المحاضرة بعنوان أسباب حفظ كتاب الله وإتقانه، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم السبت 24 رجب 1432هـ . ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع فضائل حفظ القرآن الكريم ومكانة حافظه في الدنيا والبرزخ والآخرة مستدلاً بأقوال السلف والأحاديث النبوية، ويؤكد أن الإخلاص لله هو الدافع الأقوى للاستمرار والإتقان محذراً من الرياء الذي يؤدي إلى الفتور والانقطاع.
يبين المقطع الأسس الشرعية لإتقان الحفظ مشدداً على شرط إخلاص النية وتطهير القلب من المعاصي لقبول نور القرآن، ويربط الحفظ بالفهم والعمل اقتداءً بهدي الصحابة في تعلم عشر آيات لا يجاوزونها حتى يعملوا بها، مع تأكيد لزوم المعاهدة والمراجعة المستمرة.
يذكر المقطع الوسائل العملية لإتقان الحفظ ككثرة التكرار والمراجعة في قيام الليل، والحفظ من مصحف واحد لتثبيت الصورة الذهنية، وعرض الحفظ على شيخ متقن للتصحيح، ويختتم بمنهج المراجعة اليومية المكثفة لعدة أجزاء والقراءة في النوافل والإمامة لضبط الحفظ كإتقان الفاتحة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فحفظ القرآن الكريم من أساسيات ومبادئ العلم الشرعي، ولذلك كان السلف الصالح غاية في الاهتمام بأمر حفظ كتاب الله في أول طلبهم للعلم. ولقد قرأنا كثيرًا أن السلف الصالح منهم من حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، ومنهم من حفظه وهو ابن عشر سنين، وإلى غير ذلكم. وكانوا يعيبون العالم الذي لا يحفظ كتاب الله، كما جاء في ترجمة عثمان بن محمد بن أبي شيبة رحمه الله تعالى، قال الحافظ في ترجمته في تقريب التهذيب: «قال: ثقة، حافظ، شهير، قيل: أنه كان لا يحفظ القرآن». فإذا يا طالب العلم، احرص على حفظ كتاب الله، وعلى إتقان حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، فإن القرآن الكريم هو أصل العلوم، ويتمكن الطالب من العلم الشرعي بقدر إتقانه لحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. وأنت يا طالب العلم، إذا حفظت كتاب الله فلك الرفعة في الدنيا، وفي حياة البرزخ، وفي يوم القيامة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. ومما يشهد على رفعة حافظ القرآن في الدنيا ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ». فأنت مقدم في هذه العبادة الجليلة، تصلي بالمسلمين المؤمنين، تكون لهم إمامًا يُقتدى بك في أعمالك وأفعال الصلاة. ومما يشهد لرفعة حافظ القرآن وآخذ القرآن في حياة البرزخ ما جاء في صحيح البخاري في أمر أُحد، لما شق على صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدفنوا كل واحد في قبر، استشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدفنوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يقف على هؤلاء فيقول للصحابة: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟» فإذا أشير له إلى أحدهم قال: «قَدِّمُوهُ»، فكانوا يقدمونه في اللحد لأنه كان أكثر أخذًا للقرآن. وهكذا مما يشهد على علو منزلة آخذ القرآن وحافظ القرآن في يوم القيامة ما جاء عند الإمام أحمد وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تَرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا». انظروا إلى هذه الرفعة وإلى هذه المنزلة. فيا طالب العلم، احرص على حفظ كتاب الله، وعلى إتقان حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. وفي هذا المقام أحب أن أنبه على بعض الأسباب المعينة لحفظ كتاب الله، ولإتقان حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. فمن أعظم هذه الأسباب الإخلاص لله سبحانه وتعالى، أن تحفظ كتاب الله طاعة لله سبحانه وتعالى، رجاء ثواب الله عز وجل، لا تريد بحفظ القرآن أن يقال: إن فلانًا حافظ للقرآن، إن فلانًا حافظ للقرآن، أو أن يقال: إن فلانًا قد أتقن حفظ القرآن، أو أن تماري به الحفاظ، وهكذا لتظهر قوة حافظتك، ليس هذا من الإخلاص في شيء. فالإخلاص أن تحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى رجاء ثواب الله وطاعة لله سبحانه وتعالى، فهذا الذي يعينه الله عز وجل، فما كان لله تم. وأما الطالب الذي قصده ونيته من حفظ كتاب الله الرياء والسمعة، فسرعان ما ينقطع، وسرعان ما يمل ويكسل ويترك المواصلة لحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. وأذكرك بحديث أبي هريرة في أول من تسعر بهم النار، فمن أولئك حافظ للقرآن وآخذ للقرآن، يؤتى به يوم القيامة فيعرف بهذه النعمة فيعرفها، فيقال له: ماذا فعلت وماذا عملت بهذه النعمة؟ فيقول: يا رب، قرأت فيك كتابك، وهكذا أخلصت فيك، أو بهذا المعنى، فيقال له: كذبت، وإنما فعلت ذلك ليقال: قارئ، وقد قيل، ثم يؤمر به فيؤخذ، والعياذ بالله، إلى نار جهنم. وهكذا من الأسباب المعينة على حفظ كتاب الله، وعلى إتقان حفظ كتاب الله، تزكية النفس وتطهيرها، وذلك بطاعة الله سبحانه وتعالى والبعد عن المعاصي والآثام. فإن العبد إذا أسرف على نفسه بالمعاصي شق عليه أيما مشقة حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، لأن الران قد تكون على قلب ذلكم العاصي، فلا ين له أن يدخل هذا النور إلى قلبه، إلى قلبه. فكتاب الله نور من الله سبحانه وتعالى لا يؤتاه إلا الطائعون، إلا المتقون، إلا الذين قد طهروا قلوبهم من المعاصي والآثام. ولذلك لما جاء الإمام الشافعي إلى وكيع رحمه الله تعالى ويشكو له -يعني ضعف حفظه- فأوصاه بالبعد عن المعاصي، فأنشد الإمام الشافعي هذين البيتين، فقال رحمه الله تعالى: شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي وَقَالَ أَعْلَمْ بِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ وَنُورُ اللَّهِ لَا يُؤْتَاهُ عَاصِ هكذا: نور الله لا يؤتاه عاص. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». فإن العاصي يحول بينه وبين كتاب الله سبحانه وتعالى ذلك الران الذي يتكون من جراء المعاصي والآثام. وهكذا من الأسباب المعينة على حفظ كتاب الله، وعلى إتقان حفظ كتاب الله عز وجل، أن تقرأ ما يتيسر من تفسير الآيات التي تريد أن تحفظها، وأن تربط بين الحفظ والفهم، بين الحفظ والفهم، حتى تقرأ وتحفظ هذه الآيات وأنت عالم بمعناها وعالم بتفسيرها، ولو أن تقرأ في تفسير ميسر كتفسير الشيخ العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي عليه رحمة الله. وهذا هو الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد ذكر الحافظ في تفسيره، وهكذا شيخ الإسلام بن تيمية في أصول التفسير، عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى، أنه قال: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يَتَجَاوَزُوهُنَّ حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهِنَّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهِنَّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالَ: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا، فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا». كانوا يأخذون العشر الآيات من القرآن، ما يتجاوزونها حتى يعلموا معناها، ويعملوا كذلك بما فيها من العلم. فهكذا طالب العلم، والذي عزم على حفظ كتاب الله، ينبغي عليه أن يراعي هذا الأمر، وأن يقرأ تفسير هذه الآيات التي يريد حفظها. وهكذا من الأسباب المعينة على حفظ كتاب الله، تكرار المحفوظ، أن تكرر ما تريد حفظه، وأن تكرر ما قد حفظت من قبل، وذلك بالمعاهدة. فقد جاء في حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا». فليس الشأن كل الشأن أن تحفظ ورقة في اليوم ثم تترك هذه الورقة ولا تراجعها ولا تتعاهدها، فهذا ليس هو المراد، وإنما المراد أن تحفظ هذه الآيات، وأن تستمر في مراجعتها وفي تكرارها، والحفظ الجديد تكرره المرات الكثيرة. ولعلكم سمعتم شيخنا أبا عبد الرحمن عبد الله بن مرعي حفظه الله، عندما ذكر السبب في قوة حافظة الشناقطة، لماذا هم؟ يعني آية في الحفظ، السبب في هذا أنهم كانوا يكررون ما يحفظون ربما مئات المرات، مئات المرات يكررون الآية الواحدة حتى تترسخ رسوخًا عظيمًا في أذهانهم، فلا يعني تنسى هذه الآية لأنهم قد كرروها المرات الكثيرة. فهكذا ينبغي لحافظ القرآن أن يصبر نفسه، وأن يكرر المرات الكثيرة والكثيرة، فإن بالتكرار تترسخ أو يترسخ الحفظ في الأذهان. وهكذا، إن استطعت أن تقوم بهذا المحفوظ في قيامك للليل، فتجمع بين العلم وبين العبادة وبين مراجعة المحفوظات، فهذا أمر جليل عظيم، أن تجعل لك وردًا من محفوظاتك في قيامك للليل، ولو ربع ساعة تراجع فيها في صلاتك ما قد حفظت من قبل، فهذا أمر يعينك على الإتقان، ويعينك على كذلك تثبيت الحفظ. وهكذا من الأسباب المعينة على حفظ كتاب الله، وعلى إتقان حفظ كتاب الله، أن تحفظ من مصحف واحد أو من نسخة واحدة، مصحف من نسخة واحدة، لا تعدد النسخ، لأن الحفظ كما يكون بالاستماع يكون كذلك بالنظر، يكون بالنظر، وهذا أمر معلوم مشاهد. فإذا حفظت في مصحف واحد ربما تعلم أن هذه الآية في أول الصفحة، أو أن هذه الآية في وسط الصفحة، أو أن هذه الآية في آخر الصفحة، لأنه تترسخ هذه الصفحة في ذهنك. فهكذا مما ينبه عليه، ومما يحث عليه أهل العلم، أن الحافظ تكون له نسخة واحدة من القرآن يحفظ عليها، يحفظ عليها، فهذا أيضًا مما يعين على إتقان حفظ كتاب الله عز وجل، فلا يتشتت الذهن. وهكذا من الأسباب المعينة على حفظ القرآن، وعلى إتقان حفظ القرآن، أن تعرض هذا الحفظ على متقن لكتاب الله عز وجل، لا تحفظ وحدك دون أن تتلقى هذا القرآن، دون أن تتلقى هذا القرآن، فليكن لك مدرس، يكن لك مدرس تأخذ عنه هذا الحفظ، يصحح لك الخطأ. لأن بعض الناس إذا حفظ وحده ربما يحفظ خطأً، ويترسخ هذا الخطأ في ذهنه، فإذا أردت في المستقبل أن تصحح له هذا الخطأ تجد مشقة عظيمة، لماذا؟ لأنه تربى على هذا الخطأ ونشأ معه هذا الخطأ، فلا يكاد لسانه يترك هذا الخطأ. فإذا حفظ من أول الأمر حفظًا صحيحًا، ولا يكون ذلك إلا بالتلقي. إن وجد في مسجد قريتك أو في المركز الذي أنت تدرس فيه متقن للقرآن تأخذ منه القرآن، وإن لم يتيسر ذلك فبالطرق الحديثة كالمسجلة أو جهاز الكمبيوتر، أو إلى غير ذلك من الوسائل الحديثة التي يعني فيها من القراء المتقنين، أولئك الذين يقرؤون القراءة الصحيحة. فهذا أيضًا مما ينبه عليه في حفظ كتاب الله. والأمر إن شاء الله سبحانه وتعالى يسير على من يسره الله عليه، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. فالقرآن سهل ميسر، فما عليك إلا أن تعزم، وأن تصدق العزم، وأن تأخذ بهذه الأسباب، وأن كذلك تكثر كما تقدم من المراجعة والمذاكرة. أفضل طريقة لحفظ وإتقان القرآن أن تكثر من مراجعته، فكما قال بعض السلف: حياة العلم مذاكرته. كل علم تريده أن يحيا في ذهنك فعليك بكثرة المراجعة، بكثرة المراجعة. إن أكملت كتاب الله واستطعت أن تراجع في اليوم أكثر من جزء أو جزئين أو أكثر فافعل، واستمر على هذا، فما هي إلا أشهر أو سنوات يسيرة فإذا بالقرآن يعني قد أتقنته كإتقانك لفاتحة الكتاب بإذن الله سبحانه وتعالى. وهكذا وهكذا وهكذا، تصلي به في صلاة النوافل، وإن كنت إمامًا كذلك تجرأ نفسك على أن تقرأ من حفظك، فكل هذا مما يعين على إتقان حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من حفاظ كتابه، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.