شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 11

شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 11

الدرس في شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح دعاء الرضا بالله رباً والإسلام ديناً وبمحمد نبياً

يستعرض المقطع حديث ثوبان عن دعاء الصباح والمساء: «رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً»، ويبين معانيه ولوازمه من الرضا بقضاء الله والانقياد للتوحيد. ويؤكد الوعد بأن من قاله ثلاثاً أصبح حقاً على الله أن يرضيه ويدخله الجنة.

لوازم الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأذكار الصباح والمساء

يبيّن المقطع أن الرضا بمحمد نبياً يستلزم اتباعه والحذر من مخالفته والعمل بشريعته وحدها مع الإخلاص. كما يذكر دعاء الصباح والمساء ودعاء النبي لابنته فاطمة مستحضراً أسماء الله الحي القيوم.

قاعدة الأذكار المطلقة والمقيدة وعددها

يشرح المقطع معنى دعاء «أصلح لي شأني كله» كتبرؤ من الحول والقوة وإرجاع الأمر لله. ويبين قاعدة الأذكار: المطلق مرة واحدة، والمقيد بعدد يقال بذلك العدد توقيفاً.

خاتمة الدرس وحث على الالتزام بالأدعية الصباحية والمسائية

يختتم المتحدث بذكر الأدعية الصباحية والمسائية ويحث نفسه وإخوانه على العمل بها والحرص على أدائها. ويدعو الله أن يوفقهم لما يحب ويرضى ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: من أذكار الصباح والمساء ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، ويحسنه العلامة ابن باز في تحفة الأخيار، من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من عبد مسلم يقول حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، إلا كان حقاً على الله أن يرضيه». وفي لفظ: «فأنا الزعيم لآخذن بيده حتى أدخله الجنة». واللفظ الثاني رواه الطبراني، وحسنه الألباني. فهذا الذكر وهذا الدعاء أيضاً من أذكار الصباح والمساء كما هو نص هذا الحديث. ومعنى هذا قولك: رضيت بالله رباً، أي خالقاً ومدبراً ومقدراً. فمن لوازم الإيمان أو الرضا بالله رباً أن يرضى المسلم بما قدر الله عز وجل له وقضاه عليه. ومن لوازم الرضا بالله رباً كذلك الرضا بتدبير الله سبحانه وتعالى لك، فهو أعلم بما يصلحك وما ينفعك سبحانه وتعالى. ومن لوازم كذلك الرضا بالله رباً أن تعبده وحده، لأن من لوازم الربوبية العبودية والألوهية لله عز وجل وحده. وهذا كثير في القرآن، يلزم الله عز وجل الكافرين الذين لم يعبدوه ولم يخضعوا له، يلزمهم بالربوبية، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فإذن هذا كله من لوازم الرضا بالله رباً. وهذا مناسب أن يقوله المسلم في كل صباح ومساء، أن يوكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يرضى بربوبية الله عز وجل من تدبيره وقضائه وعطائه ومنعه، وكل ما يتعلق بتدبير الرب سبحانه وتعالى. وقوله: بالإسلام ديناً، أي كذلك رضيت بهذا الإسلام ديناً. هذا الإسلام الذي رضيه الله عز وجل لنا فنحن نرضاه لأنفسنا، كما قال الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. ألا نرضى بما رضيه الله عز وجل لنا؟ فمن لوازم الرضا بالإسلام ديناً الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك والبدع وأهلهما. هذا من لوازم الرضا بالإسلام ديناً. كذلك من لوازم الرضا بالإسلام ديناً العمل به والدخول فيه كافة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي خذوا بالإسلام من جميع جوانبه، لا تعمل بجانب وتترك الجانب الآخر. فهذا أيضاً من لوازم الرضا بالإسلام ديناً. وقوله: وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، أي وكذلك رضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً. ومن لوازم الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً العمل بسنته، وهكذا الانقياد لأوامره عليه الصلاة والسلام. وأيضاً من لوازم الإيمان أو لوازم الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً كذلك أن تتبعه، وأن تحذر من مخالفته، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وهكذا من لوازم الرضا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبياً أن لا تعمل إلا بشريعته، ولا تتقرب إلى الله عز وجل بغير هديه. كل هذا من لوازم الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً. فجمع هذا الحديث ركني الإسلام، وهو الإخلاص والمتابعة. الإخلاص في قولك: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، فلا تتوجه ولا تتعلق القلوب إلا بالله سبحانه وتعالى وحده، ولا تستسلم إلا لدينه الإسلام. وهكذا الركن الآخر وهو المتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. فهو حديث عظيم يناسب أن يعاهد المسلم ربه بالثبات على هذه الأصول العظيمة، فيرضى بما رضيه الله عز وجل لنا. فهذا من أذكار الصباح والمساء، يقال ثلاث مرات في الصباح، وثلاث مرات كذلك في المساء: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً. ومن