أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 213

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 213

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 213، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف الكبائر وضابطها عند أهل العلم

يشرح هذا المحور الفرق الجوهري بين الصغائر والكبائر مبيناً أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة ولها حدود دنيوية، ويستعرض خلاف العلماء في ضبطها بالعد أو بالحد. ويرجح القول بأن الكبيرة هي كل ذنب توعد عليه بوعد خاص من لعنة أو غضب أو نار، أو رتبه حد في الدنيا.

ضوابط الكبيرة وأحوال ارتقاء الصغيرة إلى كبيرة

يحدد المقطع ضابط الكبيرة الشرعية بورود وعيد خاص أو حد دنيوي، مؤكداً أنها ليست محصورة بعدد معين كسبع أو سبعين. كما يبين أن الصغيرة قد تصير كبيرة بتوفر الإصرار والاستهانة والمجاهرة، مستشهداً بأحاديث السبع الموبقات.

خطر الإصرار على الصغائر وتحولها إلى كبائر

يحذر هذا المحور من الاستهانة بالصغائر موضحاً أن الإصرار عليها أو فعلها بلا هيبة لله قد يحوّلها إلى كبائر تترتب عليها الأحكام الثقيلة. ويؤكد أن ضابط الكبيرة يبقى ورود الوعيد الخاص أو الحد، لا مجرد العدد.

