التعليق على تقريب التدمرية 50

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 50، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

القاعدة الخامسة: علمنا بما أخبر الله به عن نفسه - معلوم المعنى مجهول الكيفية

تقرر القاعدة الخامسة أن ما أخبر الله به عن نفسه في القرآن معلوم المعنى ومجهول الكيفية، ويستدل على وجوب تدبر معاني القرآن بآيات الحث على التدبر والتوبيخ على تركه. إنزال القرآن كان للتدبر والاعتبار، ولا يتصور تدبر بلا فهم المعنى، ويشمل ذلك آيات الأسماء والصفات والأخبار الغيبية.

أهمية فهم معاني القرآن لتحقيق التدبر والعمل به

يؤكد المقطع أن التدبر الحقيقي للقرآن يستلزم فهم معاني ألفاظه، لأن القراءة المجردة دون فهم لا تثمر اعتبارًا ولا عملًا. أمر الله برد المتشابه إلى المحكم، وكان الصحابة يتعلمون القرآن فهمًا وعملًا، وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه متضمنًا لمعانيه.

وجوب تدبر أسماء الله وصفاته ودلالة الشرع والعقل على معرفة معانيها

يؤكد المقطع أن النبي ﷺ دعا لابن عباس بالفقه في الدين وتأويل القرآن، مما جعله ترجمان القرآن. تدبر القرآن واجب في جميع آياته بما فيها أسماء الله وصفاته، لأن الله حث على تدبر القرآن كله ولم يستثنِ شيئاً، ونسب القول بعدم معرفة معانيها إلى نسبة اللغو لله.

إثبات أن معاني أسماء الله وصفاته معلومة كالأخبار التاريخية ورفض القول بجهالتها

يرد الشيخ على من يزعم أن أخبار الأمم الماضية في القرآن معلومة المعنى بينما أسماء الله وصفاته مجهولة، معتبراً ذلك محالاً عقلاً وشرعاً. يوضح أن "الأماني" في القرآن تعني التلاوة المجردة عن الفهم، مستدلاً بآيات وسياق حديث عن عثمان رضي الله عنه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة في علمنا بما أخبر الله تعالى به عن نفسه. قال رحمه الله: ما أخبرنا الله به عن نفسه فهو معلوم لنا من جهة، ومجهول من جهة. معلوم لنا من جهة المعنى، ومجهول لنا من جهة الكيفية. أما كونه معلومًا لنا من جهة المعنى، فثابت بدلالة السمع والعقل. أما دلالة السمع: فقوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، وقوله: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾، وقوله: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فحث الله تعالى على تدبر القرآن كله، ولم يستثنِ شيئًا منه، ووبخ من لم يتدبره، وبَيَّن أن الحكمة من إنزاله أن يتدبره الذين أنزل إليهم، ويتعظ به أصحاب العقول. ولولا أن له معنى يُعلم بالتدبر، لكان الحث على تدبره من لغو القول، ولكان الاشتغال بتدبره من إضاعة الوقت، ولفاتت الحكمة من إنزاله، ولما حسن التوبيخ على تركه. والحث على تدبر القرآن شامل لتدبر جميع آياته: الخبرية العلمية، والحكمية العملية. فكما أننا مأمورون بتدبر آيات الأحكام لفهم معناها والعمل بمقتضاها، إذ لا يمكن العمل بها بدون فهم معناها، فكذلك نحن مأمورون بتدبر آيات الأخبار لفهم معناها، واعتقاد مقتضاها، والثناء على الله تعالى بها، إذ لا يمكن اعتقاد ما لم نفهمه، أو الثناء على الله تعالى به. وأما دلالة العقل على فهم معاني ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، فمن وجهين، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك. ذكر