باب الصبر من رياض الصالحين 33

باب الصبر من رياض الصالحين 33

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكمة أم سليم في تبليغ خبر وفاة ابنها لأبي طلحة

أخفقت أم سليم خبر وفاة ابنها بحكمة، فأعدت العشاء وتزينت لزوجها وقضت معه الليل قبل أن تبلغه الخبر تدريجياً بمثل العارية المسترجعة. أدى هذا التدبير إلى احتساب أبي طلحة وصبره، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لهما بالبركة.

بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وولادة عبد الله وتحنيكه

استجاب الله لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فحملت أم سليم وولدت غلاماً في طريق العودة من سفر، فأمر النبي بتحنيكه بريقه وتمر ممضوغ. بارك الله في المولود فكان عبد الله بن أبي طلحة من أهل البركة.

خاتمة الدرس والتمهيد لذكر فوائد الحديث

أعلن المتحدث انتهاء شرح المعنى الإجمالي للحديث، مشيراً إلى احتوائه على فوائد كثيرة. وعد بذكر بعض هذه الفوائد في الدرس القادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، وفي باب الصبر، الحديث العشرون: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، أي مريض، يشتكي بمعنى أنه مريض. قال: فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، يعني مات. فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم، وهي أم الصبي، وهي كذلك أم أنس بن مالك، فهذا الصبي أخ لأنس من أمه. فلما رجع أبو طلحة فسأل زوجته أم سليم، سأل زوجته أم سليم وهي أم الصبي عن هذا الصبي كيف حاله، فقالت: هو أسكن ما كان. وما كذبت، فلا شيء أسكن للعبد كون حاله ميتا؛ إذا مات ما في حركة أبدا، فهو أسكن ما يكون. فهذا فيه تورية، ليس فيه كذب، ويحتاج الإنسان أحيانا إلى التورية. فالميت يكون أسكن ما يكون، بخلاف النايم؛ النايم قد يتحرك، قد يتقلب، أما الميت فلا حركة، فهو أسكن ما يكون. قال: فقربت إليه العشاء، عشاء، يعني لم تخبره بموت هذا الصبي. فلما قالت له: هو أسكن مكان، ظن أنه شفي وعوفي وصار صحيحا. فقربت إليه العشاء فتعش، ثم أصاب منها، ومعنى أصاب منها يعني كما سيأتي في الرواية الأخرى: تزينت له، أحسن ما تتزين المرأة لزوجها، حتى جامعها. قال: ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: وارو الصبي، أي أخبرته بعد ذلك، وارو الصبي يعني دفنوه، بمعنى أنه مات فأخبرته بذلك. فلما أصبح أبو طلحة أتى النبي، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، أخبره بما فعلت، فعلت زوجته سليم، وأخبره بموت ابنه. فقال: أعرستم الليلة؟ ومعنى أعرستم الليلة كناية عن إتيان الرجل لزوجته. فقال أبو طلحة: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك لهما. قال: فولدت غلاما، أي بعد انقضاء وقت الحمل وهو تسعة أشهر، ولدت أم سليم. قال: فقال لأبي طلحة، أي قال لأنس: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، أو بتمرات، أي أعطاه شيئا من التمر. فقال: أمعه شيء؟ قال: نعم تمرات، أي النبي صلى الله عليه وسلم قال لأنس: هل معه شيء؟ قال: نعم تمرات. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، يعني بللها بريقه عليه الصلاة والسلام، لأن الصبي ما يستطيع في أول أيامه أن يأكل، وإنما هو يعني يشرب أو يدخل الريق أو نحو ذلك، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم بللها بريقه. قال: ثم أخذها من فيه، أي من فم النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلها في فم الصبي، ثم حنكه، أي أدار هذه التمر في فم الصبي، وسماه عبد الله. متفق عليه. قال: وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد، فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود، وهذا بسبب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالبركة، وكذلك تحنيك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له، فبارك الله عز وجل في هذا الولد عبد الله، فتزوج وولد له تسعة من الأولاد، كلهم بررة، كلهم حفظة لكتاب الله سبحانه وتعالى. قال: وفي رواية لمسلم، هذه رواية أيضا فيها تفصيل لهذه الواقعة ولهذه الحادثة. قال: وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. وهذا من رجاحة عقلها، ومن حسن تدبيرها رضي الله تعالى عنها. ما فاجأته بالخبر، وما أفجعته بالخبر، وإنما تدرجت معه كما سيأتي معنا. قال: فقالت: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. فجاء، أي أبو طلحة، فقربت إليه عشاء. ما أصبرها اليوم! ربما لو مات