الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع آيات قرآنية تثبت علم الله بكل صغيرة وكبيرة، كسقوط الورق وحبة في ظلمات الأرض، موضحاً أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم. ويخلص إلى أن هذا العلم الدقيق يوجب على العبد مراقبة ربه واستشعار اطلاعه في كل عمل.
يشرح المقطع مراقبة الله الدائمة للعباد مستشهداً بآية ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ وقصص هلاك عاد وثمود وفرعون لعظم ظلمهم. ويذكر آية ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ دالة على علم الله بخفايا النفوس والنظرات الخائنة.
يبيّن المقطع أن الله مطلع على نظرات العيون الخفية كالمحرمات والحسد والكراهية، وعلى ما تخفيه القلوب من أمراض كالكبر والبغض حتى لو أخفاها الإنسان عن الناس. ويستشهد بآيات قرآنية تؤكد علم الله بالسرائر.
يؤكد المقطع على ضرورة مراقبة الله وطهارة العينين والقلوب مما يغضبه، مشيراً إلى أن إيراد الآيات في باب المراقبة يهدف لهذا الغرض. ويذكر أن المؤلف سيتبعها بذكر الأحاديث ذات الصلة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا زلنا فيما ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى في باب المراقبة من أدلة الكتاب. فذكر قول الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، وأخذنا شيئاً من معنى هذه الآية في الدرس الماضي. وهكذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. ثم قال الإمام النووي: وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾، و"شيء" هنا نكرة جاءت في سياق النفي، وهو قوله: "لا يخفى"، لا يخفى. والقاعدة عند أهل الأصول: إن النكرة إذا جاءت في سياق النفي تفيد العموم، فأي شيء لا يخفى على الله سبحانه وتعالى. وقد فصل ربنا عز وجل معنى هذه الآية في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. أي: إلا والله سبحانه وتعالى يعلمه ويكتبه سبحانه وتعالى. فإذا كانت الأوراق الساقطة يعلمها الله، فكيف بالأوراق النامية التي ينبتها ويخلقها ويخلقها؟ فهو بها أعلم سبحانه وتعالى. وتأمل وتدبر قول الله عز وجل: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾. أيضاً "حبة" هنا نكرة في سياق النفي، فهي تفيد العموم: أي حبة في ظلمات الأرض، سواء أكانت هذه الأرض يابسة أو كانت هذه الأرض في قعان البحار. فما تحت هذه الأرض فإن الله سبحانه وتعالى يعلمها. والظلمات التي تغشى هذه الحبة في الأرض التي في البحار: خمس ظلمات. خمس ظلمات: ظلمة الطين المنغمس فيه هذه الحبة، وظلمة الماء في البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب المتراكم، وظلمة المطر النازل. فمع وجود هذه الظلمات الخمس، فإن الله سبحانه وتعالى يعلم هذه الحبة، وإن كانت صغيرة. وكما قال الله عز وجل في ذلكم الحكيم لقمان، وهو يعظ ولده، وهو يعظ ولده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾. أي: يعلمها الله سبحانه وتعالى. فإذا كان عز وجل يعلم هذه الدقائق، فكيف بما هو أكبر وبما هو أعظم؟ فهذا يوجب على العبد أن يراقب ربه، وأن يستشعر في أي عمل يقدم عليه. وإذا سولت له نفسه أن يقتحم المحرمات، أو أن كذلك ينتهك الحرمات، فليستشعر أن الله عز وجل يراه، وأن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه. فيوجب هذا الاستشعار من العبد له الخوف من الله، والابتعاد عما يغضب الله سبحانه وتعالى. وذكر المؤلف أيضاً من هذه الآيات التي هي في باب المراقبة: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. وهذه الآية ذكرت في سياق هلاك بعض الأمم، هلاك بعض الأمم في سورة... السورة التي قرأها علينا الإمام في صلاة العشاء، في سورة الفجر: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. أي: إن الله عز وجل يرصد كل عمل هؤلاء الظلمة، فهو سبحانه وتعالى بالمرصاد لكل طاغية، وأن كل طاغية فإن الله يقصم ظهره ويبيده، ولا يبقي له باقية. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، أي: ذات البيوت العظيمة المبنية على العمد القوية. أعطاهم الله عز وجل قوة شديدة، لكنهم استكبروا في الأرض، وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. اغتروا بقوتهم إلى هذا الحد، فقال الله عز وجل لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وهكذا ثمود الذين جابوا الصخرة بالواد، هؤلاء الذين شقوا الجبال ونحتوا الصخور، ليدل ذلك على قوتهم وعلى كذلك صلابتهم. ومع هذا لما طغوا وتكبروا أهلكهم الله. وهكذا فرعون، ذلكم الطاغية الذي ادعى الربوبية وادعى الألوهية، وسام بني إسرائيل سوء العذاب، فأهلكه الله سبحانه وتعالى. فالآية فيها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، أي: أن الله عز وجل مطلع على أعمال هؤلاء، فبظلمهم أهلكهم الله. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، فوكأي من قرية أهلكناها لما ظلموا. فالله سبحانه وتعالى رصد أعمالهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. فلما كثرت ذنوبهم وأبوا الاستجابة لأمر ربهم، أخذهم الله عز وجل بذنوبهم. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. ثم ذكر المؤلف أيضاً آية ثالثة، وهو قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. سبحانه وتعالى. وما هي خائنة الأعين؟ خائنة الأعين: أي خيانتها، الخيانة التي تصدر من الأعين. فالمراد بذلك: أن الإنسان ينظر إلى الشيء، ولا تظن أنه ينظر إليه نظراً محرماً، ولكن الله عز وجل يعلم. مثلاً: الآن أن تجالس في مجلس، وهذا المجلس مثلاً في الشارع، في مارة الناس، فيمر مثلاً بعض النساء أو بعض الأولاد الصغار أو نحو ذلك، فتجد مثلاً أحدهم ينظر دون أن يشعر الجالسون بنظره. فهذه خائنة الأعين: ينظر نظراً محرماً، وما يدري من حوله أنه نظر هذه النظرة المحرمة. لكن هل الله عز وجل يعلم؟ نعم، يعلم هذه النظرات: هل هي نظرات محرمة أو غير محرمة؟ هل هي نظرات فيها حسد وكراهية أو ليست كذلك؟ يعلم الله سبحانه وتعالى. قد تنظر إلى إنسان نظر غضب وكراهية، وما يشعر من حولك أن هذه النظرة نظرة غضب أو كراهية، لكن الله عز وجل يعلم سبحانه وتعالى. والآن في عالم هذه الجوالات: أنت جالس مع جوالك، ربما بين الناس، تنظر إلى أشياء محرمة، ومن حولك ما يعلم ماذا ترى وماذا تنظر، أنه بعيد منك. بل الآن، ومن عجائب هذا الجوال، أنهم أتوا بلاصق ما يسمى بي الحماية، حماية الشاشة. هذا اللاصق ما يستطيع الذي بجانبك أن ينظر ماذا ترى، يعني ما يستطيع أن ينظر إلا من أمام هذه الشاشة، أما من عن يمينه ومن عن شماله ما يستطيع أن ينظر، لأن هذه الشاشة يعني يتسلف ضوءها على الرأي فقط دون من بجانبه. فأنت لربما تنظر إلى أشياء محرمة، ومن حولك ما يشعر، لكن الله عز وجل يعلم، يعلم ما ترى، ويعلم خائنة هذه العين. فهذه هي خائنة الأعين: ما تنظر من أشياء محرمة، كالنظر إلى النساء، أو نظرة كراهية، أو نظرة حسد، أو نحو ذلك. فإن لم يشعر من حولك بحقيقة هذه النظرة، فإن الله عز وجل يعلم. وكذلك قوله: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. ما تخفي الصدور: أي ما تخفي القلوب، ما تخفي القلوب. لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. فالقلب في الصدر. وكما قال سبحانه وتعالى أيضاً في كتابه الكريم، ونعم في سورة العاديات: قال سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. أحسنت: ﴿وَيُحْصَلُ مَا فِي الصُّدُورِ﴾. أي: ما في القلوب، ما في القلوب. فالله سبحانه وتعالى يعلم ما تخفيه هذه القلوب: ماذا فيها هذه القلوب؟ هل فيها حسد؟ هل فيها كبر؟ هل فيها بغض؟ هل فيها... هل فيها؟ فالله سبحانه وتعالى يعلم ما فيها. فإن أخفيت ما في صدرك عن الخلق، فلا يخفى على الله، لا يخفى على الله سبحانه وتعالى منها شيء. فهذا يوجب علينا أيها الأحبة أن نراقب الله سبحانه وتعالى، وأن نطهر أعيننا، وأن نطهر قلوبنا من كل ما يدنسها، ومن كل ما يغضب ربها سبحانه وتعالى. هذا هو المراد من إيراد المؤلف لهذه الآيات في باب المراقبة. ثم سيشرع المؤلف رحمه الله في ذكر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى.