زماننا هذا، لا يقتصر على المغانم فقط. فإذا وُكِّلت على إدارة ما وخصص لك راتب ما، فلا يجوز لك أن تأخذ أكثر مما خصص لك، فإن أخذت فقد أخذت المال العام بغير حق. وقس على هذا. بل بعض العلماء أدخل في ذلك من يتلاعبون بعدادات الكهرباء والماء، فإن هذا من المال العام. فلو مثلاً أنت اختلست الكهرباء، وذاك اختلس، والعاشر، والمئة، والألف، والمليون اختلس الكهرباء، هذا سيؤدي إلى فشل هذه المؤسسة، لأنها فرضت هذه الرسوم أو تلك الأجرة على الكهرباء من أجل تسيير هذه المؤسسة من حيث رواتب العمال والوقود ونحو ذلك. فإذا اشتغلت هذه المولدات ولم يكن هناك مردود بصيانتها وأخذ الوقود لها، وكذلك صرف الرواتب لعمالها، ستفشل لا شك. فهذا يدخل في أخذ المال العام، فيكون إثمه أعظم. إثمه أعظم. والناس اليوم لهم شبه، في الحقيقة هي لا تعفيهم من إثم هذا الفعل. بعض الناس مثلاً يقول: الحكومة هي ظالمة. يقال له: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». فالإثم عليهم إن أخذوا شيئاً من مالك، لكن لا يجيز لك ذلك أن تأخذ من المال العام بحجة أنهم أخذوا من حقك، أو من بلدك، أو نحو ذلك. فهذا لا يجيز لك أن تخون وأن تأخذ بغير حق. قال: فعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال، وصفهم -يعني بدأ التجهيز-، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا. وهذا من سماحة هذا الدين. انظروا: ابتدؤوا بالعداوة، فرموا المسلمين، بل وقتلوا أحد المسلمين، ومع هذا لم يبتدئهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال، وإنما دعاهم إلى الإسلام: أسلموا تسلموا، فأبوا. وبرز رجل منهم يريد المبارزة والمسايفة، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله -أي قتل هذا اليهودي-. ثم برز آخر، فبرز إليه علي فقتله، الثاني منهم، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً. فقاتلهم حتى أمسوا، ثم غدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قدر رمح حتى افتتحها عنوة -يعني قتالاً-، وأصابوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً -أي المسلمون أصابوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً-، فقسمه في أصحابه، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها أن يعملوا عليها، وليس لهم من أصلها شيء، فهي ملك للمسلمين. قال: ولما رجع إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من النخيل. والمنائح المراد بها: أخذ ما ينتفع به مع بقاء أصله لمالكه. فمثلاً: أخذ هذا البستان، أنتفع به، ويقول: ملكاً لصاحبه، هذا تسمى منائح. فكما تعلمون أن المهاجرين لما هاجروا إلى المدينة ما كان معهم مال، وما كان معهم شيء، والأنصار كانوا أهل زراعة، فأعطوا إخوانهم من المهاجرين من مزارعهم كي يعملوا فيها، وتبقى أصولها لأصحابها. فبعد هذه الغزوة، غزوة خيبر، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من النخيل. لماذا ردوها؟ عندك يا سالم، لماذا ردوها؟ نعم، أغناهم الله. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي». فمن منافع الجهاد الرزق الحلال الطيب، لاغتنام الغنائم. فقالت عائشة رضي الله عنها: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر. لأن خيبر كانت مشهورة بالنخيل، بل وبكثرتها، فصارت ملكاً للمسلمين، نصفها لهم، ونصفها لمن يعملون فيها من اليهود.