ابن لإحدى نسائنا لوَلت وصرخت، وأسمعت البعيد والغريب، أسمعت البعيد والغريب. فانظر إلى هذه المرأة، هو ابنها، ابنها هي التي ولدت به، ويموت، ومع هذا كأن لم يكن شيء. وهذا غاية في الصبر والرضا بقدر الله سبحانه وتعالى. فقربت إليه العشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، أي تزينت له تزينا أفضل من غيره من التزين الذي يكون في الأيام الأخرى، في الأيام الأخرى. وهذا فيه لفتة للنساء أن تعتني بأمر فراش زوجها، وأن تتزين له، وأن تتودد له، وأن تشبع، تشبع غرائزه، ولا تجعله ينظر إلى غيرها، بحسن تبعلها. قال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، أي جاء معها. فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، هل قالت له: توفي ولدك؟ فاجأته هكذا؟ لا. انظر إلى هذا الأسلوب الذي فيه تدرج في الإخبار بهذه الفجيعة وبهذه المصيبة. فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. كل واحد سيجيب بهذا الجواب. لو مثلا قلت: هذا الكتاب يا أخي أريده، يعني عارة منك تعيرني إياه أقرأ فيه، قلت لك: تفضل. ثم أنا احتجت لهذا الكتاب أو أريد كتابي، فقلت لك: هات الكتاب الذي أعطيتك، هل يجوز لك أن تمنعني؟ فقلت: لما سأعطيك إياه لا، لأنه حقي، أنا الذي أعرتك إياه. فهكذا دخلت له بهذا المدخل وبهذا الأسلوب الذي فيه من التهدئة، وفيه من حسن الإخبار بالفجيعة والمصيبة. فقالت له: أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. فقالت: فاحتسب ابنك. بمعنى أن هذا الابن، أن هذا الابن مثل العارية، من الذي أعطاك إياه هو الله عز وجل، ثم رده إليه سبحانه وتعالى. ولذلك أمرنا عند المصيبة أن نقول ماذا؟ إن لله، أي هو الذي خلقنا، وهو الذي ربانا، وهو الذي أوجدنا، وهو الذي يدبر أمورنا، وإليه المرجع والمصير والمآب، فإن لله وإن إليه راجعون. ما نحن إلا كالإعارة، نعم، متى ما أراد الرب سبحانه وتعالى أن نرجع إليه رجعنا إليه سبحانه وتعالى. فقالت له: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت، بمعنى أن كيف ابني يموت وأنا آكل وأشرب، بل وأتيتك ونحو ذلك، فعد ذلك منافا للحزن الذي ينبغي أن يكون عليه المصاب، لكن هي لها نظرة أخرى في ذلك. قال: ثم أخبرتني بابني. قال: فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره مما كان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله في ليلتكما، بارك الله في ليلتكما، دعا لهما بالبركة. قال: فحملت. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، يعني وقت حملها وقرب وضعها، قرب وضعها لهذا الجنين الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة. قال: وكان صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، أي مع أبي طلحة، وهي مع، وأبو طلحة مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، يعني بمعنى لا يدخلها ليلا إلا إذا أخبر أهله. قال: فدنوا من المدينة فضربها المخاض، فالمخاض يعني آلام الولادة. قال: فاحتبس عليها أبو طلحة، تأخر أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول أبو طلحة يدعو الله عز وجل: إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله سلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، بمعنى أنني ما أحب أن أتأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل مرة وأنا أخرج معه في الغزو وأدخل معه إلى المدينة، فهذا الألم ربما في هذه الغزوة سيكون سببا في تأخره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يحب ذلك، هو ما يحب ذلك. فدعى بهذا الدعاء. فماذا كان تقول أم سليم؟ يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق. يعني أن الله عز وجل خفف عنها، ذهبت آلام ذلك المخاض، ذلك المخاض، ورأت ووجدت نشاطا، فقالت له: انطلق. قال: فانطلقنا، أي أنه دخل المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستجاب الله دعوته. قال: وضربها المخاض حين قدم، أي بعدما دخل المدينة، ضربها المخاض، فولدت غلاما. فقالت لي أمي، أي أنس بن مالك، قالت له أمه أم سليم: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يدخل شيء إلى بطنه إلا ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ذلكم التمر. قال: فلما أصبح ثملته، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تمام الحديث. هذا هو المعنى الإجمالي لهذا الحديث، والحديث فيه فوائد كثيرة، في الدرس القادم إن شاء الله نذكر بعضا من هذه الفوائد. إلى هنا والله تعالى أعلم.