خاتمة الدرس: تفريق أهل السنة ووجوب التفقه والاحتراز

يختم الدرس بالتأكيد على أن أهل السنة يفرقون في مسائل الكبائر والصغائر لكونها شرعية يترتب عليها أحكام، فيجب على المسلم تفقهها وإنزالها منازلها. ويوصي باتخاذ أسباب النجاة والاحتراز من الوقوع في هذه المحظورات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال التاسع والثمانون بعد المئة: ما هي الكبائر؟ عرفنا فيما سبق أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر وكبائر، وكان الكلام فيما سبق عن الصغائر وما هي الصغائر التي هي دون الكبائر، فما هي الكبائر؟ هذا مبحث مهم حتى يميز العبد بين الصغائر والكبائر؛ لأن بينهما فروقاً كثيرة، منها: أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر وبالحسنات والأعمال الصالحة، وأما الكبائر فلا تكفر إلا بالتوبة. هذا من الفروق. كذلك من الفروق أيضاً: أن الصغائر لربما تكفر أيضاً بأسباب أخرى دون تخصيصها بتوبة، كالمصائب وهكذا، كذلك الدعاء ونحو ذلك. فإذا من المهم جداً أن يميز العبد بين الصغائر والكبائر. كذلك من الفروق: أن الصغائر ليس عليها حد، ما فيها حد، أما الكبائر فكثير منها عليها حد، كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقذف المحصنات ونحو ذلك. فإذا من المهم جداً أن يعلم المسلم ما هي الصغائر وما هي الكبائر، وإذا عرفت الكبائر فما دونها فهي الصغائر. قال: الجواب في ضابطها أقوال للصحابة والتابعين وغيرهم. وقبل الخوض في هذه المسألة حتى نفهم كلام المؤلف، أولاً نعلم أن أهل العلم اختلفوا: هل الكبائر تضبط بالعد أو بالحد؟ أيش معنى "بالعد"؟ يعني أن بعض أهل العلم أحصى هذه الكبائر وتتبع النصوص الشرعية في ذكرها، فمنهم كما سيأتي جعلها سبعاً، ومنهم جعلها سبعين، ومنهم جعلها سبعمائة، ومنهم ومنهم. وهذا قول ضعيف، حصر الكبائر بعدد معين، هذا مردود؛ لأن التعداد موقوف على النص، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو جاء في القرآن أن الكبائر كذا وكذا. فإذا هي مسألة اجتهادية، فبدلاً من أن نجعلها معدودة وقد الذي عدها تفوته بعض هذه الكبائر، فالصحيح أن الكبائر تضبط بالحد. ومعنى "الحد" يعني: التعريف. وأفضل ما قيل في تعريف وحد الكبيرة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، حيث قال: «هو كل ذنب توعد عليه بوعد خاص، أو ذكر فيه حد». ما معنى "بوعد خاص"؟ يعني مثلاً: قيل فيه أن صاحبه يدخل النار، أو أن صاحبه لا يدخل الجنة، أو لعن من فعله، أو قيل فيه: «من فعله ليس منا»، أو أن من فعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه ولا ينظر إليه، أو أنه يبوء بحرب من الله. هذه كلها وعود خاصة، كلها وعود خاصة. وأما قوله: «أو عليه حد في الدنيا» يعني عليه عقوبة دنيوية، كحد السرقة، السرقة من الكبائر، كحد الزنا، الزنا من الكبائر، كحد المحاربة، المحاربة من الكبائر، كحد القذف، القذف من الكبائر، وقس على ذلك. فهذا ضابط الكبيرة: كل ما توعد عليه بوعد خاص، أو كان عليه حد في الدنيا، يدخل في معنى الكبيرة، يدخل في معنى الكبيرة. وإذا عرفنا هذا، ما سيذكره المؤلف سيتبين لنا تماماً الإيضاح، وسيتبين لنا تماماً التبيان. قال: «في ضابطها أقوال للصحابة والتابعين وغيرهم». فقيل: هي كل ذنب ترتب عليه حد. هذا جزء من حد الكبيرة كما تقدم، ويضاف عليه: أو توعد عليه بوعد خاص. وقيل: هي كل ذنب أتبع بلعنة أو غضب أو نار أو أي عقوبة. نعم، فإذا ضممت القول الأول مع القول الثاني فهو بمعنى ضابط الكبير الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فهي كل ذنب ترتب عليه حد أو توعد عليه بوعد خاص، وهو معنى قوله: «لعنة أو غضب أو نار أو أي عقوبة». فإذا ضم مع الأول فيكون هذا هو ضابط الكبير. وقيل: هي كل ذنب يشعر فعله بعدم اكتراث فاعله بالدين وعدم مبالاته به وقلة خشيته من الله. وهذا معنى كلام بعض أهل العلم: أن الصغيرة قد تقترن بما يصيرها كبيرة، الصغيرة قد تقترن بما يصيرها كبيرة. وهذا قول جمهور أهل العلم. فذكروا، فذكروا أن الصغيرة قد تكون كبيرة إذا توفر فيها ثلاثة أمور، إذا توفرت في هذه الصغيرة ثلاثة أمور تكون هذه الصغيرة كبيرة. فذكروا، فذكروا من هذه الأمور: الإصرار. وهذا جاء عن ابن عباس وعن