المحاضرة بعنوان ونبلوكم بالشر والخير فتنة، والتي كانت بمسجد الخير بمنطقة الخزان بالشحر يوم الجمعة 28 جمادى الآخر 1447هـ الموافق 19 ديسمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الحياة دار ابتلاء يمتحن الله العباد بالسراء والضراء، والخوف والجوع، ونقص الأموال والأنفس، والصحة والسقم، والحلال والحرام، ليميز الصابر الشاكر من الجازع الكافر. الواجب عند الابتلاء هو الصبر واللجوء إلى الله وحده، وتجنب السبل المحرمة كالكهانة والمكاسب الخبيثة، مع بشارة الصابرين بالأجر العظيم.
من أنواع الابتلاء تسهيل أسباب المعصية وتيسير الحرام لاختبار إيمان العبد وصبره، كما حدث مع أهل السبت وجيش طالوت والصحابة المحرمين. النجاة تكون بخوف الله ومراقبته في السر والعلن، وتجنب الانجرار وراء الفتن الحديثة كالهاتف والمواقع المحرمة.
النعم والمصائب كلاهما ابتلاء من الله لا يدل على إكرام أو إهانة، كما تظهر قصة يوسف وثبات كعب بن مالك. يجب على المسلم الصبر والتوكل على الله والثبات على الدعوة، وعدم بيع الدين بعرض الدنيا الزائل.
يعرض المقطع نماذج من ابتلاء الأنبياء والصحابة والعلماء بالصبر على الأذى في سبيل الدعوة، ثم ينتقل إلى ابتلاء النعم والسراء كما في قصة عبد الرحمن بن عوف وحديث الثلاثة من بني إسرائيل. الشكر على النعم امتحان عظيم يعادل صبر الضراء في ثقله وأجره.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني في الله، سمعتم في مقدمة أخينا مساعد حفظه الله تعالى أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا خلق للابتلاء، كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. فالله عز وجل يبتليكم يا عباد الله في هذه الحياة الدنيا بالشر والخير، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. كل نفس ذائقة الموت حقيقة لا مفر منها، ثم بعد ذلك في هذه الحياة الدنيا وقبل الموت يُبْتَلَى الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ وَبِالْخَيْرِ، بِالشَّرِّ وَبِالْخَيْرِ. يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله عند تفسيره لهذه الآية: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، قال: «أي ونختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى لننظر من يشكر ومن يكفر ومن يصبر ومن يقنط». هذا هو معنى هذه الآية: الإنسان في هذه الدنيا بين سراء وضراء، وبين رخاء وشدة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». إذن الإنسان في هذه الدنيا معرّض للسراء والضراء، وللخير والشر، وكل ذلك فتنة، وكل ذلك فتنة له، لينظر ربنا سبحانه وتعالى: أيشكر أم يكفر؟ أيصبر أم يجزع ويقنط؟ فإذن إذا عرفنا هذه الحقيقة يا عباد الله، فلنعلم أن الله عز وجل يبتلي بالشر حتى ينظر صبر هذا الإنسان. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. انظر هذه أمثلة من أمثلة الابتلاء بالشر: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ﴾، ليس بكله، وإنما بشيء منه، لأن الله عز وجل إذا ابتلى العباد بكل هذه المصائب لم يستطيعوا تحملها ولم يستطيعوا الصبر عليها، فمن لطف الله عز وجل بعباده أنه يبتليهم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات. الخوف والجوع هذه أمور إذا وجدت في المجتمع نقصت على أهله حياتهم، لأن من أعظم ما تنعم به المجتمعات الأمن والرغد في العيش، الأمن والرغد في العيش هذا من أعظم ما تنعم به المجتمعات وما تستقر به المجتمعات. ولذلك امتن الله عز وجل