إن تنصروا الله ينصركم

المحاضرة بعنوان إن تنصروا الله ينصركم، وكانت بمسجد الخير بالخزان - الشحر ١٨ صفر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شروط النصر وأسباب التمكين في ضوء قوله تعالى: إن تنصروا الله ينصركم

توضح المحاضرة أن نصر الله مشروط بنصرة دينه عبر الإيمان والعمل الصالح وإخلاص التوحيد، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإقبال على الآخرة. وتستدل بآيات قرآنية وحديث نبوي يبين أن ضعف المسلمين سببه تقديم الدنيا على الآخرة، وأن النصر الخاص والعام لا يتحقق إلا بتحقيق هذه الصفات.

أسباب ذل المسلمين وعلاجها: حب الدنيا وترك الجهاد

يشرح المقطع حديث «يوشك أن تداعى عليكم الأمم» مبينًا أن كثرة العدد لا تنفع مع «الغثائية» الناتجة عن حب الدنيا وكراهية الموت، ويستدل بحديث ابن عمر على أن التعلق بالربا والزرع وترك الجهاد يجلب الذل الذي لا يرفع إلا بالرجوع إلى الدين. ويؤكد حديث النبي الغازي أن الانشغال بالدنيا يمنع النصرة والتمكين، فالعزة تكون بالتمسك بالعقيدة والشريعة والعمل للآخرة.

بشارات النصر وتمكين الدين والأخذ بأسباب العزة مع قصة غزوة الأحزاب

يستعرض المقطع بشارات النبي صلى الله عليه وسلم بانتشار الإسلام وبلوغه مشارق الأرض ومغاربها، ويؤكد أن النصر مشروط بالأخذ بالأسباب الشرعية من عقيدة صحيحة وعلم وأخلاق، لا بالنتائج العاجلة. ويضرب مثلًا بغزوة الأحزاب حيث استبشر النبي بالنصر رغم شدة الحصار والابتلاء، مبينًا أن النصر من عند الله لمن أقام أسبابه وصبر وتوكل.

قصص النصر الإلهي في القرآن: نوح عليه السلام وأهل القرية

يتناول المقطع نماذج من النصر الإلهي في القرآن، بدءًا ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح الشام والعراق واليمن أثناء حفر الخندق، ثم يقين الصحابة بالنصر في أحزاب وبدر، وقصة نوح عليه السلام الذي دعا قومه 950 سنة فلم يؤمن إلا قليل، فاستنصر ربه فأهلك الله المكذبين ونجى نوحًا ومن معه في السفينة، وجعل ذريتهم الباقين، وقصة أهل القرية في سورة يس الذين كذبوا الرسل الثلاثة وقتلوا الناصح لهم، فاستحقوا العذاب، مبينًا أن النصر يكون بالصبر والثبات على الدعوة لا بالكثرة العددية.

نصر الله للأنبياء وعاقبة المكذبين وقصة أصحاب الأخدود

يوضح المقطع كيف نصر الله أنبياءه بإهلاك المعارضين لهم بصيحة واحدة، ويبين تحسر الله على العباد الذين استهزؤوا بالرسل، كما يشير إلى قصة أصحاب الأخدود التي فصلها النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، فكما سمعتم في إعلاني هذه المحاضرة أنها بعنوان: «إن تنصروا الله ينصركم». وهذه الآية فيها القاعدة المشهورة التي يذكرها العلماء، وهي: الجزاء من جنس العمل. فمن أراد النصر والعزة والتمكين، فلا يكون ذلك إلا بهذا الشرط: «إن تنصروا الله». ونصر الله سبحانه وتعالى إنما يكون بنصرة دينه، بامتثال أمره واجتناب نهيه والاستقامة على شرعه. فالله عز وجل لا يحتاج منا إلى نصرة ذاته سبحانه وتعالى، فهو الغني الحميد، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وإنما المراد بنصر الله سبحانه وتعالى كما تقدم: نصرة دينه بامتثال أمره واجتناب نهيه والاستقامة على شرعه. ولذلك بيَّن لنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه صفات الموعودين بالنصر، فقد ذكر لهم ربنا سبحانه وتعالى صفات كثيرة في كتابه، فمن ذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. ففي هذه الآية ذكر ربنا عز وجل صفات عدة للموعودين بنصره وتمكينه وعزه سبحانه وتعالى، فمن تلك الصفات: الإيمان والعمل الصالح. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلا نصر للمسلمين إلا بالإيمان والعمل الصالح. وهكذا في آخر الآية ذكر صفة أخرى من صفات الموعودين بنصر الله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فلا يمكن أن ينتصر المسلمون وبينهم مظاهر الشرك، وفيهم من علَّق قلبه بغير الله سبحانه وتعالى، فيهم من يدعو غير الله، أو من يستغيث بغير الله، أو من يذبح لغير الله، أو من ينذر لغير الله، أو نحو ذلك من العبادات. فلا نصر إلا بتحقيق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. بهذا يكون النصر، أيها المسلمون، عباد الله. ولا تظن أن النصر هو النصر العام الذي يقع لعموم الأمة، بل قد يكون النصر الخاص: نصرك على نفسك الأمارة بالسوء، وقبل ذلك نصرك على العدو الأكبر: الشيطان الرجيم. وهكذا نصرك على شياطين الإنس والجن لا يكون ذلك إلا بما تقدم: بالإيمان، بالعمل الصالح، بعبادة الله عز وجل، بنبذ الشرك بجميع أنواعه وأشكاله. بهذا ينصر الله سبحانه وتعالى عباده. وهكذا آية أخرى يبين لنا ربنا فيها صفات الموعودين بنصره سبحانه وتعالى، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وهذه الآية هي نظير ما سبق ذكرها، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. فقال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ما هي الآية التي بعد هذا؟ ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. فدل ذلك على أن من صفات الموعودين بنصر الله أولها: إقامة الصلاة. لم يقل: أداء الصلاة، وإنما قال: إقامة الصلاة، ليدل ذلك على الإتيان بها بشروطها وأركانها وواجباتها، وأن لا يفرط المسلم في شيء من إقامتها. فهذه من صفات الموعودين بالنصر والتمكين: الاهتمام بأمر الصلاة. وقد علم أعداء الإسلام ذلك، فحرصوا كل الحرص على أن يشغلوا المسلمين عن هذه الصلاة بالشهوات تارة، وبالشبهات تارة أخرى. فإذا رأيت المسلمين يعظمون شأن الصلاة ويحرصون على المحافظة عليها، فاعلم أن هذه بشارة لقرب نصر الله سبحانه وتعالى لهم، لأنها من صفات الموعودين بنصر الله سبحانه وتعالى. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، فجمعوا بين العبادات العملية والعبادات المالية، لم يبخلوا بأموالهم، فأدوا الصدقات الواجبة والصدقات المستحبة: ﴿آتَوُا الزَّكَاةَ﴾. وهكذا: ﴿أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. هذه الشعيرة العظيمة التي متى ما ضيعت في مجتمعات المسلمين كان ذلك سببًا في ضعفهم، وفي هوانهم، وفي هزيمتهم. فمن صفات الموعودين بنصر الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والقيام بهذا الواجب العظيم الذي جعله بعض أهل العلم ركنًا سادسًا من أركان الإسلام لأهميته، ولأن الدين لا يقوم إلا بهذا الأمر، ألا وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذه من صفات الموعودين بنصر الله سبحانه وتعالى. وهكذا لنعلم، أيها المسلمون، عباد الله، أن من صفات الموعودين بنصر الله عز وجل، وهي أسباب للنصر وأسباب للعزة والتمكين: الإقبال على الآخرة، الإقبال على الآخرة والتعلق بالدار الآخرة. فمتى ما قدم المسلمون الدنيا على الآخرة وآثروها، فهذا دليل على هزيمتهم، ودليل على ضعفهم وهوانهم. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم فيما جاء في أحداث غزوة أحد، ولما خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما رأوا المسلمين يغنمون تركوا أماكنهم، تركوا أماكنهم، فذكرهم أميرهم عبد الله بن جبير أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لنا: «لا تبرحوا من أماكنكم ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير»، فلم يستجيبوا، فخرجوا من أماكنهم، فجاء العدو، وكان ما كان في نهاية هذه الغزوة، فأبتلي المؤمنون بلاء عظيمًا، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعاتب ربنا عز وجل هؤلاء فقال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. فنحذر، أيها المسلمون، من أن يكون شغلنا الشاغل وهمنا الأكبر هو هذه الدنيا، فنتداعى عليها ونتكالب عليها، فهذا دليل الهزيمة، ودليل الذل والهوان. فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». «يوشك» يعني: يقرب. «أن تداعى عليكم الأمم» والتداعي هو الاجتماع، بأن يدعوا بعضهم بعضًا. والمراد بالأمم: الأمم الكافرة. وهذا الحديث يعد دلالة من دلائل النبوة، إذ أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أمر غيبي فوقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام. «يوشك أن تداعى عليكم الأمم» أي: تجتمع وتدعو بعضها بعضًا، لا عن كلفة ولا عن نفرة، إنما عن اجتماع وكذلك تقارب فيما بينهم. «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». «الأكلة»: جمع آكل. كما يدعو بعض الأكل بعضًا ليأكلوا من هذه القصعة التي يوضع فيها الطعام، فالكل يجتمع على هذه القصعة فيأكلون، لا عن عداوة ولا عن كراهية، وإنما عن اجتماع واتفاق. فهكذا شبه النبي عليه الصلاة والسلام تداعي واجتماع ملل الكفر على أهل الإسلام بهذا التشبيه البليغ: كالأكلة عندما تجتمع على قصعتها يأكلون منها. فقال قائل من الصحابة: يا رسول الله، أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ لماذا تجتمع علينا ملل الكفر ودول الكفر؟ هل نحن قليل فيستهينون بنا لقلتنا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، بل أنتم يومئذ كثير، أكثر منهم». إذن ما هو الخلل الذي به تكالب علينا هؤلاء الأعداء واجتمعوا علينا، وكذلك أذلونا وتسلطوا علينا؟ ما هو السبب؟ فقال: «ولكنكم غثاء كغثاء السيل». «غثاء كغثاء السيل»: يعني ما عندكم القوة المعنوية ولا القوة الحسية، ما عندكم إيمان، ما عندكم توكل على الله، ما عندكم إقبال على الآخرة، غثاء كغثاء السيل. وهكذا ما عندهم قوة حسية من الإعداد الذي أمر الله عز وجل به. «ولكنكم غثاء كغثاء السيل». فبسبب هذه الغثائية قال عليه الصلاة والسلام: «ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم». ما يهابون المسلمين لأن المسلمين ما عندهم القوة التي بها ينتصرون على هؤلاء الأعداء. «وليقذفن في قلوبكم الوهن». ما هو هذا الوهن؟ يعني: الضعف. ما هو هذا الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». حب الدنيا: الدنيا وقعت في قلوبهم فآثروها، فكيف يخرجون إلى الجهاد وكيف يعدون لهؤلاء الأمم التي اجتمعت عليهم؟ وهكذا كره الموت، فكيف يخرجون للجهاد في سبيل الله؟ فهذا الحديث يعد علمًا من أعلام النبوة، وقد صححه العلامة الألباني بمجموع طرقه، كما في عدة من كتبه، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فهكذا ينبغي علينا ألا نؤثر هذه الدنيا وتكون أكبر همنا ومبلغ علمنا، ولا نلقي لقلوبنا بالًا، ولا نلقي لديننا بالًا، ولا نلقي كذلك لدعوتنا بالًا، بل ينبغي علينا أن نعطي الدنيا ما به يعيننا على أمر آخرتنا، وعلى أمر كذلك إقامة ديننا. وهكذا مما يدل على أن التعلق بالدنيا سبب للهزيمة وسبب للذل وسبب للهوان، ما جاء