الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلم

المحاضرة بعنوان الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلم، وكانت بمسجد العباس بالرصاصة الجمعة 18 ربيع الآخر 1439هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مراتب الإيمان بالقدر وأنواع التقدير الإلهي

توضح المحاضرة ركن الإيمان بالقدر كأحد أركان الإيمان الستة وتستعرض مراتب القدر الأربع: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق، مع أنواع التقدير الأزلي والعمري والسنوي واليومي. وتستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال الإمام الشافعي لتأكيد أن كل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وكتابته.

ثمار الإيمان بالقضاء والقدر في حياة المؤمن

يستعرض المقطع ثمار الإيمان بالقضاء والقدر ومنها طمأنينة القلب، وراحة النفس، وحصول العوض العظيم بالصبر والرضا، كما يمنح المؤمن شجاعة في الحق وعدم الخوف من الموت لعلمه بأن الأجل مكتوب. ويؤكد على وجوب الأخذ بالأسباب الشرعية مع التوكل على الله وعدم الجزع عند المصائب.

الرد على الجبرية والقدرية وإثبات مشيئة العبد

يرد المقطع على فرقة الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد واختياره، وعلى القدرية الذين ينفون مشيئة الله، مستدلاً بآيات تثبت أن للعبد مشيئة تابعة لمشيئة الله. ويبين أن القدر لا يُحتج به لترك الطاعة أو فعل المعصية، مؤكداً وجوب العمل والأخذ بالأسباب مع الإيمان بالقدر خيره وشره.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، فبادئ ذي بدء نتوجه بالشكر لأهل هذا المسجد إذ أحسنوا الظن بإخوانهم فاستضافوهم في هذا المسجد الطيب المبارك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المحاضرة فاتحة خير على هذا المسجد وتتبعه إن شاء الله بعد فترة وأخرى محاضرات. ونشكر ناظر هذا المسجد والقائم عليه إذ أتاح لنا هذه الفرصة، وكذلك نشكر كل من سعى وأعان على إقامة هذا الخير في هذا المسجد الطيب المبارك. وكما سمعتم من إعلان هذه المحاضرة أنها عن الإيمان بالقضاء والقدر وأثر هذا الإيمان في حياة المسلم. القدر كما تعلمون هو أحد أركان الإيمان الستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. والقدر هو سر الله المكتوم، فإن القدر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى أو من أطلعه الله عز وجل على شيء من ذلك. والقدر هو قدرة الله عز وجل كما قال ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فالقدر منزلته عظيمة في هذا الدين إذ هو أحد أركان الإيمان، وهو كذلك متعلق بأحد أنواع التوحيد الثلاثة، فالإيمان بالقدر من توحيد الربوبية. وكما تعلمون أن التوحيد عند أهل السنة ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فكما تقدم أن القدر قدرة الله، وقدرة الله عز وجل من أفعاله سبحانه وتعالى، فهي من باب الربوبية. والقدر لا يتم إيمان العبد به إلا إذا حقق مراتبه الأربع، فالإيمان بالقدر له أربع مراتب، متى ما اعتقدها الإنسان حقاً، فإذا اعتقدها المؤمن ذاق حلاوة الإيمان. فأول هذه المراتب: العلم. ومعنى العلم أن تؤمن أخي المسلم أن الله عز وجل يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، ولو كان كيف يكون، سبحانه وتعالى فهو عليم بكل شيء سبحانه وتعالى. وقد دل على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله ومن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهكذا المرتبة الثانية من مراتب القدر: الكتابة. أن تؤمن أن الله عز وجل قد كتب كل شيء كائن في خلقه سبحانه وتعالى، كل ما هو كائن قد كتبه ربنا سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ. ودل على ذلك كذلك أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم، وهذه الآية جمعت المرتبتين العلم والكتابة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، أي من قبل أن نوجدها. وهكذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «جفت الأقلام ورفعت الأقلام وجفت الصحف»، كما جاء ذلك في حديث ابن عباس عند أهل السنن. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء». وجاء عند الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله خلق القلم فقال له: اكتب، فكتب كل ما هو كائن إلى قيام الساعة». إلى قيام الساعة لا بد للمؤمن أن يؤمن بذلك وأن يعلم أن كل شيء بقدر قد علمه الله وقد كتبه سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. كل شيء تفعله فهو بقدر. كما جاء أيضاً في حديث عبد الله بن عمر عند مسلم: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس». العجز معلوم أي تثاقل وتباطؤ الإنسان عن العمل، وأما الكيس فهو ضده أي النشاط والجد والاجتهاد في العمل، فكل ذلك بقدر. فتؤمن بأن الله قد علمه قبل أن يكون وأن الله قد كتبه قبل أن يكون. ثم المرتبة الثالثة: وهي المشيئة. أن تؤمن أخي المسلم أنه لا يكون في ملك الله شيء لا يشاءه، فكل ما هو كائن فهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى. كل شيء بمشيئة الله سبحانه وتعالى، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء سبحانه وتعالى. وهناك أبيات قال عنها وهي أربعة أبيات، قال عنها ابن عبد البر وهي منسوبة إلى الإمام الشافعي عليه رحمة الله. قال ابن عبد البر: وهي أصح ما نسب إلى الإمام الشافعي وهي أحسن ما قيل في القدر. قال الإمام الشافعي رحمه الله: ما شئت كان وإن لم أشأ ** وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ** وفي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت ** وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد ** ومنهم قبيح ومنهم حسن هذه أبيات أحسن ما قيل في القدر، وكان يرددها كثير من أهل العلم، وقد حفظنا ذلك من شيخنا الوادعي عليه رحمة الله، فلقد كان يترنم بها عليه رحمة الله تعمقاً إلى هذه الأبيات وكيف تبين لنا أن كل شيء بقدر وبما شاءه الله سبحانه وتعالى. قال في أولها: ما شئت، ما شئت أي يا رب ما شئت كان وإن لم أشأ، وما شئت أي أنا المخلوق الضعيف، وما شئت إن لم تشأ لم يكن. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». وما شئت إن لم تشأ لم يكن. خلقت العباد على ما علمت، على ما سبق به علمك خلقت العباد على ما علمت. وفي العلم يجري الفتى والمسن، كل أصناف الناس بجميع مراحلهم تحت قدر الله سبحانه وتعالى، فالموت يجري على الفتى والمسن، والمرض يجري على الفتى والمسن. وفي العلم يجري الفتى والمسن. على ذا مننت أي أكرمت ورفعت، على ذا مننت وهذا خذلت أي أهنت وأذللت، وهذا أعنت وذا لم تعن، هذا أعنته ووفقته وذاك لم تعنه ولم توفقه، وكل شيء بقضاء الله وقدره، وكل ميسر لما خلق له. ثم قال: فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن، كل ذلك بقدر الله. فالمؤمن إذا اعتقد ذلك فقد آمن بقضاء الله وقدره، ونال ما رأى ذلك الإيمان. وهكذا المرتبة الرابعة من مراتب القدر الذي لا يتم إيمان العبد إلا بتحقيقها: الخلق. أن تؤمن أن الله عز وجل خلق كل شيء فقدره تقديراً، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، فقدره تقديراً. وقد جمعت هذه المراتب الأربع في بيت واحد يعين الطالب على حفظها، وهو قول الناظم: علم كتابة مولانا مشيئته ** وخلقه وهو تكوين وإيجاد نعم، وخلقه وهو تكوين وإيجاد، فهذا البيت يعين على حفظ هذه المراتب الأربع من مراتب القدر. ثم اعلموا حفظكم الله أن للقدر ثماراً عظيمة، من حقق هذه المراتب الأربع وآمن بها حق الإيمان نال من هذه الثمار بقدر تحقيقه لتلك المراتب. فمن أعظم ثمار الإيمان بالقدر: تنال بذلك العوض الذي ذكره الله سبحانه وتعالى فيمن آمن بالقدر. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فسر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أن يؤمن بالقدر لأن الآية بداية الآية تدل على ذلك. قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ففيه إثبات المشيئة والقدر، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. ولذلك إذا نظرت إلى تفسير هذه الآية تجد أن المفسرين يفسرون الإيمان في هذه الآية بالقدر، وقد ذكر المفسرون أن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي من يصبر ويؤمن بقضاء الله وقدره فيما يصيبه من أمور الدنيا يعوضه الله سبحانه وتعالى يقيناً في قلبه وإيماناً وهداية، ولا شك أن هذا عوض عظيم أن تعوض بصبرك ويقينك ورضاك بما قدر الله عز وجل إيماناً ويقيناً، فهذا عوض عظيم. وهكذا من ثمار الإيمان بالقضاء والقدر: طمأنينة