كتاب الزكاة 1

كتاب الزكاة 1

الدرس في كتاب الزكاة 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

معنى الزكاة وحكم جحدها ومنعها

يشرح المقطع المعنى اللغوي والشرعي للزكاة كنماء وتطهير، ويؤكد وجوبها كركن من أركان الإسلام بالكتاب والسنة والإجماع. يبين أن جاحد وجوبها كافر، بينما مانعها مع الإقرار بوجوبها مسلم عاصٍ تؤخذ منه قهراً ويعزر.

حديث بهز بن حكيم وشروط وجوب الزكاة وحكمتها

يناقش المقطع حديث بهز بن حكيم في أخذ شطر مال مانع الزكاة، مبيناً خلاف العلماء في ثبوته وضعفه، وأن الجمهور يرون تعزير المانع برأي الإمام. يستعرض شروط وجوب الزكاة الثلاثة: الإسلام، والنصاب، والحول الهجري، ويختتم ببيان حكمتها في تحقيق التكافل والأمن الاجتماعي.

مقارنة الأنظمة الاقتصادية بالزكاة ومنهج الدعوة بحديث معاذ

ينتقد المقطع الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية لظلمها وفشلها، ويبرز فضائل الزكاة وصلاحها للمجتمع. يشرح حديث معاذ بن جبل عند بعثه إلى اليمن، مبيناً اختلاف روايات إسناده وكيفية الجمع بينهما، مستخلصاً فقه أولويات الدعوة بالبدء بالتوحيد ثم الصلاة ثم الزكاة.

