أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 85

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 85

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 85، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم قول: لفظي بالقرآن مخلوق وبدعة اللفظية

يشرح المقطع حكم إطلاق عبارة "لفظي بالقرآن مخلوق" وينسبها إلى طائفة اللفظية، مبيناً أن لفظ "اللفظ" مشترك بين التلفظ (فعل العبد ومخلوق) والملفوظ به (القرآن وغير مخلوق). كما يبين أن قول "لفظي بالقرآن غير مخلوق" يؤدي إلى مذهب الاتحادية، وأن كلا القولين يقعان في الضلال: الأول قول الجهمية، والثاني قول الاتحادية.

موقف السلف من إطلاق اللفظ وبيان ضلال الفرق في صفة الكلام

يوضح المقطع أن السلف أنكروا قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأنه يوافق الجهمية في قولهم بخلق القرآن، وأنكروا قول من قال: غير مخلوق؛ لأنه يوافق الاتحادية في نسبة الفعل لله تعالى. ويبين أن اللفظ يحتمل معنيين: المصدر (فعل العبد) والملفوظ به (القرآن)، فالتفصيل واجب والإطلاق بدعة، ومعتقد أهل السنة: القرآن كلام الله غير مخلوق.

انتهاء الكلام على الإيمان بالكتب والانتقال إلى الإيمان بالرسل

أشار المؤلف إلى أنه انتهى من بيان الإيمان بالكتب، وسيبدأ في عرض أدلة ومعنى الإيمان بالرسل، وهو الركن الرابع من أركان الإيمان. وهذا الانتقال يمهد للحديث عن الرسل وأدلتها في الدروس القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن وآله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال السادس والثمانون: ما حكم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ هذه طائفة أخرى من الطوائف الضالة في القرآن، وهي ما يسميها العلماء باللَّفْضِيَّةِ، وهم الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق، أو بالنفي: لفظي بالقرآن غير مخلوق. وكلا العبارتين ضلال، سيأتي من كلام المؤلف كون هاتين الكلمتين من الضلال ومن الانحراف في القرآن. قال: الجواب: هذه العبارة لا يجوز إطلاقها نفياً ولا إثباتاً. نفياً كقولهم: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وهذا نفي. وإثباتاً كقولهم: لفظي بالقرآن مخلوق. لماذا قال المؤلف؟ لأن اللفظ معنى مشترك بين التلفظ الذي هو فعل العبد، وبين الملفوظ به الذي هو القرآن. فإذا أطلق القول بخلقه شمل المعنى الثاني، ورجع إلى قول الجهمية. قوله: "لأن اللفظ معنى مشترك" يعني: إذا قال قائلهم: لفظي بالقرآن مخلوق، هذا يحتمل أمرين: إما أنه يحتمل المصدر وهو فعل العبد، فقوله: لفظي بالقرآن مخلوق، أي تلفظي. من تلفظ يتلفظ تلفظاً، فمعنى أن التلفظ هذا غير مخلوق... صح، التلفظ هذا مخلوق. عفواً، التلفظ هذا مخلوق لأنه صوت القارئ. وكما مر معنى في قول السلف: القول قول الباري، والصوت صوت القارئ. فقوله: لفظي بالقرآن مخلوق، يحتمل أنه أراد التلفظ، فهذا التلفظ مخلوق. ويحتمل أنه أراد الملفوظ به وهو المثل، وهو القرآن. فإذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق، إن أراد به الملفوظ به وهو القرآن، فقد وقع في قول من وقع في قول الجهمية الذين يقولون إن القرآن ماذا؟ مخلوق. فإذا هذا اللفظ محتمل، يحتمل أن القائل به أراد التلفظ، وهذا كلام لا غبار عليه، ويحتمل أنه أراد الملفوظ به وهو القرآن، وهذا هو قول من قول الجهمية القائلين بخلق القرآن. فلما كان اللفظ محتملاً، منعه أهل العلم، منعه أهل العلم. وهذا في القول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق. وهذا معنى قول المؤلف: "فإذا أطلق القول بخلقه شمل المعنى الثاني". إذا أطلق شمل المعنى الثاني، ما هو المعنى الثاني؟ المعنى الثاني أن الملفوظ به مخلوق وهو القرآن، وهذا هو قول الجهمية. قال: "ورجع إلى قول الجهمية"، ورجع إلى قول الجهمية. وإذا قيل: غير مخلوق، الذي يقول مثلاً: لفظي بالقرآن مخلوق، طيب، فهنا أراد المعنى الأول وهو فعل العبد. قال: وهذا من بدع الاتحادية. لماذا من بدع الاتحادية؟ الذي يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، هذا يؤدي إلى القول، إلى قول الاتحادية. الذي ينفي ويقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فإن أريد بقوله: لفظي بالقرآن غير مخلوق التلفظ، فكأنه جعل هذا التلفظ صفة من صفات الله في نفسه، في نفس هذا المتلفظ، وهذا هو قول الاتحادية. لأن الاتحادية هم الذين يزعمون أن الله جل وعلا والمخلوق واحد، يعني اتحد الخالق بالمخلوق. ولذا يقولون: أفعال العبد وصفات العبد هي صفات الخالق سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ولذلك هذا القول فيه ظلم ومنكر عظيم. فسواء قالوا بالإثبات: قولي أو لفظي بالقرآن مخلوق، أو بالنفي: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فكلا القولين يؤديان إلى الضلال. فقولهم: لفظي بالقرآن مخلوق، يحتمل أن يراد به القرآن الملفوظ به، وهذا هو قول الجهمية. وإن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، إذن إذا كان غير مخلوق، معناه إيش؟ معناه كأنه صفة الخالق، فجعل صفة الخالق في المخلوق، وهذا هو قول الاتحادية، فرقة الاتحادية الذين يجعلون كل شيء حل فيه، أو أن الله عز وجل حل فيه المخلوق. وهذا كذلك منكر وضلال. ولماذا يقول هؤلاء هذا القول؟ ماذا أرادوا بذلك؟ أرادوا بذلك أن يصلوا إلى قول الجهمية النُّفَاة، لكن بأسلوب ماكر، بأسلوب ماكر، حتى لا يشنع عليهم أهل السنة. مثل ما قلنا في القائلين بالتوقف، وهم الواقفة الذين مروا معنا في السؤال الذي قبل هذا السؤال. لماذا قالوا بالتوقف؟ يخشون من إنكار وتشنيع أهل السنة عليهم، فذهبوا إلى ذاك القول. وهؤلاء كذلك ذكروا هذا القول، ولم يصرحوا بخلق القرآن كما صرح الجهمية، لأنهم يخافون من تشنيع أهل السنة. لكن أهل السنة ليسوا بسذج كما تقدم معنا، وليسوا بأغبياء، فهم علموا قصد القوم، وأنهم أرادوا بذلك الوصول إلى قول الجهمية، الوصول إلى قول الجهمية. فإذن هذه الكلمة كلمة محتملة. لماذا لا يقول الإنسان كما هو معتقد أهل السنة: أن القرآن كلام الله بالتصريح، وأن صوت المخلوق أو صوت القارئ هو المخلوق؟ يقول: القرآن كلام الله، وصوتي هو المخلوق. هذا كلام صريح. فهذا المقام مقام الصفات لا ينبغي أن يكون فيه الإجمال والاحتمال، بل لا بد أن يكون فيه التصريح. يجب أن يكون فيه التصريح دون إجمال ودون إبهام. فأهل السنة... فأهل البدع، عفواً، فأهل البدع من أساليبهم ماذا؟ من أساليبهم الجمل أو الكلام المبهم الإجمالي حتى يصلوا به إلى بدعهم. فتفطن أهل السنة لذلك فأنكروا عليهم. ولذلك نقل هنا المؤلف كلام السلف في ذلك. قال: ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله تعالى: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. لماذا جهمي؟ لأن قوله هذا قد يحتمل أنه الملفوظ به وهو القرآن، فصار قوله هذا هو قول الجهمية الذين يقولون أن القرآن مخلوق. ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع. لماذا مبتدع؟ لأنه قال بقول الاتحادية. فقوله: لفظي بالقرآن غير مخلوق، يحتمل أن يكون التلفظ من القارئ، والتلفظ من القارئ مخلوق وليس غير مخلوق. التلفظ من القارئ مخلوق. فإذا قولهم: غير مخلوق، فهذا أمر مبتدع، وهو يؤدي كذلك إلى قول الاتحادية. فلذلك أنكر السلف الصالح على من قال بهذا القول، وهو قولهم: لفظي بالقرآن مخلوق بالإثبات، أو لفظي بالقرآن غير مخلوق، لأنه يحتمل هذا وهذا. وهذا الباب، باب إثبات الصفات، لا يجوز فيه الاحتمال، ولا يجوز فيه الإبهام، بل يجب أن يكون فيه التصريح. وبمعنى هذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته، فقال رحمه الله تعالى: "واللفظ"، أي لفظ: لفظي بالقرآن. قال: "واللفظ يصلح مصدراً هو فعلنا"، يصلح مصدر وهو فعلنا. قولنا: لفظنا بالقرآن مخلوق، أي فعل العبد، هذا المصدر التلفظ. "واللفظ يصلح مصدراً هو فعلنا كتلفظ بتلاوة القرآن"، لما تتلاوة... لما تتلاوة القرآن. كما مر معنا: القول قول الباري، والصوت صوت القارئ. نعم. ثم قال: "وكذا أو وكذاك يصلح نفس ملفوظ به"، يعني لفظ قولنا: لفظي، يصلح أن يكون المراد به الملفوظ به. وما هو الملفوظ به؟ الملفوظ به هو القرآن. ولذا قال: "وكذلك يصلح نفس ملفوظ به وهو القرآن، فذاك محتملان وهو القرآن، وذاك محتملان". ثم قال: "وكذاك أنكر، وولذاك أنكر أحمد، أو كذاك أنكر أحمد الإطلاق في نفي وإثبات بلا فرقان". يعني لا يجوز أن تقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وهذا هو الإثبات. ولا يجوز كذلك النفي بأن تقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فكلاهما يؤديان إلى معنى فاسد محتمل. فلذلك أهل السنة أنكروا ذلك كما سمعت. فإذن هذه فرق أخرى من فرق الضلال التي ضلت في هذا الباب. ومعتقد أهل السنة والجماعة كما تقدم: أن القرآن كلام الله، أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، منه بدأ، أي منه سبحانه وتعالى بدأ، وإليه يعود. فقول اللفظية، وقول الواقفة، وقول الجهمية، وقول الأشاعرة والماتريدية، كل هذه الأقوال أقوال باطلة وهي ضلال، وتؤول إلى نفي صفة الكلام عن الله سبحانه وتعالى. هذا هو خلاصة هذا الجواب، وبه انتهى المؤلف من الكلام على الإيمان بالكتب، وسيشرع بعد ذلك في أدلة وبيان معنى الإيمان بالرسل، وهو الركن الرابع من أركان الإيمان. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.