على قريش بهما: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. وقال الله عز وجل ممتنًا على تلك القرية: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا قَرْيَةً﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. فإذن قد تبتلى يا عبد الله بشيء من الخوف، سواء كان عن طريق الحروب، أو عن طريق الأعداء، أو عن طريق الجن والشياطين، أو عن طريق غير ذلك من أسباب الخوف، وقد تبتلى كذلك بالفقر والجوع. إذن أرشدك ربك سبحانه وتعالى بهذا الأمر العظيم، ألا وهو الصبر، وبشر الصابرين. وكذلك نقص في الأموال والأولاد والأنفس، نقص بمعنى: سواء كان هذا النقص قلة المآكل والمشارب، أو هذا النقص كذلك بعدم البركة في المآكل والمشارب مع كثرتها، أو كذلك بعدم الشبع مع وجود كثرة الأكل والشرب إلا أن الإنسان لربما يأكل ولا يشبع، وهكذا الثمرات والأنفس: أي بالقتال والموت والجوائح، وكذلك الأمراض والأدواء ونحو ذلك. فإذن هذا شيء من ذلك الابتلاء، فعلى الإنسان أن يصبر. طيب، كيف يصبر إذا أصيب بالخوف؟ كيف يصبر؟ يصبر بأن يلجأ إلى الله ولا يسلك طريقًا يخالف دينه ويخالف شرع ربه سبحانه وتعالى. فإن بعض الناس إذا خاف انحرف وانقلب على عقبيه، فلربما والى أعداء الإسلام بحجة أن عندهم المخرج وعندهم العلاج من هذا الخوف، ولو تنازل عن دينه أو عن بعض دينه. وهكذا في باب الجوع والفقر: لربما إذا ابتلي بذلك الفقر أو الجوع ذهب إلى مكاسب محرمة، ذهب إلى مكاسب محرمة، هذا لم يصبر، لم يصبر، بحث عن عمل طيب حلال لم يجد، ابتلا من الله ما وجد إلا أن يعمل في المخدرات أو في بيع وشراء القات أو كذلك في غير ذلك من المكاسب الخبيثة، فلم يصبر على الفقر والجوع فذهب والعياذ بالله إلى هذه الطرق الملتوية المحرمة. وهكذا قد يبتل الإنسان بالمرض، بالمرض، فيذهب إلى السحرة والمشعوذين رجاء أن يجد عندهم الشفاء، فهذا ابتلاء من الله عز وجل، ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». ابتلاء من الله عز وجل، قد يبتل الإنسان بالعقم وعدم الإنجاب أو بنقص الذرية، فيذهب كذلك إلى دعاء غير الله، وإلى الولي الفلاني الذي اشتهر كما يزعم هؤلاء بأنه يجلب ويهب الولد لمن نذر له أو لمن دعاه أو لمن جاء إلى قبره، فيصدق هذا المسكين بسبب ضعفه وبسبب نقص إيمانه، فيذهب إلى هذا القبر والعياذ بالله. كل ذلك من الابتلاء الذي لربما يفتن به بعض الناس. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وهو نوع من أنواع الابتلاء، نوع من أنواع الابتلاء وهو الابتلاء بالحلال والحرام، فهذا كله يدخل في معنى ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. يقول ابن عباس رضي الله عنه أيضًا في تفسير هذه الآية: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، قال: «أي نبتليكم بالسراء والضراء، والصحة والسقم، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة». كل هذا يدخل في معنى هذه الآية. فمن أنواع الابتلاء: الابتلاء في الحلال والحرام، فإن الله عز وجل حد حدودًا وأمر عباده أن لا يعتدوها، فلربما تتسهل المعصية للعبد وتتهيأ أسبابها له ابتلاء من الله عز وجل، فالصادق في إيمانه يرد هذه المعاصي ولا يقع فيها لأنه يعلم أن هذا من الابتلاء، هذا من الابتلاء. فمن ذلك ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. هذه قرية على شاطئ البحر من بني إسرائيل، وكان عيشهم على الاصطياد، فابتلاهم الله عز وجل بأمر، وهو أن الله سبحانه وتعالى حرم عليهم الاصطياد يوم السبت، ممنوع الاصطياد يوم السبت، حرام عليكم الاصطياد يا أهل هذه القرية يوم السبت. فلم يصبروا، فاتخذوا الحيلة في انتهاك هذه الحرمة، فكانوا يحفرون الحفر ويرمون الشباك يوم الجمعة. فابتلاهم الله عز وجل بأن جعل الحوت والسمك يكثر ويظهر يوم السبت، وفي غيرها من الأيام يختفي، في يوم التحريم يكثر السمك والحوت، وفي غيرها من الأيام يختفي، يختفي هذا السمك. فاتخذوا هذه الحيلة، قالوا: نحن ما سنصطاد في يوم السبت، لكن سنحفر يوم الجمعة ونرمي الشباك يوم الجمعة، فيأتي الحوت أو السمك يوم السبت فيدخل في الحفر وفي الشباك، فنتركه ما نأخذه يوم السبت، فإذا جاء يوم الأحد أخذنا هذه الشباك وقد دخل فيها هذا السمك. هذه في الحقيقة حيلة، والحيل لا تزيد الحرام إلا حرامًا. فابتلاهم الله عز وجل بذلك، فلذلك انقسم ناس هذه الفتنة إلى ثلاثة أقسام: قسم انتهك حرمة الله عز وجل واصطادوا واتخذوا هذه الحيلة، وقسم آخر أنكر ونهى عن هذا المنكر، وقسم ثالث سكت، لم يفعل ولم يصطد لكنه سكت. فقال الله عز وجل مبينًا هلاكه للمعتدين ونجاته للآمرين وسكت عن الساكتين: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، الطائفة الثالثة قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. فانظروا يا عباد الله كيف ابتلاهم الله عز وجل بتسهيل المعصية فلم يصبروا فوقعوا فيما نهى الله سبحانه وتعالى. وهكذا المؤمن يبتلى بتسهيل المعصية ليختبر ربه سبحانه وتعالى صبره وثباته وإيمانه. وهكذا من خرج مع طالوت، فلما فصل طالوت بالجنود قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾، أي ستدخلون نهرًا، نهر من الماء، قال: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. قال لهم: ادخلوا هذا النهر، وهم عطاش، فقال لهم: كي يعلم صبرهم ويعلم ثباتهم وصدقهم في اتباعه، فقال لهم: لا أحد يشرب من هذا النهر، خلاص، من شرب من هذا النهر ولم يصبر يرجع، لا حاجة لي به، ومن لم يشرب وثبت وصبر فهذا يكون مني ويواصل معي القتال. فلما دخلوا إلى هذا النهر، طائفة منهم لم يصبروا فشربوا منه، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾، إلا من شرب غرفة واحدة دون أن يرتوي ودون أن يتزود من هذا الماء، وإنما يغترف غرفة فقط ليسد به الحاجة الشديدة من العطش فقط ولا يرتوي ولا يعني يأخذ معه شيء من هذا الماء. ومع هذا طائفة منهم لم يصبروا، لم يصبروا. ابتلاهم الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾، ابتلاء من الله وهو مأمور من الله سبحانه وتعالى. وهكذا ابتل الله عز وجل الصحابة حين إحرامهم، فنهاهم عن الصيد وهم حرم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. سهل لهم هذا الأمر وهم محرمون، الصيد أمامهم، الصيد الصغير يستطيعون أن يأخذوه بأيديهم، والصيد الكبير أمامهم يستطيعون أن يرمونه بالرمح، لكن نهوا عن ذلك. تصور: ابتلاء من الله عز وجل، نهوا عن ذلك مع حاجتهم لهذا الصيد، صيد البر، فهم في سفر وهم في جهد وهم في مشقة، ومع هذا حرم عليهم هذا الاصطياد في هذا الوقت وهم حرم، ومع هذا كان الصيد متوافرًا متكاثرًا كما وصف الله في هذه: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، أي من يراقب الله، لأن الإنسان في هذه الحال لربما لا يراه إلا الله، هو مسافر في البراري وفي الصحارى وفي الأماكن البعيدة، والصيد أمامه ولا يراه إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يصبر على ذلك إلا قوي الإيمان. فنجح الصحابة في هذا الابتلاء وامتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى. انظروا يا عباد الله كيف يبتلي الله عز وجل عباده بهذه الابتلاءات. وهكذا الإنسان اليوم وفي هذا الزمان، مع كثرة الفتن وكثرة الشرور والداعين لها والمسهلين لها والمروجين لها، فإن المسلم عرضة لكثير من هذه الفتن، ومنها فتنة الجوال. هذا يصدق عليها الفتنة، قال الله عز وجل: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. هذا الجوال يخلو الإنسان به في غرفته، بل حتى بين أصحابه أو بين أبويه وهو في زاوية من البيت، ربما ما يدري أحد ماذا ينظر وماذا يرى. ابتلاء من الله، وأعداء الإسلام فتحوا هذا الشر على المسلمين بفك حجب المواقع الإباحية والقنوات الفاسدة، فلا يثبت أمام هذه الفتن إلا من يخاف الله عز وجل بالغيب، كما قال الله سبحانه وتعالى. ابتلاء من الله عز وجل واختبار: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. تذكر هذا يا عبد الله أنك سترجع إلى الله عز وجل وأنك ستجازى على هذه المعاصي والذنوب. ابتلاء من الله عز وجل، تسهيل المعصية، مسهلة. كان في الزمن القديم من أراد النظر إلى الحرام لربما ما يجده، وإن وجده بشق الأنفس وبصعوبة، أما الآن فلربما بلمسة شاشة أو بضغطة زر، فإذا بالعالم أمام يديك، وإذا بالمواقع والنساء والأفلام وما تريد. فتنة وبلاء من الله عز وجل. وهكذا من المسلمين من إذا دعته نفسه إلى مثل تلك الشرور أن يقول: «إني أخاف الله رب العالمين». من الذي يثبت أمام هذه الفتن المتلاطمة؟ انظروا يا عباد الله إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال». مش هو الذي ذهب إليها، ما هو الذي دعاها ورغب فيها، بل هي التي رغبت فيه وهيأت له الأسباب، فهو لا يخاف من فضيحة لأن المرأة ذات منصب وذات جاه وذات منعة، ثم إن هذه المرأة ليست أي امرأة بل هي جميلة تميل إليها النفوس وكذلك تتاق إليها القلوب، ومع هذا قال: «إني أخاف الله». من إذا مرت به صورة أو جاءت له دعاية أو نحو ذلك في الجوال قال: «إني أخاف الله»؟ لربما دعا الفضول إلى فتح هذا الأمر والنظر إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. نبي الله يوسف كذلك دعته تلك المرأة وهيأت له الأسباب، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، غلقت الأبواب، وهي الداعية، وهي امرأة العزيز، امرأة الملك، وكما قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: أن الغالب في الملوك أن يتزوجوا النساء الحسنوات، فلا شك أنها ذات جمال. ولكن قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. فانظروا يا عباد الله إلى أهل التقوى وإلى أهل الإيمان كيف يثبتهم الله سبحانه وتعالى أمام هذه الفتن. وهكذا نظير هذه الآية: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، قول الله عز وجل في بني إسرائيل: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. بلوهم الله عز وجل، أي اختبرهم بالحسنات والسيئات. يقول الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره: «أي واختبرناهم بالرخاء في العيش والسعة في الرزق، وهذه هي الحسنات المراد بها في هذه الآية، وهذه هي الحسنات. وأما السيئات، قال: وأما السيئات فهي الضيق في المعيشة، الضيق في المعيشة والمصائب والرزايا في الأموال». هذا هو الابتلاء بالخير وبالشر. فلا تظنن، لا تظنن يا عبد الله أن الله سبحانه وتعالى إذا أكرم الإنسان أو إذا أنعم على الإنسان فهذا دليل الإكرام، ولا تظنن يا عبد الله أن الله عز وجل إذا امتحن الإنسان فهو عقوبة من الله له. فليس كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، يقول: «الإنعام ليس دليلاً على الإكرام، والامتحان ليس دليلاً على العقوبة». وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، انظر سماه ابتلاء، ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَأَعْطَاهُ مِنَ النِّعَمِ مِنَ الْحَسَنَاتِ مِنَ الْأَرْزَاقِ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾، ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان، لأن العطاء ليس دليلاً على إكرام الله عز وجل لهذا العبد، والمنع والامتحان ليس دليلاً على عقوبة الله عز وجل لهذا الإنسان. فالله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأما الآخرة فلا يعطيها إلا من يحب سبحانه وتعالى. فإذا تقرر ذلك يا عباد الله، فيجب على المسلم أن يحذر من هذه الفتن، فتن الدنيا وفتن الأموال. لا تدخل في جيبك درهمًا من حرام، فقد تبتلى بذلك، خصوصًا عند الضائقات والشدائد. انظروا إلى ما ابتلى الله عز وجل به كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك مع صاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة كما ومعلوم في حديثه، وكما وصف الله عز وجل حالهم في كتابه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾. انظر إلى هذا الوصف الرباني لهؤلاء: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، الأرض واسعة لكن يجدون في قلوبهم الضيق. تصور هذا: لا أحد يكلمك من إخوانك المسلمين، ولا يسلم عليك، بل ولا يرد عليك السلام، أنت وحدك لا يكلمك أحد. وأيضًا من عظيم ابتلائهم أنه بعد الأربعين أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يقربوا نساءهم، لا يقربوا نساءهم. سبحان الله، ابتلاء عظيم. فبينما كعب بن مالك في هذا الابتلاء العظيم وهو في السوق، فإذا بنبطي من الأنباط يأتي برسالة من ملك غسان، فيسأل الناس عن كعب بن مالك، من يدل على كعب بن مالك؟ فأشار إليه الناس إلى كعب بن مالك، فذهب هذا النبطي برسالة وأعطاها كعب بن مالك، ففتحها كعب بن مالك، فإذا في هذه الرسالة: «أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد قلاك، أي قد جفاك وهجرك، وإن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، لماذا تضيع نفسك، لماذا تهين نفسك، ما يكلمك أحد، فالحق بنا نواسك، تعال إلينا نعطيك أيش تريد، تريد مال، تريد امرأة، تريد أي شيء، تفضل، تعال، اترك هذا الدين وهذا الرجل». فلما قرأها كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «وهذا أيضًا من البلاء، ابتلاء من الله». تصور وهو في هذا الضيق وهو في هذه الشدة يأتي هذا العرض ويأتي هذا الطلب من ملك من ملوك الدنيا، لكنه رضي الله تعالى عنه من أهل الإيمان الراسخين فيه، فعلم أن هذا من البلاء، فقال: «وهذا من البلاء»، فتيمم بها التنور فسجرها، أي حرقها. فلما انتهت الخمسين جاءت توبة الله عز وجل عنهم، ووصفهم بأنهم من أهل الصدق، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. لا تتنازل عن شيء من أمور دينك من أجل حفنة، ومن أجل لقمة من لقم هذه الدنيا. اصبر واثبت. نسمع الآن بعض الشباب، هدان الله وإياهم، يتخابرون مع الحوثي، أيش السبب؟ قال: يعطيهم أموالًا كثيرة. سبحان الله، تبيع وطنك، تبيع دينك، تبيع أهلك من أجل راتب دنيا. سبحان الله. انظروا إلى الفتن، وصدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، يبيع دينه بعرض من الدنيا، بدراهم، براتب، بأشياء من هذه الدنيا زائلة فانية». هذا من الابتلاء. إن أصبت في فقر يا عبد الله، إلجأ إلى الله، ادعُ الله، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. تريد الرزق؟ إلجأ إلى الله عز وجل، واستعن بالله واصبر، واعلم أن هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، فلا تشرق ولا تغرب ولا تطمع في دراهم لا تحل لك، لا تحل لك. وهكذا يا عباد الله، من أنواع الابتلاء الذي يبتلي الله عز وجل به عباده: الابتلاء في سبيل الدعوة إلى الله. أنت من أهل السنة ومن أهل كذلك الخير الذين يدعون إليه والذين يرجون الفلاح من الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فهذا الطريق كذلك مليء بالابتلاءات، مليء بالابتلاءات، فاثبت على هذه الدعوة ولا تكترث بما تلاقي في طريقك من الابتلاءات. اسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. انظروا إلى هذه الأوصاف العظيمة: مستهم البأساء والضراء وزُلزلوا. وفي الآية الأخرى يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ﴾. سبحان الله، استيأس الرسل من شدة ما يعانون، من شدة ما يلاقون. فماذا أنت لقيت يا عبد الله؟ مهما لقيت من شتم، من معارضة، من استهزاء، من سخرية، فاعلم أن هذا الطريق محفوف بتلك الابتلاءات. طيب، بعد الآذان إن شاء الله مواصل هذا الطريق، أيها الإخوة، طريق الدعوة إلى الله وإلى الخير. قتل في سبيله أنبياء، كزكريا ويحيى، وهكذا ابتلي فيه الأنبياء بالاستهزاء والسخرية والطرد والتهديد. ولك في نبيك محمد صلى الله عليه وسلم عبرة وعظة: كم لاقى في أول دعوته وفي آخرها من الابتلاء من أجل نشر هذا الدين؟ وضع سلا الجزور على ظهره، ووصف بأنه كذاب وأنه ساحر وأنه شاعر وأنه كاهن وأنه مجنون، كل هذه الأوصاف موجود في القرآن. وهكذا كسرت رباعيته بسبب جهاده بالسيف والسنان، وشج رأسه عليه الصلاة والسلام، وقتل من أصحابه واستشهدوا في سبيل الله، قدموا دماءهم رخيصة من أجل هذا الدين. وهكذا الصحابة، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه ابتلي بأهل الردة فقاتلهم رضي الله تعالى عنه، وهكذا عمر فتح بلاد فارس والروم، وهكذا غيره من الأئمة والعلماء: كم سجنوا، كم عذبوا؟ شيخ الإسلام ابن تيمية، كم سجن في سجن القلعة من أجل ماذا؟ من أجل هذا الدين. ما ترك الدعوة، ما ترك الحق، ما تخاذل، ما تكاسل. الإمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة، ماذا الابتلاء الذي تعرض له في عقيدة أهل الإسلام؟ وأن يقول بأن القرآن مخلوق، فأبى، مع أن بعض العلماء أخذوا بالتورية والمعاريض ونحو ذلك، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ثبت، والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ثبت، فكان يضرب حتى يغمى عليه، يضرب حتى يغمى عليه، يراد منه أن يقول كلمة: القرآن مخلوق، فقط وسيترك أمره، لكنه يعلم أنه إذا قال هذه الكلمة ستتدنس عقيدة أهل الإسلام وسيتبعه عامة الناس على ذلك، فثبته الله حتى جاءه الفرج من الله سبحانه وتعالى. وكم سنحكي من أخبار العلماء والدعاة الصادقين، فكن في ركبهم وسر بسيرهم، واثبت على دعوتك وعلى هذا الطريق الذي شرفك الله به، طريق العلم والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. قد تبتلى من أهلك، قد يقال لك: مطوع، قد يقال لك: أنت متشدد، قد يقال لك: أنت إرهابي، قد يقال لك: أنت ضائع، أنت لا شيء. اصبر واحتسب واثبت، هذا ابتلاء من الله عز وجل، لا تترك هذا الخير، ولا تترك هذه الدعوة التي أكرمك الله عز وجل بها. ثم ننتقل