رحمه الله تعالى في هذه القاعدة ما يتعلق بعلمنا بما أخبر الله تعالى به عن نفسه في كتابه الكريم. فما أخبرنا الله جل وعلا به عن نفسه جل وعلا في كتابه الكريم، معلوم لنا من جهة، ومجهول لنا من جهة أخرى. معلوم لنا من جهة المعنى: فما جاء من أخبار في كتاب الله جل وعلا فهي معلومة المعنى لنا، سواء كانت هذه الأخبار تتعلق بأخبار يوم القيامة، أو بأمور غيبية، أو بالأخبار التي فيها ما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه من إثبات ما أثبت لنفسه جل وعلا من الأسماء الحسنى والصفات العلى. فهذه الأخبار معلومة لنا من جهة المعنى. وأما من جهة الكيفية فهي مجهولة لنا. فلنحن لا نعلم حقائق هذه الأخبار، الأخبار عما يحصل في اليوم الآخر من نصب الموازين، والصراط، والجنة، والنار، والوقوف. كل هذه الأمور أخبرنا بها، لكن حقائق هذه الأمور: كيف الصراط؟ كيف الموازين؟ كيف كذا وكيف كذا؟ على حقيقتها التي هي عليها، هذه الحقائق إنما تعلم يوم القيامة حين يراها الناس. لكن هي معلومة من حيث المعنى: الصراط معلوم المعنى، الموازين معلومة المعنى، الجنة معلومة المعنى، النار معلومة المعنى، إلى آخر ذلك من الأمور الغيبية. لكن حقائق هذه الأمور وحقائق هذه الأخبار، وهكذا ما يتعلق بأسماء الله جل وعلا وصفاته: فأسماؤه جل وعلا معلومة المعنى، وصفاته معلومة المعنى، لكن الحقيقة والكيفية التي عليها هذه الصفات مجهولة، لا علم لنا بها، لا علم لنا بها. ولذلك ذكر المؤلف رحمه الله هذه القاعدة لبيان هذا الأمر فيما علمنا من أخبار في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه الأخبار معلومة من وجه، مجهولة من وجه آخر. معلومة من جهة المعنى لأن الله جل وعلا خاطبنا بهذه الأخبار بلسان عربي، بلسان عربي، ونحن عرب نعلم معنى لغة العرب. الأعجمي الذي لا يعلم لغة العرب لا يفهم، لا يفهم شيئًا؛ لأنه خوطب بغير لسانه. إذا جئت تقرأ كتابًا بلغة الفرنسيين، أو بلغة الإنجليز، ماذا تفهم منه؟ لا تفهم منه شيئًا؛ لأن هذه ليست لغتك، لغة غيرك. وهكذا الأعجمي الذي لم يعلم العربية ولم يتعلم العربية، ما يفهم الكلام العربي، ولا يفهم المعاني. نعم، القرآن نزل بلغة العرب، وخاطب الله جل وعلا به العرب، فإذا هم يعلمون معاني هذه الأخبار، يعلمون معاني هذه الأخبار. إذا أخبرهم الله جل وعلا أن هناك جنة يوم القيامة، وأن هناك نارًا، وأن هناك عذابًا، وأن هناك صراطًا، وأن هناك موازين تنصب، وأن هناك موقفًا يقف الناس فيه، وأن إلى آخر ذلك، يعلمون معاني هذه الأمور. لا يقول: ما ندري ما معنى الصراط، ولا يقول: ما ندري معنى الجنة، ولا ندري معنى النار، ولا ندري ما معنى العذاب. يعلمون معاني هذه الأمور. لكن كيفيات هذه الأمور يجهلونها: كيف الجنة؟ كيف النار؟ الحقيقة التي هي عليها هذه مجهولة، هي مجهولة الكيفية، معلومة المعنى. وهكذا فيما يتعلق بأسماء الله جل وعلا وصفاته: الله جل وعلا خاطب عباده، وأخبر عباده بأنه جل وعلا الأسماء الحسنة وصفات العلا التي جاء ذكرها في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذه معلومة المعنى، مجهولة الكيفية. مجهولة الكيفية لأن لا نعلم كنه صفات رب العالمين جل وعلا والحقيقة التي عليها. لكنها ثابتة لله جل وعلا، ولها حقيقة. الصفات ثابتة لله جل وعلا، ولها حقيقة، لكن نحن نجهل تلك الكيفيات وتلك كذلك الكُنْه التي هي بصفات رب العالمين جل وعلا. وذلك لأننا لم نخبر بها في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وذكر رحمه الله تعالى دليل هذا الأمر، ودليل هذه القاعدة العظيمة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن الأدلة في كتاب الله جل وعلا: قوله سبحانه وتعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. وهذه الآية فيها بيان أن الله جل وعلا أنزل هذا الكتاب العظيم، الذي وصفه بأنه مبارك. لماذا أنزله الله سبحانه وتعالى؟ هل ليقرأ قراءة لا يستفاد منها أبدًا؟ إذا كان المراد قراءة هذا القرآن، قراءة هذه الأخبار في كتاب الله جل وعلا، لا تعلم المعنى، فماذا يستفيد الإنسان من القراءة في هذا الكتاب؟ ولضاعت الحكمة التي لأجلها أنزل الله سبحانه وتعالى هذا القرآن. من التدبر كيف يحصل التدبر؟ كيف يحصل الاعتبار؟ كيف يحصل كذلك الانزجار بما جاء فيه من وعيد وتهديد وغير ذلك، إذا كان هذا الكلام أصلًا لا يفهم؟ وهذا الكلام غير معلوم المعنى، فكأنك تقرأ كلامًا لا تفهم معناه. فيه أوامر، فيه نواهٍ، فيه أخبار، وكل هذه مجهولة المعنى، لا يعلم معناها. إذن كيف يحصل التدبر لهذا الكتاب العظيم المبارك الذي أنزله الله سبحانه وتعالى؟ وكذلك ذكر قوله جل وعلا: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾. وهذه الآية أيضًا فيها الأمر بتدبر القرآن. أمرنا الله جل وعلا بأن نتدبر هذا القرآن. كيف نتدبر هذا القرآن ونحن إذا كنا نقرأ هذا القرآن ولا نعلم معاني هذه الكلمات؟ ما معنى كذا؟ وما معنى هذه الكلمة؟ وما معنى هذه الكلمة؟ نصير نقرأ، نقرأ، نقرأ، نقرأ، نقرأ، نقرأ، ونحن لا نعلم معاني. نقرأ ألفاظًا مجردة جوفاء، نقرأ ألفاظًا مجردة جوفاء من المعاني. ماذا نستفيد منها؟ هذا كالذي يتكلم بكلام ولا يفهم شيئًا مما يقوله، أو الذي يقرأ كلامه ليس من لغته، لأنه لا يفهم معاني هذه الكلمات. وهذا باطل. فالله جل وعلا أمر بتدبر هذا الكتاب العظيم ليعلم ما فيه من الأمور العظيمة، ومن الإحكام وعدم التناقض في أخباره وفي أحكامه. إخلاف، نعم، كلام غيره جل وعلا فتجد فيه الاختلاف، وتجد فيه النقص، والتناقض. لكن كلام ربنا جل وعلا لا تناقض فيه. ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾. لكنه من عند الله، فلا اختلاف فيه، ولا تناقض. لكن قد يشتبه، قد يشتبه بعض ما فيه على بعض الناس. لكن ليس معنى هذا أن القرآن فيه تناقض. نعم، وإنما هذا الذي اشتبه على هذا، إذا رجع إلى المحكم في كتاب الله جل وعلا، تبين له ذلك الذي اشتبه عليه، فزال عنه الإشكال، زال عنه الإشكال لظنه. فلا يظن أحد أن في كلام الله جل وعلا شيئًا من التناقض، أو شيئًا من الإشكال أبدًا. قد يشتبه الأمر بضعف العلم نعم على بعض الناس، لكن أمر الله جل وعلا برد ما اشتبه إلى المحكم، فيتبين ذلك الذي اشتبه، وبه تزول الإشكالات التي طرأت على هذا في أول أمره. وكذلك ذكر قول الله جل وعلا: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾. وهذه النصوص كلها فيها الأمر بتدبر القرآن. وتدبر القرآن يكون بقراءة القرآن، وبفهم معناه: ما المراد من هذه الآيات؟ وما هي الأحكام المستفادة من هذه الآيات؟ وهذه الأخبار التي ذكرت، ما هي العبر التي تستفاد من هذه الأخبار؟ وهكذا كل ذلك يتأتى بالتدبر. كل ذلك يتأتى بالتدبر. أما أن يقرأ الإنسان قراءة سطحية، وقراءة مجردة، لا يحصل له الاعتبار، ولا يحصل له كذلك الفائدة والاستفادة. والقرآن إنما أنزل لتدبره، وللعمل به. كيف يعمل بأحكام جاء الأمر بها في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهو لا يعلم أصلًا ما معنى هذه الأحكام؟ نعم، يؤمر بالصلاة، يؤمر بالزكاة، يؤمر بالتوحيد، يؤمر بعبادات، يؤمر بصلة الأرحام، يؤمر ببر الوالدين، وهو لا يعلم معاني. ما معنى بر الوالدين؟ كيف يبر والديه؟ ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾. طيب، إذا كان لا يعلم معنى هذا الكلام، ما معنى الإحسان إلى الوالدين؟ ما معنى الوالدين أصلًا؟ ما معنى الوالدين أصلًا، ومن هما؟ من هما الوالدان؟ لا يعلم من هما الوالدان، كيف يحسن إليهما؟ هو لم يعرف من هما الوالدان، فضلًا عن أن يحسن إليهما. نعم، فلأنه لا يعلم هذه الكلمات. فإذا لا يعلم معنى التوحيد، ولا يعلم معنى سبحان الله. كفار قريش نزل عليهم القرآن، وأمروا بالتوحيد، علموا ما معنى التوحيد الذي أمروا به. ما معنى التوحيد الذي أمروا به، وأنه يستلزم ترك الآلهة والكفر بالآلهة. ولذلك كان يقول لأبي طالب: «فترغب عن ملة عبد المطلب». هذا معنى التوحيد: قل لا إله إلا الله. علموا معناها، نعم، ومقتضاها. وهكذا علموا ما جاء في كتاب الله جل وعلا من أوامر تأمرهم بالتوحيد، وتنهاهم عن الشرك، وتأمرهم بالإيمان بالبعث، وتنهاهم عن وأد البنات، وتنهاهم عن كذلك الذنوب والمعاصي التي هم واقعون فيها. فكل هذا معلوم المعنى. وهكذا ما جاء في الأخبار في كتاب الله جل وعلا مما يتعلق بأسماء الله جل وعلا وصفاته، فهي كذلك معلومة المعنى، مجهولة الكيفية. وذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وهذا حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري. النبي عليه الصلاة والسلام جعل خير الناس الذي تعلم القرآن وعلَّم هذا القرآن. كيف يتحصل على هذه الخيرية إذا كان هو أصلًا لا يفهم معنى القرآن؟ كيف يتعلم القرآن وكيف يعلم القرآن غيره وهو لم يعلم معاني القرآن؟ لا يتحقق هذا، ولا تتحقق هذه الخيرية إلا بتعلم القرآن قراءة لفظًا صحيحًا، وهكذا فهما لمعانيه. حتى بعد ذلك يعلم غيره، يعلم غيره هذا القرآن، فيتحصل على هذه الخيرية إن صدق في ذلك وأخلص مع الله سبحانه وتعالى. جبريل دارس النبي عليه الصلاة والسلام القرآن، كيف دارسه؟ يقرأ عليه القرآن هكذا، يقرأ عليه القرآن هكذا، ولا يبين له معانيه؟ هذا لا تسمى مدارسة. هذه لا تسمى مدارسة إذا كانت إنما هي قراءة مجردة، قراءة لألفاظ مجردة من غير بيان المعاني. كيف المدارسة؟ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كان مجاهد يعرض عليه المصحف، وعرض عليه المصحف مرتين، يوقفه عند كل آية، يسأله، يسأل عن ماذا؟ يسأل عن معناها: ما معنى هذه الآية؟ الصحابة رضي الله تعالى عنهم حفظوا هذا القرآن، تنزل عليهم الآيات فيحفظون هذه الآيات، ثم يعملون بها. عملوا بماذا؟ عملوا بشيء علموه من تلك الآيات، وفهموه أنها تعني كذا وكذا وكذا، وتأمرهم بكذا وكذا وكذا، فحققوا ذلك. فجمعوا بين العلم والعمل، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: «كان الذين يقرؤون القرآن من الصحابة، مثال عبد الله بن مسعود وأبي، قالوا: كانوا لا يتجاوزون العشر آيات حتى يعلموها ويعملوا بها. قال: فتعلمنا العلم والعمل». إذن هم يحفظون الآيات، ويفهمون معانيها، ويعملون بتلك المعاني التي فهموها من هذا القرآن. ومن ذلك ما يتعلق بأسماء الله جل وعلا وصفاته، فإنهم تعبدوا الله جل وعلا بمقتضى ما علموه من معاني الله جل وعلا، ومن معاني أسماء الله جل وعلا، ومعاني صفاته سبحانه وتعالى. فعظموا الله جل وعلا حق تعظيمه. نعم، لماذا؟ لأنهم علموا معاني أسماء الله جل وعلا وصفاته، فتعبدوه جل وعلا بمقتضى ذلك. وهذا هو العلم العظيم، ومن أعظم أنواع العلم: العلم بأسماء الله جل وعلا وأوصافه سبحانه وتعالى. كما قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في نونيته: علمٌ بأوصاف الإله وكذلك *** الأسماء للديان والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني فأعلم العلم: العلم بأسماء الله جل وعلا وأوصافه. كيف يتحصل هذا العلم العظيم إذا كانت أسماء الله جل وعلا وصفاته سبحانه وتعالى غير معلومة المعنى، غير معلومة المعنى، لا يعلم معناها؟ فيتبين بهذا أن القرآن أنزل للتدبر، وأعظم الناس فقهًا هو من علم أحكامه، وعلم كذلك ما جاء من أخبار فيه، بفهم معاني تلك الأخبار، وبهذا يحقق العبودية الحقة لله سبحانه وتعالى. أما من جهل معاني القرآن، فإنه ليس كغيره ممن فقه في فهم هذا. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». ودعا لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. ما هذا التأويل الذي دعا النبي عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا أن يوفق ابن عباس له؟ ليس هو التأويل هذا الذي هو يسمونه تأويلًا على غير وجهه، وإنما هذا تحريف. لكن علمه التأويل بمعنى التفسير: تفسير هذه الآيات، وتفسير القرآن، تفسير آيات القرآن. ولذلك كان ابن عباس ترجمان القرآن. لماذا قيل فيه ترجمان القرآن؟ لأنه علم معاني القرآن، فكان ترجمان القرآن رضي الله تعالى عنه، كان حبر الأمة. حتى أنه فسر سورة النور، فسر سورة النور، قال بعض الصحابة: لو سمعها أهل الكفر من بلاد كذا وكذا، يعني الكفار، لأسلموا من دقة تفسيره رضي الله تعالى عنه، وبيان معاني هذه السورة العظيمة. فهذا يدلنا على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تعلموا من النبي عليه الصلاة والسلام معاني القرآن. ليس بعض القرآن، ليس بعض القرآن، لا، كل القرآن: الأخبار، وهكذا الأحكام، وهكذا الأخبار بما يتعلق بأسماء الله جل وعلا وصفاته. قال رحمه الله تعالى: «فحث الله تعالى على تدبر القرآن كله، ولم يستثنِ شيئًا منه، ووبخ من لم يتدبره، وبَيَّن أن الحكمة من إنزاله أن يتدبره الذين أنزل إليهم، ويتعظ به أصحاب العقول. ولولا أن له معنى يعلم بالتدبر، لكان الحث على تدبره من لغو القول». وهذا ينزه الرب جل وعلا عنه. فالذي يقول: أسماء الرب جل وعلا وصفاته سبحانه وتعالى غير معلومة المعنى، هذا يلزم منه لازم باطل، ينسب إلى الله جل وعلا أنه قال لغوًا من القول. وتعالى الله سبحانه وتعالى، وتنزه، وتنزه أن يقول لغوًا من القول. بل هو سبحانه وتعالى أصدق قيل، ومن أصدق من الله قيل؟ حديث: كيف يأمر بتدبر القرآن، وقد ذكر فيه ما يتعلق بأسمائه وصفاته، وهي غير معلومة المعنى؟ إيش معنى هذا الكلام؟ يعني فيه أمر بتدبر شيء، وهذا الشيء لا يمكن الوصول إليه، لا يمكن الوصول إلى معنى أسماء الله جل وعلا وصفاته. فكيف يكون الأمر بتدبر أسماء الله وصفاته؟ لأنه ما جاء لاستثناء. هل في القرآن: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ إلا ما يتعلق بالأسماء والصفات؟ أبدًا. النصوص عامة: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾، القرآن كله، من أوله إلى آخره. ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾. هل هذا فيه استثناء ما يتعلق بأسماء الله وصفاته أنها لا تتدبر؟ من يقول هذا يأتي بالدليل. ما فيه دليل. الأمر بتدبر القرآن كله، نعم، ومن ذلك أسماء الرب جل وعلا وصفاته سبحانه وتعالى. بل هي أعظم ما يتدبر، أعظم ما يتدبر، لأنها تتعلق بالله سبحانه وتعالى. وإنما يكون شرف العلم بشرف المعلوم. شرف العلم بشرف المعلوم. المعلوم هو الله سبحانه وتعالى، والعلم به من أشرف العلوم، فيكون العلم بأسماء الله جل وعلا وصفاته، وتدبر فيها، وفهم معاني هذه الصفات، من أشرف العلوم، لأنها تتعلق بأشرف معلوم، وهو الله سبحانه وتعالى. فإذا هذا لازم باطل يلزم من يقول: إن أسماء الله جل وعلا وصفاته لا تتدبر، ولا تعلم المعنى. نقول: نسبت إلى الله جل وعلا لغوًا من القول، أمر بتدبر ذلك، ولا وصول لذلك، لأنه لا يصر أحد أن يعلم المعنى بزعمك. فإذا يكون هذا من لغو القول، وهذا باطل، باطل، باطل. وهذا يلزمك من قولك هذا. ولو قلت: لا يلزمني، وإلا فهو لازم لك. قال رحمه الله تعالى: «والحث على تدبر القرآن شامل لتدبر جميع آياته: الخبرية العلمية، يعني الأخبار بما يتعلق باليوم الآخر، الأخبار بالأمور الغيبية، الأخبار بأسماء الله جل وعلا وصفاته، الأخبار بما أعد الله جل وعلا لعباده في الجنة، بما أعد لأعدائه في النار الكافرين، وهكذا كل ما جاء من أخبار في كتاب الله جل وعلا. أخبار علمية يراد العلم بها، ويراد فهم معناها، والاعتبار بها، واعتقادها، واعتقادها، والتدين لله جل وعلا بها، لأنها حق أخبر الله جل وعلا به في كتابه، أو أخبر بذلك رسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم. والحكمية العملية: يعني كالأحكام، أحكام القصاص، أحكام السارق: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾، الزاني، الأحكام الأخرى، أحكام من لاعن امرأته، أحكام من ظاهر من زوجته، أحكام من قذف زوجته، أحكام كثيرة في القرآن. وهكذا أحكام العبادات من صلاة وصيام وغير ذلك، أعمال. فكل ذلك مما جاء في كتاب الله جل وعلا، وأمر الله جل وعلا بتدبره: إما لاعتقاده والعمل بمقتضاه، وإما لتحقيقه بالعمل، أو لتنفيذه، إقامة الحدود الشرعية بمقتضى تلك الأحكام التي نص عليها كتاب الله جل وعلا. وهكذا ما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بيانها وتوضيحها. فالسنة تفسر القرآن، السنة تفسر القرآن. فإن كان هناك في القرآن شيء مجمل، فسرته السنة، وبينته. مثل القطع: جاء في قطع يد السارق، من أين؟ نعم، هل من العضد أو من الكف؟ السنة بينت ذلك أنه يكون من الكف، وأيضًا تكون قطع اليد اليمنى. وأحكام أخرى. فالسنة تفسر ماذا؟ القرآن. وأمر الله جل وعلا بما جاء في كتابه، وبما جاء في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، أي السنة. وقال عليه الصلاة... وقال ربنا عز وجل: ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾، والحكمة، وفسرت الحكمة بأنها سنة النبي عليه الصلاة والسلام، المفسرة للقرآن». قال رحمه الله تعالى: «فكذلك نحن مأمورون بتدبر آيات الأخبار لفهم معناها، واعتقاد مقتضاها، والثناء على الله تعالى بها، إذ لا يمكن اعتقاد ما لم نفهمه، أو الثناء على الله تعالى به». هذه دلالة الشرع على ذلك. قالوا: أما دلالة العقل على فهم معاني ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، فمن وجهين: أحدهما: أن ما أخبر الله به عن نفسه أعلى مراتب الأخبار، وأغلى مطالب الأخيار. فمن المحال أن يكون ما أخبر الله به عن نفسه مجهول المعنى، وما أخبر به عن فرعون وهامان وقارون، وعن قوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم، معلوم المعنى. مع أن ضرورة الخلق لفهم معنى ما أخبر الله به عن نفسه أعظم وأشد. هذا بدلالة العقل. الله سبحانه وتعالى أخبر عن أقوام، عن فرعون، وعن هامان، وعن قوم نوح، وعن غيرها من هؤلاء الأقوام، أخبرنا بذلك، ونحن نعلم معنى ذلك، ونحن نعلم معنى ذلك. فهل يكون أنه أخبرنا عن أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، وهي غير معلومة المعنى؟ أيهما أشد، نعم، وأعظم معنى يحتاج له الخلق: العلم بما حصل من أولئك الأقوام الذين سلفوا، وما وقعوا فيه، وما حصل من أذية لأنبياء الله جل وعلا، ومن ومن ومن، إلى آخر ذلك، أو أن الخلق بحاجة إلى العلم بمعاني أسماء الله جل وعلا وصفاته؟ لا شك أن هذا هو الثاني. فكيف يقال: ذلك معلوم المعنى، أخبار الأمم وما حصل في الأمم السالفة من وقائع وحداتها، هذه معلومة، أخبر الله جل وعلا عنها، وهي معلومة: فعلوا وفعلوا وفعلوا. وتكون أسماء الله وصفات الله سبحانه وتعالى غير معلومة المعنى؟ هذا يرفضه العقل. وهذا ماذا؟ من المحال أن ينزل الله جل وعلا هذا الكتاب الذي قد تضمن هذه الأخبار: أخبار الأمم الماضية، وأخبار ما يتعلق بأسماء وصفاته. لكن أخبار الأمم الماضية معلومة المعنى، والأخبار التي تتعلق بأسماء الله جل وعلا وصفاته مجهولة المعنى. هل هذا يقبله عاقل أبدًا؟ وإنما العقل يحيل ذلك ويرفض ذلك. ولا سيما أن الله جل وعلا وصف كتابه بأنه محكم، بأنه عليم حكيم، كريم، عظيم، مجيد، مجيد، مبين، بلسان عربي، ليعقل ويفهم. في هذه النسخة خطأ: بنقطة في العين، ليعقل بالغين بالغين، خطأ، ليعقل لا ليعقل بالغين، لا بالعين، ليعقل ويفهم. ثم تكون كلماته في أعظم المطالب غير معلومة المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يعلمها الناس إلا أماني، يعني تلاوة، ولا يخرجون بعلمها عن صفة الأمية، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾، يعني ما يعلمون ذلك إلا مجرد تلاوة، لا يستفيدون منها، ولا يخرجون بذلك عن أميتهم، لأنهم لا يعلمون معاني القرآن. فمعنى الأماني هنا: التلاوة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾، يعني إذا تلا، ألقى الشيطان في أمنيته، يعني في تلاوته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته. الآيات. وهكذا قيل في عثمان: «تمنى كتاب الله أول ليله»، يعني تلا كتاب الله أول ليله. وآخر... ألقى حمام المقادر. نواصل إن شاء الله في الدرس اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.