كذلك من حديث ابن عمر عند الإمام أحمد وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم، حتى ترجعوا إلى دينكم». «إذا تبايعتم بالعينة»: وهو نوع من أنواع الربا، نوع من أنواع الربا، وما تعامل به ذلك المتعامل إلا من أجل هذه الدنيا الفانية. وهذا النوع: أن تشتري سلعة من شخص بألف مثلًا، فيشتريها منك نفس هذا البائع، فيشتريها منك يعني: تردها له بتسعمائة، فقد كتب عليك ألف، فيأخذ عليك مئة مقابل أنه اشتراها منك. فهذا نوع من أنواع الربا، وما فعل ذلك المشتري إلا ليكسب المال ولو بهذه الطريقة المحرمة. «وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع»: هذا كناية على التعلق بالزراعة، وهي نوع من أنواع التعلق بالدنيا، فيكون هم أولئك: الحرث والزرع والبذر، وهكذا حصاد ما تنتجه هذه المزارع أو تلك البساتين، كناية عن التعلق بالدنيا. «وتركتم الجهاد في سبيل الله»: تركتم الجهاد في سبيل الله، ينادي منادي الجهاد لمقاتلة أعداء الإسلام. المراد بالجهاد: الجهاد الشرعي القائم على فتاوى كبار العلماء، وأن هذا جهاد شرعي. ولله الحمد في هذا الزمان بين فترة وأخرى يفتح هذا الجهاد، كما الآن في محاربة الرافضة في اليمن وفي غيرها، فقد أفتى كبار العلماء بأن هذا الجهاد من الجهاد الشرعي، وبارك الله عز وجل في هذه الفتاوى، وظهرت نتائجها كما في انتصارات عدن وفي غيرها، ولله الحمد والمن. فإذا ترك المسلمون الجهاد في سبيل الله وتخاذلوا عن هذه الشعيرة العظيمة، فهذا دليل الذل والهوان، وذليل الهزيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: «سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». يعني: حتى ترجعوا إلى دين الله سبحانه وتعالى. فليس من دين الله التعامل بالربا، وليس من دين الله التعلق بالدنيا وإيثارها على الآخرة، وليس من دين الله سبحانه وتعالى ترك الجهاد، وليس من دين الله عز وجل البعد عن مجالس العلم ومجالس الذكر ومجالس الفقه في الدين. فمتى ما رجع المسلمون إلى دينهم عقيدة وشريعة، فإن الله سبحانه وتعالى ينصرهم. وهذه دعوة أهل السنة منذ عرفناها: دعوة إلى أن يرجع الناس إلى دينهم، إلى أن يرجع الناس إلى دينهم في العقيدة، في كذلك العبادات، في المعاملات، في الأخلاق. تدعو دعوة أهل السنة والجماعة إلى الرجوع على ما كان عليه السلف الصالح، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. هذه هي دعوة أهل السنة والجماعة: ليست دعوة قتل وقتال بين المسلمين، وليست دعوة التفجير، وليست دعوة التكفير، وليست دعوة سياسة وانتخابات وديمقراطية، إنما هي دعوة علم وتعليم، دعوة تنادي جميع المسلمين بالرجوع إلى دينهم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه. فينبغي علينا أن نعلم ذلك: أنه لا نصر لنا ولا عز لنا إلا بالرجوع إلى دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا مما يدل على أن المتعلق بالدنيا لا يرجى منه نصر دين الله سبحانه وتعالى، الذي قد تعلق بالدنيا لا يرجى منه نصر لدين الله سبحانه وتعالى، يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «غزا نبي من الأنبياء، فقال: لا يتبعني ثلاثة، لا يتبعني ثلاثة: رجل ملك بضع امرأة، رجل ملك بضع امرأة ولما يبنِ بها، فيريد أن يبني بها». «بضع امرأة»: البضع يطلق على الفرج، ويطلق على النكاح، ويطلق على الجماع. فهذا الرجل ملك هذه المرأة يعني: عقد عليها، ولكن ما بنى بها يعني: ما دخل عليها. قال: «لا يتبعني هذا لأنه متعلق بهذا الأمر». «وقال: ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها». عنده بيوت ما سقفها بعد، يريد أن يسقفها، فهذا لا يتبعني لأنه متعلق بهذا الأمر، فماذا سيصنع إذا خرج؟ «وهكذا قال: ولا أحد اشترى غنمًا أو خليفات وهو ينتظر ولادتها». اشترى غنمًا أو خليفات، والخليفات: هي النوق التي قرب نتاجها يعني: ولادتها، فهذا متعلق بهذه الخليفات أو بتلك الغنم. قال: «لا يتبعني هذا». فهكذا ينبغي علينا أن نضع الدنيا في أيدينا، أن يكون همنا الآخرة، إن أردنا النصر، وإن أردنا التمكين، وإن أردنا العزة من الله سبحانه وتعالى. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إنكم تسمعون وإنكم تشاهدون ما وصل إليه المسلمون من الذل والهوان بين الأمم، ومن تسلط أعداء الإسلام على أهل الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن هذا الحال لا يبعث في نفوسنا اليأس، لا يبعث في نفوسنا اليأس، بل نسعى إلى اتخاذ الأسباب الشرعية التي وعدنا الله عز وجل إن قمنا بها وإن حققناها أن ينصرنا ربنا سبحانه وتعالى. وهناك أحاديث كثيرة تبعث على التفاؤل، وأن النصر لهذا الدين، أن النصر لهذا الدين. جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها». «زوى»: يعني جمع لي الأرض حتى رأى المشارق والمغارب، والله عز وجل على كل شيء قدير. «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها». هذا الحديث فيه بشارة عظيمة إلى انتشار هذا الدين، وإلى نصرة هذا الدين بإذن الله سبحانه وتعالى. وهكذا أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليبلغن هذا الدين، ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار». أين يبلغ الليل والنهار؟ في كل مكان، في كل مكان تجد الليل والنهار، فإن هذا الدين سيصل إلى كل مكان بإذن الله سبحانه وتعالى. «ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا وسيدخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل: عزا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلا يذل الله به الكفر وأهله». فهذه بشارات من النبي عليه الصلاة والسلام تبعث على التفاؤل، وتبعث على الاستمرار في دعوة المسلمين إلى الأخذ بأسباب النصر والعزة والتمكين: الأسباب المعنوية والأسباب الحسية. ألا فلنثبت على هذا المنهج القويم الذي عليه أهل السنة والجماعة: دعوة المسلمين إلى العلم والتعليم، إلى العقيدة الصحيحة، إلى الأحاديث النبوية الثابتة، إلى العبادات التي شرعها لنا ربنا سبحانه وتعالى من غير إحداث ولا بدع وخرافات. وهكذا دعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وإلى المعاملات الطيبة الحسنة. فبهذا ترى الثمرة في مجتمعات المسلمين. ولا تستعجل الثمرة، قد لا تدرك هذا النصر، يأتيك الموت ولم تدرك هذه البشارات التي بشر بها النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنك تُعذر إذا أنت قمت بما أوجب الله عز وجل عليك. ولقد كان العلامة الألباني عليه رحمة الله كثيرًا ما يترنم بهذين البيتين لذلك الشاعر الجاهلي امرئ القيس: «بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقَانِ بِقَيْصَرَ فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَبْكِ عَيْنَكَ إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرْ». المهم: أن تكون على الجادة، أن تكون على الطريق المستقيم، والله عز وجل يتولى أمرك، ويتولى أمر أمتك. فع علينا، عباد الله، أن نتخذ هذه الأسباب التي بها عزنا ونصرتنا وتمكيننا، وكذلك رفعتنا. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى. أكتفي بما قلت، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. وأترك المجال لأخي الفاضل أبي همام، وقد أخذت الوقت الكثير، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وعنكم أجمعين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد سمعنا من أخينا أبي معاد، حفظه الله تعالى، خيرًا كثيرًا في هذا الموضوع، وهو في قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. فذكر لنا، حفظه الله، كثيرًا من أسباب النصر التي من تعلق بها جاءه النصر من الله سبحانه وتعالى، لأن النصر إنما هو من الله، وما النصر إلا من عند الله. وكما أيضًا قال الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. فربنا جل وعلا تكفل بالنصر، تكفل سبحانه وتعالى بالنصر، فما على العبد إلا أن يسلك أسباب النصر التي تجعل الله عز وجل ينصره. فلذا فليست حقيقة النصر أو النصر معلق بنتائج، أو معلق بغلبة، أو معلق بشيء من هذه الأمور التي ليست أمورًا شرعية. أقصد: أنه ما بيّنه الله عز وجل. لأن مثلًا: الغلبة، الغلبة أحيانًا تكون للكفار، مثلًا: الغلبة على... أحيانًا تكون الغلبة للكفار على المسلمين، فهل معنى ذلك أن الكفار أقاموا الدين؟ لا. أحيانًا... أحيانًا تكون للمسلمين، للمسلمين ليس أيضًا النصر يكون بالنتائج، وإنما النصر من عند الله جل وعلا. من أقام أسبابه، ونصر الله جل وعلا بنصر دينه، وبنصر كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلا... صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي ينصره الله، فهذا الذي ينصره الله. وفي هذا المقام، إن شاء الله تعالى، تكملة لهذا الموضوع، نذكر بعض القصص في القرآن التي قد توضح لنا حقيقة هذا الأمر، وهو نصر الله جل وعلا، ونذكر أيضًا إن شاء الله تعالى... لذا هناك وقت أيضًا بعض الأحاديث التي تبين لنا نصر الله جل وعلا. لأن النصر أحيانًا يدركه شخص المؤمن، يدركه قبل وقوعه، قبل وقوعه يدركه وهو بالصبر واليقين والثبات، وغيرها من الأسباب التي ذكرت. إذا تحققت الأسباب جاء النصر. انظروا إلى غزوة الأحزاب، غزوة الأحزاب: شيء عجيب حصل من النبي صلى الله عليه وعليه أصحابه، التي تكالبت عليهم الأعداء. جاءت قريش وغطفان، وجاءت قريش بأحابيش معها، وأيضًا اجتمع معهم كثير من أهل الكفر، وكذلك أزد على ذلك أن بني قريظة قد نقضوا العهد من الداخل. بني قريظة قد نقضوا العهد من الداخل، وتزامنوا مع هؤلاء الكفار، هم اليهود، لكن اتفقوا مع المشركين، مع أنهم كان عندهم عهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، لكن كأنهم وجدوا فرصة مع هذا الموقف الرهيب الذي وصفه الله عز وجل بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. هذا وصفه الله عز وجل: الموقف الرهيب العظيم. يعني: أولاً: خوف من الجوع الذي أصابهم للحصار، وكذلك أيضًا: البرد، شدة البرد، البرد القارس في تلك الأيام. فاجتمعت أمورا كثيرة على المسلمين. مع هذا إلا أنك تجد أن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم يستبشر بالنصر ويبشر أصحابه بالنصر. بل لما كان يحفر، كما جاء في الصحيحين، لما كان يحفر الخندق، لما اعترضتهم حجرة كبيرة، جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدق هذه الصخرة، فضربها أول ضربة، قال: «الله أكبر، فُتحت الشام»، قال: «الله أكبر، فُتحت الشام، وإني لا أرى قصورها الحمراء الآن»، أو قال: «الساعة لا أرى قصورها الحمراء الساعة». ثم ضرب ضربة ثانية، فقال: «الله أكبر، فُتحت العراق»، أو قال: «فُتحت فارس، وإني لأرى المدائن من هنا». وقال أيضًا في الثالثة، صلى الله عليه وعليه وسلم، قال في الثالثة: صلى الله عليه وسلم بعد أن ضرب الحجرة: «الله أكبر، فُتحت اليمن، وإني أرى أبواب صنعاء الساعة». فهذا الاستبشار العظيم الذي يبشر الله عز وجل به أصحابه، يبشر النبي صلى الله عليه وعليه وسلم أصحابه في هذا الموقف العصيب. إن شاء الله نكمل بعد الأذان. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. فقلنا: أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم بشرهم بالفتح والنصر وهم محاصرون. كذلك ربنا جل وعلا يقول في هذه، في سورة الأحزاب، يقول: لما رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. أنا مع هذا الحصار، إلا أنهم أيقنوا بالنصر واستبشروا به. فأيضًا كذلك في بدر، في غزوة بدر، النبي صلى الله عليه وعليه وسلم كان يدعو الله عز وجل قبل أن تبدأ المعركة، يدعو الله ويلح عليه، وقال: «إن تهلك هذه العصابة لا تعبد»، وغيره مما قاله، صلوات الله وسلام عليه، حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر، وقال: «كفاك يا رسول الله مناشدة لربك، فإنه ناجز ما وعدك، فإنه ناجز ما وعدك». فقام النبي صلى الله عليه وعليه وسلم وهو موقن بالنصر، فأخذ كفا من تراب، وقال: «شُهْبُ الْوُجُوهِ». فهذا، عباد الله، فالنصر إنما هو بأسبابه. أيضًا كما قلنا: نأخذ هذه الآيات والحديث، ننظر كيف ذكر الله عز وجل النصر فيها حتى تتبين لنا حقيقة النصر. فأولًا: قصة ذكرها ربنا جل وعلا، كما يقول بعض الباحثين، ذكرها في القرآن 27 مرة، وهي قصة نوح عليه الصلاة والسلام، نبي الله نوح. ذكرها ربنا جل وعلا في عدة مواضع. ومعلوم أن الله عز وجل أول رسول أرسله إلى الأرض للدعوة إلى التوحيد هو نوح عليه الصلاة والسلام. وذكر من قصته ما ذكر، وفصل في قصته في سورة نوح، قصة في دعوته. معلوم أن نوح جلس يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يعني: تسعمائة وخمسين عامًا، وهو يدعو قومه. ونوح لهم في الأساليب، نوح لهم في أساليب الدعوة، تجد أنه دعاهم سرًا وعلانية، وأيضًا كذلك استخدم معهم أساليب النصح، وهم يعرضون، وما آمن معه إلا قليل، كما ذكر الله عز وجل. ذكر بعض السلف أنه ما آمن معه إلا ثلاثة عشر، وهذا من الإسرائيليات، لكن هم أرادوا أن يبينوا بقليل. حتى أن من أهله: زوجته لم تؤمن معه، وابنه لم يؤمن كذلك، وآمن بعض أبنائه. وأما هذا الابن الذي ذكره الله عز وجل في القرآن وذكر قصته، لم يؤمن، وهو من أبنائه، وهو كما قلنا يدعو هذه الفترة الكثيرة والكبيرة. فهل كان تقصير منه؟ حاشاه عليه الصلاة والسلام، فهو نبي من أنبياء الله، اختاره الله عز وجل لرسالته. فلهذا دعا قومه، وصبر على الأذى، وصبر على السخرية التي يسخر بها قومه، والتهديد الذي هدده به قومه. ثم ماذا؟ النتيجة، ما هي النتيجة بعد ذلك؟ قال نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. دعا ربه جل وعلا: ﴿إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. قومه كانوا كثرة، ونوح عليه الصلاة والسلام ما معه إلا قلة. فأمره الله عز وجل أن يصنع الفلك. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَاهُ﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. فلما جاء أمر الله جل وعلا، ركب نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة، ومن كان معه ممن آمن، وما أمر، وأيضًا أركب ما أمره الله عز وجل به أن يركب. ثم أغرق الله عز وجل الأرض، ثم أغرق الله عز وجل الأرض. فهذا نصر لنوح عليه الصلاة والسلام، أنه لم يكن غلبهم لكثرة عدده، ولا أيضًا كذلك لاستجابتهم له، فهم أعرضوا، أعرضوا، والكثرة كانت معهم، أكثر الناس كانوا معرضين. لكن لما كان قائمًا بما أمره الله، كان عليه الصلاة والسلام نوح قائمًا بما أمره الله من الدعوة إلى الله، وكذلك التحمل والصبر والثبات على الدين، فنصره الله عز وجل بأن أهلك هؤلاء المخالفين الذين كانوا يتوعدونه ويهددونه، فأهلكهم الله عز وجل، وهذا نصر: ﴿إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. ومن نصر الله عز وجل لهؤلاء الذين كانوا معه، الذين كانوا معه، نصرهم الله عز وجل وجازاهم بما صبروا به، لأنهم صبروا كثيرًا معه، وواجهوا تلك الجموع الكثيرة الذين يعارضونه، جزاهم الله عز وجل بأن جعل ذريتهم هم الباقين. معلوم: ركب في السفينة حيًا، ونجاه الله عز وجل، وكان له ذرية، وأما غيرهم فأطبق الله عز وجل عليهم الأرض والماء، وأهلكهم جميعًا، فما نجا إلا نوح ومن كان معه بالسفينة. لهذا الله عز وجل لما يذكر الأنبياء يقول: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، أن هؤلاء ذرية من حملنا مع نوح، هؤلاء من نسلهم، على ما... ما من أحد جاء بعدهم إلا هو من نسل ذرية أو من نسل ممن حمله الله عز وجل مع نوح على... ممن كان في السفينة. هذا جزاء لهم، وهذا أيضًا من نصر الله عز وجل لهؤلاء، ولو كان بعد موتهم، أنه جعل ذرية باقية. والله عز وجل نسب لهؤلاء جزاء أيضًا لهم، نسب لهم الأنبياء، لما ذكر الأنبياء وأثنى عليهم، نسبهم إلى آدم، وأيضًا نسبهم إلى من حملنا مع نوح، ونسبهم كذلك إلى نبي الله إبراهيم. فأيضًا كذلك قصة أخرى ذكرت في القرآن: قصة أهل القرية، أهل القرية في سورة يس، ذكرها ربنا سبحان وتعالى، وذكر شيء من سياقها، معناه الذي حصل. ولما أعرض أولئك أهل القرية، وما استجاب لهؤلاء الأنبياء، فعزز الله عز وجل بثالث، أنا أرسل اثنين، فأيضًا لم يستجيب لهم، فأرسل بثالث، فعززنا بثالث، فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. لكن تجد أن أولئك عارضوا، وأيضًا كذلك هددوا هؤلاء الرسل، هددوهم. من ثم أيضًا كذلك أراد الله عز وجل أن يقيم عليهم الحجة، جاءهم رجل منهم، جاءهم رجل منهم ناصحًا لهم، وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ثم ذكر ربنا جل وعلا ما قصه علينا من قصص هؤلاء، وكيف أعرض أولئك. فهؤلاء الأنبياء قاموا بما أمرهم الله عز وجل به من الدعوة إلى الله والنصيحة، وقيام شرع الله جل وعلا، لكن أقوامهم كانوا معرضين. فالله عز وجل نصرًا لهؤلاء الأنبياء، وأيضًا لما... هم عليه، قال الله عز وجل أنه لم يذكر في القرآن أنه أهلك أولئك الذين عارضوا، لكن قال الله... أقصد: لم يذكر في بدايتهم، لكن قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. خلاص، الله عز وجل قطع عنهم الرسالة، ثم بعد ذلك ربنا سبحانه وتعالى عذبهم: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. أرسل الله عز وجل عليهم صيحة واحدة، خمدتهم. ثم ذكر ربنا جل وعلا ذلك الكريم الرحيم بعباده سبحانه وتعالى، وهو يتحسر على هؤلاء العباد لمعارضتهم هؤلاء الرسل وعدم استجابتهم لشرع الله، فقال جل وعلا: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. فهذا، عباد الله، فهذا أيضًا نصر من الله سبحانه وتعالى. لكن هذا النصر كيف حصل؟ أن الأنبياء هؤلاء قاموا بشرع الله عز وجل، وقاموا بما أمرهم الله سبحانه وتعالى. أيضًا كذلك قصة أصحاب الأخدود، ذكرها ربنا جل وعلا في القرآن، فصلها نبينا صلى الله عليه وعلى عليه وسلم كما جاء في صحيح المس