القلب وراحة النفس وانشراح الصدر، كل ذلك من ثمار الإيمان بقضاء الله وقدره. من ثمار الإيمان بقضاء الله وقدره يكون المؤمن هادي البال منشرح الصدر، ما تجده قلقاً ولا منزعجاً ولا متبرماً، لأنه يعلم أن الأمر من الله وأن الله عز وجل هو الذي قدر عليه ما كان، ويعلم أن الخيرة فيما اختاره الله عز وجل له، فيما اختاره الله عز وجل له، فلا يحزن ولا يقلق ولا ينزعج لأنه مؤمن بالله سبحانه وتعالى وبما كتب وقدر. وهذا هو الخير للمؤمن كما في حديث صهيب الرومي في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». تصيبه الضراء يصبر ويعلم أن هذا بقضاء الله وقدره، مات عليه حبيب، فقد مالاً، فقد داراً، مرضاً، أصبح من قلة ذات اليد، ونحو ذلك مما ربما يظن العبد أنه شر له، وفي الحقيقة هو خير له إذا صبر واحتسب. ولذلك فإن المؤمن يؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذه هي حقيقة الإيمان، لا يتبرم ولا ينزعج. سواء كان في باب الرزق، يعلم أن رزقه قد كتب له فما عليه إلا اتخاذ الأسباب الشرعية التي ترضي الله، وما كتب له من الرزق سيصل إليه، سيصل إليه قليلاً أو كثيراً، قليلاً أو كثيراً. يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. لا ينزعج ولا يتبرم ولا يقلق، وإنما يتخذ الأسباب الشرعية ويتوكل على الله، وما كتب له سيصل إليه. وكما في حديث عبد الله بن مسعود: «ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». المؤمن يؤمن بذلك أن رزقه قد كتب له وهو في بطن أمه، فما عليه إلا أن يسعى وما كتب له سيصل إليه. يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. يعلم أن الرزق من الله لا بحوله ولا بقوته ولا بشطارته ولا بجده واجتهاده ولا بسعيه، وإنما من الله سبحانه وتعالى، يكون مطمئناً، يكون هادي البال، عنده من السكينة، عنده من الراحة. وهكذا في باب المرض، يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. وهكذا يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. المؤمن يكون مطمئناً ويعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، والله إن هذه هي السعادة وهذه هي الراحة يوم أن تعلق قلبك بالله وتؤمن بقضاء الله وقدره. هكذا في باب الذرية: تزوج فلم تنجب زوجته، فلم تنجب زوجته، لا ينزعج، يتخذ الأسباب الشرعية، لا بأس من العلاج والتطبيب ونحو ذلك، ويعلق قلبه بالله ويؤمن بقول الله عز وجل: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. فيؤمن بأن الذرية هبة من الله سبحانه وتعالى، هبة من الله عز وجل مع اتخاذ الأسباب الشرعية. وهكذا من ثمار الإيمان بالقضاء والقدر أن المؤمن يكون شجاعاً مقداماً في الحق، شجاعاً مقداماً في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، ويعلم أنه ما سيصيبه إلا ما قدر الله له، فيقدم في مواقف الإقدام، وهذا من الشجاعة، ليس الشجاعة أن تتهور وتقدم في موطن الإحجام، وإنما أن تقدم في موطن الإقدام، فهذا من الشجاعة، وهذا لا يناله إلا من ملأ قلبه بالإيمان بقضاء الله وقدره. فإن المؤمن لا يخشى الموت، يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. يعلم أن الموت ما يأتيه بسبب جهاده في سبيل الله أو بسبب قوله لكلمة الحق أو بسبب كذلك سفره وذهابه وإيابه أبداً، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد. فتجد المؤمن عنده شجاعة وعنده إقدام وعنده كذلك قوة في الحق، قوة في الحق لما آتي من إيمان بقضاء الله وقدره، لما آتي من الإيمان بقضاء الله وقدره. وهكذا يعلم أن أجله إذا جاء فإنه لا يؤخر، ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. نعم الأجل محتوم ومكتوب، فلذلك تجد المؤمن شجاعاً قوياً في الحق. وهكذا من ثمار الإيمان بالقضاء والقدر: نيل الأجور العظيمة. قد تبتلى بفقر، بموت، بقتل، بحرق، أو نحو ذلك، فاعلم أن ذلك خير لك. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فمن صبر على البلاء وآمن بقضاء الله وقدره استشعر هذه الأجور العظيمة، حتى الهم والغم يؤجرك الله سبحانه وتعالى عليه وهو من البلاء ومما كتب الله لك وقدر. وهكذا من ثمار الإيمان بالقضاء والقدر أن المؤمن تجده آخذاً بالأسباب، آخذاً بالأسباب، هذا من ثمار الإيمان بالقضاء والقدر لأن الله عز وجل بيّن في كتابه أن من الإيمان بالقضاء والقدر اتخاذ الأسباب. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * ذَلِكَ مِمَّنِ اتَّخَذَ أَسْبَابَ الْيُسْرَى وَالْهُدَى﴾، وقال فيمن اتخذ أسباب الغواية والضلال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. ﴿فَإِذَا أَعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ﴾، كل ميسر لما خلق له. فليس معنى الإيمان بالقضاء والقدر ألا تعمل. ولذلك الصحابة لما قال النبي عليه الصلاة والسلام في القدر ما قال، وأن كل شيء بقضاء الله وقدره، فقال الصحابة: «فلم العمل يا رسول الله؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». ولذلك ظهرت بعض الفرق المنحرفة في هذا الباب، فحرمت لذة الإيمان وحرمت كذلك ترك الأسباب، حرمت ترك الأسباب، مثل الجبرية الذين يقولون إن العبد مجبور على عمله، فغلوا في إثبات القدر ونفوا عن العبد الاختيار وكذلك المشيئة، فقالوا العبد ما هو إلا كالريشة في مهب الريح أو كالميت بين يدي المغسل، فحرموا اتخاذ الأسباب. فتأتي عند أحدهم: لماذا يا أخانا ما تصلي أو ما تقرأ القرآن أو ما تبر بوالديك؟ يقول: هذا أمر قدره الله عليه، هذا أمر قدره الله عليه، الإيمان في القلب، ربما يشير إلى قلبه. هذا من الانحراف في هذا الباب، باب الإيمان بالقضاء والقدر، فسلبوا عن العبد المشيئة والإرادة. نعم، سلبوا عن العبد المشيئة والإرادة، فقالوا الإنسان مجبور على عمله، إذن لا يتخذ الأسباب، لا يتخذ الأسباب. وهذا هذه فرقة ضالة، وقد رد العلماء عليها بما سمعت من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، كل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة يُسِّرَتْ لَهُ أَعْمَالُ أَهْلِ السَّعَادَةِ، ومن كان من أهل الشقاوة يُسِّرَتْ لَهُ أَعْمَالُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ». وهكذا في أمور الدنيا. وهكذا في أمور الدنيا ربما ذلك الجبري لا يتخذ الأسباب بحجة أنه مجبور وأن رزقه سيأتيه وإن لم يتخذ الأسباب، وهذا كما تقدم ينافي الإيمان بالقدر. فإذن الإيمان بالقدر كما سمعتم أمر عظيم في هذا الدين، وهو أحد أركان الإيمان، وهو سر الله المكتوم، وهو كذلك من ربوبية الله سبحانه وتعالى إذ أن القدر قدرة الله عز وجل. فلعلي أكتفي بهذا وأترك المجال للشيخ الفاضل أبي يوسف حفظه الله، قلي تفضل مشكوراً مأجوراً. والحمد لله رب العالمين. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فشكر الله لأخينا الفاضل الشيخ أبي معاذ حفظه الله على ما تكلم به في هذا الموضوع العظيم وهذا الركن العظيم من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقضاء والقدر، وهو كما سمعنا من الأمور العظيمة التي يجب على المؤمن أن يؤمن بها وأن يحقق الإيمان بالقضاء والقدر، إذ أنه إن لم يؤمن به حق الإيمان فإنه لا يحقق الإيمان الذي أراده الله سبحانه وتعالى. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن امرؤ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره». لا يؤمن امرؤ، لا يتحقق له الإيمان ولا يكون مؤمناً حقاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، أي أن الخير والشر كله من عند الله جل وعلا، وأن الله سبحانه وتعالى خالق لجميع ذلك، لا يخرج شيء عن خلق الله سبحانه وتعالى. ولذلك من كذب بالقدر كان من الكافرين وممن يستحق دخول النار. جاء في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ولا مكذب بالقدر». وهذا يدلنا على أهمية الإيمان بهذا الركن وتحقيق الإيمان به، فإن العبد لن يجد حلاوة الإيمان ولن يجد طعم الإيمان حتى يحقق الإيمان بهذا الركن العظيم في قلبه. جاء في مسند الإمام أحمد وعند كذلك الملا وغيرهما من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أنه أوصى ابنه فقال: «يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان وحقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من مات على غير هذا فليس مني». وفي لفظ آخر قال: «إلا دخل النار». وأيضاً جاء عند كذلك الإمام أحمد رحمه الله وغيره عن ابن الديلم أنه قال: وقع في نفسه شيء من القدر، وقع في نفسه شيء من القدر يعني في أمور الخلق وكذلك أيضاً أفعال العباد وكونها كلها مخلوقة من الله جل وعلا وأن الله قدرها وكتبها