أنس بن مالك رضي الله عنهما أنهما قالا: «لا صغيرة مع الإصرار، لا صغيرة مع الإصرار». هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: وهو ما نبه عليه المؤلف، الاستهانة بهذه الصغيرة، يعني أن صاحبها غير مبالٍ بها، يفعلها كأنما هو يشرب ماء، لا يكترث بها ولا يوجل ولا يخاف ولا يجد في نفسه هيبة من الله في فعلها. فهذا معنى كلام المؤلف. والأمر الثالث: المجاهرة بها. وهذا راجع إلى المسألة الثانية أو الأمر الثاني، المجاهر بالصغيرة ربما يصيرها إلى كبيرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون، إلا المجاهرون»، أي أنهم غير معافين. فإذن هذا معنى كلام المؤلف: «هي كل ذنب يشعر فعله بعدم اكتراث فاعله بالدين». ولكن هذا ليس بضابط، وإنما هو ملحق لضابط الكبيرة، وإلا فالأصل في الصغيرة أنها لا ترتقي ولا ترتفع إلى الكبيرة. وقيل غير ذلك، وثبت في الأحاديث الصحيحة تسمية كثير من الذنوب كبائر على تفاوت درجاتها. فقول النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فذكر منها الشرك والسحر وقتل النفس والتولي يوم الزحف ورمي المحصنات الغافلات المؤمنات، ونحو ذلك مما ذكر. وهكذا في أحاديث كثيرة فيها تخصيص بعض الذنوب بالكبائر. قال: «فمنها كفر أكبر، كالشرك بالله والسحر، كما تقدم معنا في حكم السحر الذي هو السحر الذي فيه استعانة بالشياطين». قال: «ومنها عظيم من كبائر الإثم والفواحش وهو دون ذلك: في قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والتولي يوم الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقول الزور، ومنه قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وغير ذلك، وغير ذلك». وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع». وهذا الأثر صحيح، أخرجه الإمام ابن جرير في تفسيره، وصححه شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى. وكما قلنا: هذا إنما هو تقريب من العلماء، تقريب من العلماء، وإلا فهي أيضاً فوق السبعين. ومن قرأ في كتب أهل العلم يرى ذلك. قال: «ومن تتبع الذنوب التي أطلق عليها أنها كبائر وجدها أكثر من السبعين». وهذا كما ذكرنا: القول بالحد هو الأسلم وهو الأضبط لمعرفة الكبيرة، وأما العد فهذا على حسب اجتهاد المجتهد، فقد ينقص وقد كذلك يغفل عن بعضها ونحو ذلك. قال: «فكيف إذا تتبع جميع ما جاء عليه الوعيد الشديد في الكتاب والسنة من إتباعه بلعنة أو غضب أو عذاب أو محاربة أو غير ذلك من ألفاظ الوعيد، فإنه يجدها كثيرة جداً، كما ذكرنا. هذا هو ضابط الكبيرة، هذا هو ضابط الكبيرة». فالصحيح أن الكبيرة إنما تعرف بضابطها، فكل ما توفر فيه وعيد خاص أو حد في الدنيا فهذه هي الكبيرة، فهذه هي الكبيرة. وقد مثل المؤلف بلعنة أو غضب أو عذاب في الآخرة من دخول النار، أو من كذلك عذاب في البرزخ، ما جاء في حديث سمرة في أحوال أهل البرزخ من العصاة ونحو ذلك، فهذا يدخل في هذا الباب. وما لم يكن فيه وعيد فهي من الصغائر. وقد مثل العلماء بالصغائر بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر». فالنظر إلى المرأة الأجنبية أو إلى الأمرد بنظر شهوة هذا من الصغائر. كذلك اليدان تزنيان وزناهما البطش، فمن لمس امرأة لا تحل له وغمز أو نحو ذلك فهذا من الصغائر؛ لأنه دون الزنا. وهكذا الاستماع المحرم، وهكذا المشي إلى الأشياء المحرمة. فهذا تدخل في معنى الصغائر؛ لأن ما فيها وعيد في الآخرة، وما عليها حد في الدنيا. وكما تقدم معنا: أن المسلم لا يستهين بالصغائر، لا يقول: هذه صغيرة، والله غفور رحيم، ويتمادى ويسر عليها. فهذا كما تقدم معنا فيه: أن الصغيرة قد ببعض أمور تصيرها إلى كبيرة، ومنها الإصرار. من أصر على صغيرة يخشى أن تكون كبيرة، كما جاء في أثر ابن عباس وأنس: «لا صغيرة مع الإصرار». وكذلك لا يستهين المسلم بالصغائر ويفعلها دون ندم ودون هيبة من الله ودون كذلك استشعار بعظمة من عصى وهو الله سبحانه وتعالى. فهذا أيضاً قد يصيرها إلى كبيرة. ولكن أهل السنة يفرقون؛ لأن المسألة شرعية ويترتب عليها أحكام شرعية، فلذلك المسلم ينبغي عليه أن يفقه هذه المسائل وأن ينزلها منازلها، وأن كذلك يتخذ الأسباب التي تنجيه من الوقوع فيها. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.