يقول ذلك ينبغي أن يكون صادقاً في قوله ذلك، فيوافق قوله فعله وعمله، فلا يخالف ما تدل عليه هذه المعاني الثلاثة. وأيضاً من أذكار الصباح والمساء ما جاء عند النسائي والبزار والحاكم، وحسنه العلامة الألباني، من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنته: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وهذا أيضاً حديث عظيم ودعاء مبارك ينبغي للمسلم أن يحافظ عليه في كل صباح ومساء. صلى الله عليه وسلم أوصى به ابنته فاطمة التي هي قطعة منه، والتي كان يقوم لها عليه الصلاة والسلام إذا دخلت عليه، ويرحب بها: «مرحباً بابنتي». فأوصاها بهذه الوصية العظيمة، وبهذا الدعاء المبارك، وبهذا الذكر العظيم: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم». هذا من باب التوسل بأسماء الله وصفاته، فذكر في أول هذا الدعاء باسمين عظيمين من أسماء الله عز وجل، وهما الحي والقيوم: يا حي يا قيوم. فهو الذي لا يغفل عن عباده، لا تأخذه سنة ولا نوم، فهو حي يعلم ويسمع ويرى عباده وما يحتاجون إليه، فهو ربهم وهو مدبرهم وهو رازقهم وهو راحمهم سبحانه وتعالى. ولذلك قرن الحي بالقيوم، فهو قائم بنفسه سبحانه وتعالى، وقائم بخلقه عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. دائماً ما يقترن اسم الحي بالقيوم، بينهما من التلازم، فحياة الله عز وجل هي التي بها يقوم على العباد سبحانه وتعالى. وقوله: برحمتك أستغيث، كذلك فيه ذكر صفة الرحمة، والاستغاثة هو طلب أو الدعاء برفع المكروه. وقوله: أصلح لي شأني كلها، أصلح لي أموري كلها، كل ما يكون صلاحاً لي أصلحه لي. ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يعني لا تجعلني أوكل إلى نفسي الضعيفة. وإنما وكلت أمري إليك. وهذا فيه التبرؤ، تبرؤ العبد من حوله وقوته، وإرجاع الحول والقوة إلى الله سبحانه وتعالى. وإذا أصلح الله عز وجل لك شأنك فأي سعادته في الدنيا والآخرة. فقوله هنا: ﴿أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ﴾، من ألفاظ العموم، فيشمل كل ما يكون فيه صلاح للعبد من أمور دينه، وكذلك من أمور دنياه. فأكد هذا الشأن بأنه في كل شؤونه الدينية والدنيوية، الأسرية والاجتماعية والمعيشية، ويشمل كل ما فيه صلاح للعبد. فلذلك أكده بقوله: أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يعني لا تجعل أمري إلي ولو في لحظة أو في شيء من أعمالي، بل كل ما يتعلق بتدبير أمري فهو بحولك وقوتك، فلا حول لي ولا قوة. فهو دعاء أيضاً عظيم يحتاج إليه المسلم في كل صباح ومساء، لأن العبد بحاجة إلى إصلاح أموره وشؤونه التي تكون في صباحه ومسائه. فيكثر المسلم من هذا الذكر، ولم يأت في هذا الذكر عدد معين، فيقال مرة واحدة. وهذه القاعدة في الأذكار: الأصل إذا جاء الذكر أو الدعاء أن يقال مرة واحدة، وإذا خرج عن هذا الأصل لا بد أن يذكر بعدد، مثل ما مر معنا في الحديث المتقدم: رضيت بالله رباً، جاء فيه ذكر ثلاث. وهكذا غيرها من الأذكار التي مرت معنا، كقولنا مثلاً: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات. وهكذا غيرها من الأذكار التي حددت بعدد، سواء كان ثلاث أو عشر أو سبع، مثل قولك كذلك مر معنا: «حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» يقال سبع مرات. فما ورد في الأحاديث مقيد بعدد فيقال بهذا العدد، ويتعبد لله عز وجل بهذا العدد، ولا يزاد عليه في الأذكار المقيدة. وما ذكر مطلقاً دون ذكر عدد فالأصل أن يقال مرة واحدة، كهذا الذكر وغيرها من الأذكار. وبهذا نكون قد أتينا على غالب أذكار الصباح والمساء، وما يتعلق بها من معاني ومن شرح وفوائد. فينبغي للمسلم أن يحرص على هذه الأذكار، فهي بمثابة الحصن الحصين والدرع الواقي للعبد من الشرور ومن الآفات ومن الأضرار. فينبغي للمسلم أن يحرص على مثل هذه الأذكار النبوية. فلله الحمد والمن، في دروسنا هذه الرمضانية قد أتينا على غالبها، وقد اعتنى العلماء بذكر هذه الأذكار وجمعها وحصرها، وغالبها مما صحت به الأحاديث. وما ذكرنا لكم إلا ما اعتمده العلماء المحققون، كالشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ الوادعي وغيرهم من علماء الحديث، ممن حكموا على هذه الأحاديث التي خارج الصحيحين إما بالصحة وإما بالحسن، والحجة والحجية. فلله الحمد والمن، ينبغي للمسلم أن يعتني بها. وقد ألف العلماء فيها، كما تقدم: فتحفة الأخيار للشيخ ابن باز تعد من أفضل ما ألف في أذكار طرفي الليل والنهار، ومنها أذكار الصباح والمساء. وكذلك غيرها من الكتب التي لعلها ذكرت كثيراً من هذه الأذكار، لكن بعضها في الصناعة الحديثية لا يثبت، ولذلك أعرضنا عنها ولم نذكرها. فحسبنا ما ذكرنا من هذه الأدعية في صباحنا ومسائنا، وأحث نفسي وإخواني على العمل، وعلى كذلك الحرص على الإتيان بها. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. وإلى هنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. شكراً، شكراً، شكراً.