وعلمها. قال: فجئت إلى أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه فقلت: قد وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني. فقال رضي الله تعالى عنه: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً ما تقبل منك حتى تؤمن بالقدر، ثم قال: فإن مت على غير ذلك كنت من أهل النار». قال: فأتيت عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني بمثل ذلك. هذه الآثار تدلنا على أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان ولا يجد طعم الإيمان ولذته إلا بالإيمان بالقضاء والقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، لأن الأمر لله جل وعلا. والله سبحانه وتعالى قد قدر، قد قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء. وهذا التقدير الأزلي فإن تقدير الله جل وعلا على أربعة أو خمسة أنواع. التقدير الأول: هو التقدير الأزلي، أي ما كتبه الله جل وعلا في الأزل قبل خلق السماوات والأرض في أم الكتاب وفي اللوح المحفوظ، كما يدل عليه هذا الحديث: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء». ثم النوع الثاني: وهو التقدير العمري، أي ما قدره الله جل وعلا في عمر الإنسان، وهو ما يكتبه الله جل وعلا على العبد وهو في بطن أمه، ويدل عليه حديث مسعود رضي الله تعالى عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أذان فضل». والنوع الثاني كما سمعنا من أنواع التقدير: التقدير العمري الذي يقدره الله جل وعلا على الإنسان وهو في بطن أمه جنيناً، كما في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». الحديث متفق عليه. فالله عز وجل يقدر للإنسان ما سيكون منه في حال حياته وعمره، كم سيعيش، وكذلك أيضاً ما هو عمله، وهذا هو من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة، وما له من الرزق، كله يقدره الله جل وعلا للعبد وهو في بطن أمه. ثم التقدير السنوي: وهو نوع ثالث من أنواع التقدير، ما يقدره الله جل وعلا في كل سنة، وذلك في ليلة القدر، كما في قوله سبحانه: ﴿حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، وهي ليلة القدر بدليل قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، فيقدر الله جل وعلا فيها ما شاء سبحانه وتعالى في خلال السنة كلها. ثم النوع الرابع: وهو التقدير اليومي، وهو في قول الله جل وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال مجاهد وغيره: يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويشفي مريضاً، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، وغيرها من الأفعال التي يفعلها الله سبحانه وتعالى في كل يوم. وسمعنا أن العبد لا يمكن أن يحقق هذا المقام العظيم وهذا الركن إلا بتحقيق مراتبه الأربع: مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، ومرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق. فمن أنكر علم الله جل وعلا وزعم أو اعتقد أن الله جل وعلا لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه وأنه يقفو عليه ما يقفو على الكثير من الخلق، فإنه يكون بذلك كافراً. ولذلك لما ضل في هذا الباب من ضل من القدرية وكان غلاتهم ينفون العلم عن الله جل وعلا ولا يؤمنون بأن الله يعلم كل شيء، كفرهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وغيرهم من السلف، لأن الله جل وعلا أثبت لنفسه العلم وأنه يعلم سبحانه وتعالى كل شيء كما سمعنا في الآيات التي ذكرها أخونا الشيخ أبو معاذ حفظه الله. وفي صحيح الإمام مسلم قال مسلم رحمه الله: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال بالقدر في البصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لعلنا نجد أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله عما يقول هؤلاء في القدر. قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أقوام يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، ويقولون: إن الأمر أنف، يعني أن الله جل وعلا لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع. فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني براء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما تقبل منهم حتى يؤمن بالقدر». ثم قال: «حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر»، ثم ساق حديث جبريل المشهور، وفيه سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». وهؤلاء الصنف من القدرية كفرهم العلماء، ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: «ناظروهم بالعلم فإن أقروا به قبلوا وإن جحدوا كفروا». إذا لابد أن تؤمن بأن الله جل وعلا بكل شيء عليم، علم الله جل وعلا ما يفعله هذا العبد قبل أن يفعله وبعد أن يفعله، قد علمه الله سبحانه وتعالى. علم الله جل وعلا من يستحق الهداية فوفقه لها، ومن يستحق الضلالة فيسره لها. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾. الشاهد قوله جل وعلا: ﴿أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، أنه يستحق الضلالة وأنه لا يهتدي ولا يقبل الهداية. وهكذا كذلك بقية مراتب القدر من الإيمان بالكتابة والإيمان بالمشيئة والإيمان بالخلق، فإذا حققتها فإنك تكون بذلك محققاً للإيمان بالقضاء والقدر، وإذا وفقت لذلك زادك ذلك إيماناً وطمأنينة وانشراحاً في الصدر وراحة في القلب، وتسلم من الشبهات المضلة التي ربما يضل بها من يضل من الناس، كما ضل فيها من قبل القدرية والجبرية الذين ضلوا في هذا الباب. القدرية الذين نفوا مشيئة الله جل وعلا على العبد وقالوا: ليس لله مشيئة في أفعال العباد، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وأن الله جل وعلا لم يخلق أفعالهم، فسلبوا عن الله جل وعلا المشيئة وصفوه بالعجز. ولهذا قالوا بأن الله عز وجل لا يستطيع أن يهدي العبد هداية التوفيق الذي بها يدخل الجنة وينجو من النار، وهذا من ضلالهم وزيغهم، وكذلك أيضاً لإدخال عقولهم في هذا الباب العظيم، باب القضاء والقدر، فقالوا: أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، هو الذي يفعل ما يفعل من ذنوب ومعاصي، وأن هذه الأفعال لم يشأها الله جل وعلا ولم يخلقها. وفي مقابلهم الجبرية الذين سلبوا المشيئة والقدرة عن العبد، فقالوا: ليس للعبد مشيئة ولا قدرة ولا اختيار، وغلوا في إثبات المشيئة لله حتى نفوها عن العبد، وقالوا: الإنسان كالريح أو الأوراق التي تحركها الريح يميناً وشمالاً، ليس له أي اختيار ولا قدرة. ولذلك قالوا: إذا فعل ما فعل من ذنوب ومعاصي إلى آخره فهو يفعلها لأنه مجبر عليها، ليس له اختيار في ذلك. ثم قالوا: لو قلنا بأن له مشيئة فكيف يعذبه الله سبحانه وتعالى على فعل الذنوب والمعاصي وقد شاءها وقدرها عليه؟ لو قلنا بذلك لوصفنا الله جل وعلا بالظلم. وقولهم كذلك باطل. ويرد على هاتين الطائفتين بأدلة كثيرة، أذكر منها آيتين: الأولى: قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فقوله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ إثبات للمشيئة للعبد، أن له مشيئة وله اختيار وليس بمجبر على فعل الذنوب والمعاصي أو على ترك الواجبات. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ رد على الجبرية، وقوله جل وعلا: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية، لأن الله عز وجل أثبت أن مشيئة العبد بعد مشيئة الله، وأنه لا يفعل الشيء إلا بعد إرادة الله جل وعلا ومشيئته. وهكذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فقوله جل وعلا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ هذا فيه إثبات للمشيئة للعبد، وهذا فيه رد على الجبرية الذين يقولون بأنه مجبور، فأثبت الله جل وعلا له المشيئة وأنه يفعل الشيء بمشيئته واختياره. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ رد على القدرية الذين نفوا مشيئة الله جل وعلا. إذن علمنا بذلك أن الإنسان له مشيئة وله اختيار ويفعل الأشياء بمشيئته واختياره، وإن كان الله جل وعلا قد قدر ما قدره في الأزل من هداية من هداه وأراد الله عز وجل له الهداية، ومن ضلالة من أضله الله وأراد له الضلالة. لكن هذا ليس بحجة للعبد في ترك الطاعة أو في فعل المعصية. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جل وعلا قد قدر المقادير وعلم جل وعلا من يكون من أهل الجنة ومن يكون من أهل النار، كما في حديث علي رضي الله تعالى عنه في الصحيحين قال: «ما من نفس منفوس إلا وقد كتب مقعدها من الجنة أو من النار». قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على ما في الكتاب يعني وند