أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 214

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 214

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 214، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التوبة النصوح مكفرة للذنوب صغارها وكبارها

توضح الآية في سورة التحريم أن التوبة النصوح الصادقة تكفر الصغائر والكبائر، وتعد المؤمنين بتكفير السيئات ودخول الجنة. وتؤكد آية الفرقان أن من تاب وآمن وعمل صالحاً يبدل الله سيئاته حسنات حتى لأعظم الكبائر.

فضل التوبة والاستغفار وشروط قبولهما

يدعو الله المشركين والكفار للتوبة مع وعد بتكفير السيئات وتبديلها حسنات، ويصف أهل الإحسان بالمسارعة للمغفرة وعدم الإصرار على الذنب. ويشترط لقبول الاستغفار موافقة اللسان للقلب بالندم والإقلاع والعزم، فلا يكفي الاستغفار باللسان فقط.

فرح الله بتوبة العبد وأثر الدعاء

ينفع الدعاء حتى مع الإصرار على الذنب لأنه قد يوفق للتوبة، ومعنى "التوبة تجب ما قبلها" ثابت وإن لم يكن بالصيغة المذكورة. ويفرح الله بتوبة العبد فرحاً عظيماً كفرح من يجد راحلته بعد اليأس، وعلى المسلم الإكثار من التوبة الصادقة ومحاسبة النفس.

سبيل السلام والتوبة إلى الله

يتمثل سبيل السلام في الرجوع إلى الله والتوبة إليه مع استيفاء شروط التوبة التي سيوضحها المؤلف لاحقاً. ويختتم المقطع بالاكتفاء بهذا القدر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، حمداً كثيراً، طيباً، مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال التسعون بعد المئة: بماذا تكفر جميع الصغائر والكبائر؟ تقدم معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر سببين اثنين لتكفير الصغائر، وهما: اجتناب الكبائر، والعمل بالحسنات والطاعات. وهذان السببان مما تختص به الصغائر. وهناك مكفرات أخرى، منها ما هو يختص بالصغائر، ومنها ما هو مشترك بين الصغائر والكبائر، ومن ذلك التوبة، كما في هذا السؤال. فأجاب المؤلف رحمه الله تعالى: الجواب: تكفر جميعها بالتوبة النصوح. "جميعها" يعني: الصغائر والكبائر. ثم ذكر رحمه الله تعالى أدلة الكتاب والسنة التي تحث على التوبة والمبادرة إلى التوبة عند ارتكاب المعصية، سواء كانت كبيرة أو صغيرة. فقال: قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. ففي هذه الآية خطاب ليس للكافر الذي قد وقع في أعظم الذنب وهو الشرك، وإنما هو خطاب لي ولك أيها المؤمن. فقال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، فالمؤمن عرضة للوقوع في الزلل والخطأ، فأمره الله عز وجل بالمبادرة إلى التوبة، فقال: ﴿ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا ﴾، أي: توبة صادقة. وسيأتي معنا من كلام المؤلف ما هي التوبة النصوح. ثم بيّن ربنا سبحانه وتعالى ثمار هذه التوبة وفوائدها، فقال: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. ثم قال المؤلف: "عسى" من الله محققة. ومعنى محققة: هي بمعنى ما جاء عن كثير من أهل العلم، ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: "عسى من الله واجبة". وذكر ذلك أيضاً الحافظ ابن كثير في تفسيره: "عسى من الله واجبة". ومعنى "واجبة" كما ذكر المؤلف: أي محققة. فمعنى ذلك أن متعلقها لا بد من تحققه، لا بد من تحققه. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾، أي: أن تكفير الله لذنوبكم أمر محقق، أمر محقق، متى ما كانت التوبة بهذا الوصف، وهي التوبة الصادقة، التوبة النصوح. فمن ثمار التوبة أن يكفر عنكم سيئاتكم. و"عسى" هذه وردت في عدة آيات، منها في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾. فـ "عسى" هنا أيضاً محققة. كل "عسى" في القرآن فهي محققة، أي: من الله عز وجل. "عسى" من الله عز وجل واجبة، أي: محققة، كما ذكر المؤلف. فإذن من ثمار التوبة: تكفير السيئات، وهذا هو موطن الشاهد من إرادة هذه الآية. ثم زاد على هذا أن التوبة سبب لدخول الجنة: ﴿ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. فوجه الشاهد من الآية. وقال تعالى: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾. ووجه الشاهد من هذه الآية أن الله عز وجل ذكر كبائر في أول هذه الآية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر... يعني: الشرك بالله عز وجل، ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾، ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾. كل هذه الثلاث من الكبائر. ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾. أي: من لقي الله عز وجل على هذه الكبائر الثلاث فجزاؤه ما ذكر في هذه الآية، فهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾. ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾. الشاهد: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ ﴾. فإذن التوبة سبب لتكفير جميع الذنوب، ولو كان هذا الذنب شركاً بالله عز وجل. فالله عز وجل كم من آية دعا فيها المشركين إلى التوبة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾، بمعنى: إذا تابوا فإنهم يكونون في عداد أهل الإيمان، ويخرجون من هذا الوعيد. وقال سبحانه وتعالى بعد ما ذكر كفر اليهود وكفر النصارى: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾. كم من آية دعا الله عز وجل فيها أهل الكفر وأهل الشرك إلى التوبة. فإذن وجه الشاهد من هذه الآية أن التوبة سبب لتكفير الذنوب، ولو كانت من الكبائر. وهذا فيه أيضاً ثمار وفوائد، من ثمار وفوائد التوبة: في قوله: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾. ليس فقط يكفر عنهم سيئاتهم، وإنما السيئات التي كانوا يقترفونها يبدلها الله سبحانه وتعالى إلى حسنات. ما أرحم الرب الكريم الشكور سبحانه وتعالى، وما أعظم رحمته وجزاءه بمن تاب إليه. وهكذا في الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. هذه الآية كذلك فيها المعنى المتقدم، وهو الحث والترغيب في التوبة. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾، فاحشة هنا أطلقت، وكان ذكرها بالنكرة، وهي في سياق الشرط: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾. فتشمل أي فاحشة، سواء كان فاحشة الزنا، أو فاحشة اللواط، أو نحو ذلك مما يفحش فعله أو يفحش قوله. وقوله: ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾، كذلك سواء كان الظلم هذا بين العبد وبين ربه، أو كذلك بين العبد وبين خلق الله عز وجل. وكل ذلك يكون بالتوبة بشروطها، كما سيأتي معنا. طيب. قال: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. في هذا كذلك أن العاصي لا يصر على الذنب، وكما تقدم أن الإصرار على الذنب أمره خطير، حتى في الصغائر، فكيف إذا كان الإصرار في الكبائر؟ فمن صفات المحسنين ممن وعدهم الله عز وجل بجنات النعيم أنهم لم يصرّوا على ما فعلوا. لأن هذه الآية ذكرت في صفات أهل الإحسان، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾. هذه كلها صفات عظيمة من صفات أهل الجنان، ومن صفات المسارعين إلى جنات النعيم. منها: أنهم لم يصرّوا على ما فعلوا، وأنهم يتوبون مما ارتكبوا، وأنهم يستغفرون الله عز وجل لذنوبهم. وذكر هنا أهل العلم لطيفة في اقتران التوبة بالاستغفار. فذكر أهل العلم أن كل الأدلة التي جاءت في التوبة تنطبق على الاستغفار، لأن الاستغفار ما معناه؟ معناه: طلب المغفرة. السين والتاء تدلان على الطلب: استغفر، استغاث، استعان، كل هذا بمعنى طلب المغفرة، طلب الغوث، طلب الإعانة. فمعنى "أستغفر الله": أي أطلب المغفرة من الله. فكل الأدلة التي جاءت في التوبة تنطبق على الاستغفار. لكن إذا علقت مغفرة الذنوب بالاستغفار، إذا علقت كما في هذه الآية مغفرة الذنوب بالاستغفار، فإن المراد بذلك الاستغفار الكامل. فإن المراد من ذلك الاستغفار الكامل الذي اجتمع فيه عمل اللسان مع عمل القلب، عمل اللسان مع عمل القلب. يعني: يقول "أستغفر الله" ليس بلسانه فقط، بل كذلك بقلبه. ما معنى بقلبه؟ معناه: أنه صادق في طلب المغفرة. فمن مقتضى هذا الاستغفار الذي طابق قول المستغفر فيه ففعله أو ما في قلبه، أنه يصدق في هذا الدعاء، فيندم ويترك المعصية، ويعزم لا يعود إليها. فكم من إنسان تجده يقول: "أستغفر الله، أستغفر الله"، وهو بلسانه، ولا يزال مقيم على المعاصي. فمجرد الاستغفار باللسان لا يكفي في مغفرة الذنب، بل لا بد أن يكون مع قول اللسان صدق القلب. صدق القلب. فصار في معنى التوبة: الاستغفار إذا كان مطابقاً لما في القلب. أما إذا كان الاستغفار باللسان دون القلب، فهذا يسمى دعاء. كأنك تقول: "يا رب اغفر لي"، وأنت لا زلت مقيم على هذا الذنب. والدعاء بكل حال هو نافع، لأنه قد يعطى العبد سؤله فيوفق للتوبة بهذا الدعاء، ولو بعد حين. وقد كذلك يعطى يوم القيامة ما هو أفضل وأكبر مما دعا، كما هو معلوم في أبواب الدعاء. فالدعاء المجرد من غير ما في القلب من الصدق، فهذا حكمه حكم الدعاء، حكمه حكم الدعاء. والدعاء قد يستجاب لصاحبه، وقد لا يستجاب لصاحبه، لا سيما إذا كان هذا الاستغفار كما تقدم باللسان فقط، باللسان فقط. طيب. ثم قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التوبة تجب ما قبلها». لا يوجد حديث بهذا اللفظ، فليس هذا حديث له أصل عند أهل العلم، كما بيّن ذلك العلامة العثيمين، والعلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة. ولعل المؤلف يعني حديث عمرو بن العاص، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما تعلم أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تجب ما قبلها، أو تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله»؟ فهي بمعنى أن التوبة تجب ما قبلها، لأن من أسلم فقد تاب. وأيضاً بمعنى حديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». بهذا اللفظ صح الحديث، أخرجه ابن ماجه، وحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله: «أن تائب من الذنب كمن لا ذنب له». أما بهذا اللفظ: «التوبة تجب ما قبلها»، فهذا الحديث بهذا اللفظ لا أصل له، لكن معناه دلت عليه الأحاديث الأخرى. وقال صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فنام نومة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده». استشعر هذا المعنى: كنت في مكان قطعت بك السبل، وأوشكت على الهلاك. نعم، كنت في راحلة، كنت مثلاً في سيارة في البرية، خربت عليك السيارة، ولا يسلك هذه الطريق أحد، كما وقع الكثير من الناس ممن يسلك مسلك التهريب، فتنقطع عليهم السبل، فلربما يموتون. تصور هذا: كنت في هذا المشهد وفي هذا الحال، انتهى عليك الماء، استسلمت لقضاء الله، وأيقنت أن الموت قد نزل بك، فإذا بالغوث يأتي من الله، فيسر الله لك من يمر بجانبك وينقذك. كيف سيكون فرحك؟ وهكذا في هذا الحديث: رجل ضاعت عليه راحلته، ما عنده أحد، فيها زاده، فيها ماءه، فيها طعامه، فيها شرابه. بحث عنها، ما وجدها، اشتد عليه العطش، اشتد عليه الجوع، فقال: سأذهب إلى مكاني، أنتظر الموت، ماذا بعد هذا؟ فبينما هو ينتظر الموت، فإذا براحلته أمامه. الله أكبر! كيف ستكون فرحته؟ تجيء في بعض الروايات: قال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». انظر: من شدة الفرح عكس هذه العبارة، بدلاً ما يقول: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك»، قال: «أنت عبدي وأنا ربك»، من شدة الفرح. فالله عز وجل أشد فرحاً من هذا الرجل الذي وجد راحلته بعد أن أوشك على الهلاك. وهذا فيه إثبات صفة الفرح لله عز وجل كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وفي هذا حث على التوبة، وأن الله عز وجل يحب التوابين، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾. فهذا فيه حث لنا جميعا معاشر الإخوة على الإكثار من التوبة. لا تقول: يا أخي، أنا طالب علم، ماذا أفعل؟ ما عندي ذنوب، ما عندي معاصي، ما عندي شيء. من قال لك ما عندك شيء؟ هل أنت أديت ما أوجب الله عز وجل عليك كما أمرك؟ الحافظت على الصلوات حيث ينادى بهن؟ هل صفيت قلبك من الأحقاد والأضغان والحسد والكراهية والبغض، ونحو ذلك من هذه الأمراض الفتاكة؟ هل أنت ممن اجتنب النظر إلى الحرام، وسماع الحرام، وظلم الإخوان، ونحو ذلك؟ اسأل نفسك يا أخي، لا تبرئ نفسك، ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾. فسبيل السلام أن ترجع إلى الله، وأن تتوب إلى الله، وأن تستوفي شروط التوبة التي ذكر أهل العلم، وسيشير إليها المؤلف فيما سيأتي. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى. اشتركوا في القناة.