إلى الابتلاء بالخير، كما تقدم: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾. فكما أن الابتلاء يحصل بالشر وبالمصائب والمحن، كذلك الابتلاء يحصل بالخير والنعمى والسراء. ولذلك جاء عن عبد الرحمن بن عوف بالترمذي أنه كان يقول: «ابتلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضراء فصبرنا، وابتلينا بعده بالسراء فلم نصبر». قال أهل العلم: لأن الإنسان إذا ابتلي بالضراء والشدة لربما قويت نفسه على الصبر والتحمل، أما إذا ابتلي بالسراء والنعم فإن النفس تميل إلى الدع وإلى الراحة وإلى التنعم، فلربما يفتن بهذه النعمة، يفتن بهذه النعمة. نبي الله سليمان عليه السلام أعطاه الله ملكًا عظيمًا لم يؤته أحدًا من العالمين، كما دعا عليه السلام، فمن ذلك أن أرسل ذلك الذي أتاه الله من العلم إلى ملكة سبأ، إلى ملكة سبأ في اليمن، وسليمان كان في الشام، قال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، في لحظة، فإذا بهذا العرش أمامه عليه السلام، فعلم، فعلم أن هذه فتنة من الله عز وجل، ماذا قال؟ قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. اجعل هذه قاعدة أمامك: فأعطاك الله بيتًا، زوجة، ولدًا، وظيفة، مالًا، صحة، عافية، قل: «هذا من فضل ربي ليبلوني، أأشكر أم أكفر؟». هذا من فضل الله، هل تشكر الله عز وجل على هذه النعمة فتسخرها فيما يحب ويرضى، وتبتعد عن كل ما يبغضه ويأباه سبحانه وتعالى؟ فهذا ابتلاء من الله عز وجل يبتلي به عباده أن يوسع عليهم وأن يعطيهم من هذه الدنيا، فهذا أيضًا من البلاء الذي ينبغي أن ينتبه له المسلم، فلربما يصبر عند الضراء والشدة لكنه لا يشكر عند السراء والنعمة. وانظروا إلى هذا الحديث الذي فيه من المواعظ والعبر، وفيه كذلك من هذا المعنى، وهو أحوال الناس عند النعم. جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، أي أن يختبرهم، فأرسل إليهم ملكًا، أي على صورة رجل، على صورة رجل، والملائكة بقدرة الله عز وجل يتشكلون على صورة الإنسان، كما في حديث جبريل المعروف وغيرها من الأحاديث». فجاء هذا الملك أولاً إلى الأبرص، والأبرص هو الذي فقد جلده، معروف البرص، هذه الجلدة التي في الأعلى تنسلخ تمامًا، وهذا مرض لا شك أنه يتعب صاحبه، أن لا يكون عنده حماية، تؤثر عليه الشمس والحرارة، ويؤثر عليه أي شيء، يعني يضربه في جسده. فجاء إلى هذا الأبرص وقال له: «أي شيء أحب إليك؟» أي شيء أحب إليك؟ قال: «لون حسن وجلد حسن». فمسح عليه هذا الملك فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. فقال له: «أي المال أحب إليك؟» أحب إليك، أحب إليك؟ قال له: «الإبل». فأعطاه ناقة عشراء، أي حامل في الشهر العاشر، عشراء، وقال له: «بارك الله لك فيها». ثم ذهب عند الأقرع، الأقرع الذي يعني لا شعر له، أصلع، ما عنده شعر. فقال له: «أي شيء أحب إليك؟» قال له: «شعر حسن، ويذهب الذي قدرني الناس به». وإيضًا صاحب البرص قال له: «يعني لون حسن وجلد حسن، ويذهب الذي قدرني الناس». فهذا الأقرع مسح على رأسه فأعطي شعرًا حسنًا. فقال له: «أي المال أحب إليك؟» قال له: «البقر». فأعطي بقرة حاملة، وقال له: «بارك الله لك فيها». ثم ذهب إلى الأعمى، وقال له: «أي المال، أي شيء أحب إليك؟» قال: «أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس». فمسح على عينيه فأبصر. فقال له: «أي المال أحب إليك؟» قال: «الغنم». فأعطي شاة والدة، وقال له: «بارك الله لك فيها». ثم أتى هذا الملك بعد فترة، بعد حين، إلى الأبرص على هيئته وصورته