منهج الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد وأحكام صرف الزكاة

ينتقد المتحدث انشغال بعض الدعاة عن إنكار الشركيات، مؤكداً أن منهج الأنبياء يبدأ بدعوة التوحيد ثم الصلاة ثم الزكاة. يوضح أحكام الزكاة من حيث أخذها من أغنياء البلد وصرفها لفقرائه، وجواز نقلها إذا كفت الحاجة المحلية، مع النهي عن أخذ كرائم الأموال والتحذير من ظلم الناس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فانتهينا في الدرس الماضي من الكلام حول ما يتعلق بأحاديث الجنائز، فالحمد لله أولاً وآخراً الذي بنعمته تتم الصالحات. وبعد الكلام حول الجنائز يأتي الحديث حول الزكاة، فذكر رحمه الله تعالى كتاب الزكاة. قال رحمه الله تعالى: كتاب الزكاة. ومعنى كتاب الزكاة: أي هذا مكتوب في بيان أحاديث تتعلق بالزكاة، تتعلق بالزكاة. فكتابها هنا بمعنى مكتوب، فعال بمعنى مفعول. والزكاة في اللغة هي عبارة عن النماء والزيادة. الزكاة لغة هي النماء والزيادة، يقال: زكاة الزرع إذا نمى وزاد وكثر ريعه. وتأتي الزكاة أيضاً في لغة العرب بمعنى التطهير: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. والطهارة هنا هي طهارة معنوية، وهي طهارة القلب، وطهارة القلب بمعنى صلاحه. ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. وماذا جاء في الشرع؟ ذكر الزكاة بالأمرين معاً، الاعتبارين معاً: اعتبار كونها نماء وزيادة، واعتبار أنها تعتبر تطهيراً وإصلاحاً. فالأول: لأن إخراجها يعتبر سبباً لأنماء في المال، في المال. فالمال يكثر بسببها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مال من صدقة، ما نقص مال من صدقة». وسميت الزكاة يعني في الشرع زكاة لأجل وجود هذه المعاني اللغوية فيها. فكما سبق: الزكاة تنمية وزيادة في المال، وهكذا أيضاً فيها تطهير، يعني تطهير نفس صاحبها من البخل والشح. وهكذا أيضاً تطهير نفوس المستحقين لها من الفقراء والمساكين وغيرهم من الشحناء والبغضاء والحسد وغير ذلك. وينبغي أن نعلم أيها الأحبة في الله أن الزكاة تعتبر أحد أركان الإسلام والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين. وفرضيتها ثابتة بآيات القرآن، وهكذا بأحاديث السنة، وهكذا أيضاً بالإجماع. نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على فرضية الزكاة، وممن نقل ذلك الإمام النووي، وهكذا ابن قدامة وغيرهما، رحمة الله عليهم. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى كما في كتابه المجموع شرح المهذب: قال رحمه الله تعالى: «فالزكاة فرض وركن بإجماع المسلمين، بإجماع المسلمين، وتظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ذلك، والله أعلم». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ومما يدل على ذلك أيضاً على أهمية الزكاة في دين الإسلام أنها قرنت بآية الصلاة في القرآن الكريم في نحو 82 آية. قرنت الزكاة بالصلاة في القرآن الكريم في نحو من 82 آية من كتاب الله عز وجل. والقياس الصحيح يقتضي مشروعية هذه الزكاة، مشروعية هذه الزكاة. فمن أنكرها، أي أنكر فرضية الزكاة، فهذا هل هو مسلم أم كافر؟ شخص أنكر فرضية الزكاة، قال: الزكاة هذه ليست فرضاً، ولماذا أنتم تأخذون أموال الناس؟ وإلى غير ذلك. من أنكر فرضية الزكاة، هل هو مسلم أم كافر؟ نعم، أحسنت. غالباً أن مثل هذه الأحكام مما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة، مما يعلمه الجميع. فمن أنكر وجوب وفرضية الزكاة فهو كافر، إلا إذا كان من مثله يخفى عليه مثل هذه الأحكام. مثلاً: نشأ في بادية بعيدة جداً لا يسمع عن الإسلام وأحكام الإسلام إلا الشيء القليل. مثل هذا يعلم، ومثل هذا يبين له، يبين له. وأما من كان يعيش في أوساط المسلمين وينكر فرضية الزكاة، فهذا يا إخوان يعتبر مكذباً لآيات القرآن ولأحاديث السنة، ولأحاديث السنة. ومن أقر بأجوبها وفرضيتها لكنه منعها بخلا وشحاً، فهذا ما حكمه يا أبا هريرة؟ ما حكمه؟ يقول: نعم، الزكاة واجب، والزكاة فريضة، لكن ما سأعطيكم شيئاً، ما سأخرج شيئاً، لا تحاول، المال عزيز عندي، تعبت فيه. ما حكمه؟ هذا مسلم أو كافر؟ كافر. طيب، أحسنت. عندك يا أبا ناظم: مسلم لكنه عاصٍ، مسلم عاصٍ، يعتبر فاسقاً بفعله ذلك، وليس بكافر. لماذا ليس بكافر؟ لأنه يقر بفرضيتها وبأجوبها. ولهذا في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم في مانع الزكاة قال: «ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار». لو كان كافراً هل سيرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار؟ لا. إذا كان كافراً فالنار مثوى لهم، النار هي مصيرهم، وليس هناك احتمال في أنهم قد يدخلون الجنة، قد يدخلون الجنة. وهذا الذي عليه الجماهير من أهل العلم: أن مانع الزكاة بخلا وشحاً مع الإقرار بفرضيتها، فهو مسلم عاصٍ. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. والمال الذي هو مقصوده هنا بأنه كنز: الذي لم تؤد زكاته، الذي لم تؤد زكاته. وجاء عن بعضهم القول بكفر من منع الزكاة بخلا وشحاً. نقل ذلك عن التابعي سعيد بن جبير، وهكذا نافع والحكم، ورواية عن الإمام أحمد، رحم الله الجميع. هذه الرواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه، وقال به ابن حبيب من المالكية. واستدلوا على ذلك بقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، في الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. وهذا القول غير صحيح، والصحيح هو قول الجماهير من أهل العلم: أنه مسلم عاصٍ، ويعتبر فاسقاً بفعله ذلك، بفعله ذلك. ومن منع الزكاة فتأخذ منه قهراً. ما معنى قهراً؟ الذي يمنع الزكاة تأخذ منه قهراً. نعم، أحسنت. نعم، بغير رضاه، بالقوة تأخذ منه قهراً. أي: بقوة القوة. من يأخذها؟ الإمام، إمام المسلمين هو الذي يقوم بأخذها منه، ويعزره، ويعزره. والتعزير قد يكون بالسجن، قد يكون بالضرب فيما دون الحد، قد يكون بفرض غرامة مالية عليه. جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، هذه سلسلة يا إخوان مشهورة عند المحدثين: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، رضي عن أبيه عن جده، رضي الله عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طيب. من جده؟ بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، فمن هو جده الصحابي الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم، من جده يا أبا عبد الرحمن؟ ابن حيدة. أحسنت، معاوية بن حيدة. طيب، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، هذه سلسلة أخرى أيضاً مشهورة يا أبا الحسن. فمن جده؟ نعم، عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، من جده يا أبا تميم أو كاشا؟ من جده يا أبا حذيفة؟ تكرر معنا وما تكرر ماذا يا إخوان؟ ما تكرر تقرر، وحياة العلم يا إخوان كما سبق المذاكرة، وآفة العلم النسيان. نعم يا أبا زلفاء: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. فمن جده سيكون الآن عندك يا أبا معاوي؟ أعيد: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فمن جده؟ ها، من جده؟ نعم، طيب، لا بأس، خالد معنا، نعم تفضل. من جده في هذه السلسلة الثانية: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أظن ما يحتاج تفكير كثير لأن الجواب موجود. طيب يا أبا العباس معنا، أنت معنا، رحت شوية، لا بأس، أنت عود قليلاً. نعم يا أبا مسلم عندك؟ نعم، عبد الله بن عمرو بن العاص. عبد الله بن عمرو بن العاص. هذا يا إخوان على الصحيح، وإلا فبعضهم: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه، قالوا: شعيب عن جده، قالوا: جد عمرو وهو محمد. ورواية محمد جد شعيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة. أكد حكم بعض المحدثين على هذه السلسلة، لكن الصحيح: عن أبيه شعيب عن جده، أي عبد الله بن عمرو بن العاص. وبهذا تكون ماذا؟ متصلة، وليست بمرسلة، وليست بمرسلة. حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال ومن منعها»، أي منع ماذا؟ نعم، ومن منعها، الزكاة. قال: «فإن آخذوها وشطر ماله»، عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى، لا يحل لآل محمد منها شيء. قال: «فإن آخذوها وشطر ماله»، أي عقوبة له، تعزيراً له، نأخذ الزكاة ونأخذ نصف ماله. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه إرواء الغليل وغيره من كتبه. قال في الإرواء بعد... آه، ماذا بعد تحسينه لهذا الحديث؟ قال: «إنما هو حسن للخلاف في بهز بن حكيم». قال: «إنما هو حسن للخلاف في بهز بن حكيم». والحديث ضعفه جماعة من أهل العلم، وممن ضعفه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ممن ضعفه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً ابن حبان، حكم عليه بالنكارة. قال: «لولا الحديث، يعني حديث لولا حديثه يعني بهز بن حكيم، قال: لولا حديثه إنا لآخذوها وشطر ماله، قال: لا أدخلته في أثقات». أي: لا أدخل بهز في أثقات. لكن لولا هذا الحديث فإنهم عدوه من مناكيره. وكان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى على تضعيفه، على تضعيفه. وذهب إلى ما في حديث بهز بن حكيم هذا جماعة من أهل العلم كإسحاق، وهكذا أبو بكر بن عبد العزيز وغيرهما. قالوا: تأخذ منه الزكاة طهراً، ويعزر بأن يأخذ نصف ماله معها. لكن الجمهور من أهل العلم ماذا؟ خالفوا في ذلك. ذهبوا إلى أن الأمير الإمام يعزره على منعه، يعزره على منعه، لكن ليس بما ورد في حديث بهز بن حكيم. قالوا: حديث بهز بن حكيم غير صحيح كما سبق، أن الشافعي وابن حبان وغيرهما ذهبوا إلى عدم ثبوته. وبعضهم ذهب إلى أنه ثابت، لكنهم قالوا: منسوخ. ما الدليل على نسخه؟ قالوا: الصحابة في عهد أبي بكر الصديق لم يعملوا به. منع الزكاة، من منع بعضهم منعها، رده، وبعضهم منعها مع بقائه على الإسلام. قالوا: ومع هذا لم يأخذ الصديق ولا غيره من الصحابة ماذا؟ شطر أموالهم، شطر أموالهم. إذن يا إخوان: يعزر من منع الزكاة بخلا وشحاً، الإمام يعزره بما يراه مناسباً، بما يراه مناسباً. وكذلكم أيضاً مما يتعلق بالزكاة: أن الزكاة لها شروط، شروط لوجوبها. وهذه الشروط ثلاثة: أولها الإسلام. قلنا: شروط وجوب الزكاة ثلاثة، أولها الإسلام. فلا تجب على كافر، الكافر لا تجب عليه الزكاة في ماله. ثانياً: النصاب. والنصاب هو عبارة عن مقدار معين من الأموال التي تجب فيها الزكاة. على سبيل المثال: نصاب الذهب خمسة وثمانين جراماً، وهكذا بقية الأموال كما سيأتي معنا، أن لكل منها نصاب، أن لكل منها نصاب. فإذا بلغ المال النصاب وبلغ النصاب فعندها تجب فيه الزكاة، وإذا لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه. والشرط الثالث: الحول. ما معنى الحول؟ ما معنى الحول؟ السنة. الحول، أحسنت. بمعنى السنة. والمقصود من ذلك هو مضي سنة كاملة على النصاب مكتملاً، على النصاب مكتملاً، إلا الخارج من الأرض فوقته يوم حصاده وحصوله. وقولهم: مضي سنة على النصاب مكتملاً، هذه السنة هل هي ميلادية أم هجرية؟ نعم، ميلادية أم هجرية؟ هجرية. لا تتم الأحكام إلا بالمواقيت الهجرية، أما الميلادية فليس تقوم بها الأحكام ولا تثبت بها العبادات، ولا تثبت بها العبادات. ويتلخص لنا من هذا كله يا إخوان: أن الزكاة تعتبر من محاسن الإسلام. الإسلام جاء بالعدل، وجاء بالتراحم، وجاء بالتعاطف والتعاون بين المسلمين، وهكذا قطع دابر كل شر يهدد الفضيلة ويهدد الأمنة والرخاء وغيرها من مقومات البقاء لصلاح الدنيا، وهكذا أيضاً صلاح الآخرة. جعل الإسلام الزكاة طهرة لصاحبها من رذائل وأمراض كثيرة، يعني كال بخل والشح والاستئثار والأنانية وغيرها من الأمراض، غيرها من الأمراض. وهكذا أيضاً جعل الله في الزكاة تنمية للأموال، هذه التنمية حسية، وهكذا أيضاً معنوية. وكذلكم أيضاً في الزكاة إعانة للفقراء والمساكين وغيرهم، وغيرهم من الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة. كذلكم أيضاً هي طهرة لهم من ماذا؟ من الأمراض التي قد تكون عندهم بسبب أنهم يرون الأموال بيد غيرهم ولا يستطيعون أن ينتفعوا بها. هنا إذا لم يعطي الغني الفقير من ماله، فعندها ماذا؟ فعندها قد يحقد عليه، وهكذا قد يكرهه ويبغضه، وهكذا قد يحسده. بل في بعض الأحيان قد يعتدي عليه ويقتله. قل: هذا معه أموال ما يعطي الناس شيئاً، فماذا يفعل؟ يحاول أن يضر به. لكن تخيلوا الغني حين أن يعطي الفقير: أعطى هذا مئة ألف ريال، وأعطى هذا خمسين ألفاً، وأعطى ذاك مئة ريال سعودي، وأعطى هذا خمسمائة ريال سعودي. بعد هذا العطاء، الفقير حين أن يرى الغني، ما هو شعوره تجاه الغني؟ الحب له والاحترام له، قد يقف له على الشارع، سلم عليه، حفاوة وترحاب. وسبب ذلك هو ماذا؟ هو هذه الزكاة. إذن يا إخوان: الزكاة تحقق سلاماً وأمناً في المجتمعات، سلام وأمن في المجتمعات، سببه ماذا؟ سببه الزكاة. الزكاة تحقق تأليفا بين القلوب، قلوب الأغنياء وقلوب إخوانهم الفقراء، وهكذا جمعاً للكلمة وغيرها. يا إخوان، ما أجمل أحكام هذه الشريعة! هناك أنظمة جاءت وتريد أن تصلح في هذا الباب في التفاوت في الرزق بين الأغنياء والفقراء. على سبيل المثال: هناك شيوعية، وهذه الشيوعية متطرفة، صين تدين بذلك، وهكذا أيضاً كوريا الشمالية، وهكذا أيضاً ما كان يسمى من قبل بالاتحاد السوفيتي، وهكذا مجموعة من الدول على النظام الشيوعي. والنظام الشيوعي يحارب هذا التفارق والتفاضل: يعني أنت عندك مال كثير، ليش؟ وهذا ما عنده شيء، فيأخذ من مالك قهراً ويُعطى لهذا الذي ليس عنده. طيب، الله عز وجل يقول: ﴿وَفَضَّلْنَا بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾. هذه حكمة يا إخوان أن جعل الله الناس يتفاضلون في الأرزاق. فوقع الظلم في حق الأغنياء، وأخذ الفقراء أموالاً بغير حق، ليس فيها بركة ولا يستفيدون منها حق الفائدة. فهذا جرم وظلم. وعلى هذا أيضاً النظام الاشتراكي، بينما هناك رأسمالية، هناك نظام رأسمالي. وهذا النظام الرأسمالي نظام شحيح، نظام ممسك، يعين الأغنياء على الاستبداد والاستغلال على حساب من؟ على حساب إخوانهم الفقراء. ولهذا يا إخوان أثبتت الأيام وأظهر الواقع فشل تلكم الأنظمة: الشيوعية انهارت، والاشتراكية ضعفت، والرأسمالية مصيرها إلى الانهيار لأنها أنظمة ومبادئ تخالف دين الإسلام. أما الزكاة فالزكاة يا إخوان، الزكاة فوائدها عظيمة وآثارها حميدة، بل هي سبب لإطالة الأعمار وعمران الديار، عمران الديار. فهذا من الأمور التي ينبغي أن ماذا؟ أن يتنبه لها فيما يتعلق بسماحة الإسلام وعظم هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». قال: «فإنهم أطاعوك لذلك، فإنهم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة». «فإنهم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». قال: «فإنهم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». هذا الحديث يا إخوان حديث عظيم، والحديث بيّن فيه عليه الصلاة والسلام حكم هذه الأمور، ومنها الزكاة. وهكذا أيضاً فيه ما يسمى بفقه أولويات الدعوة: الداعي إلى الله عز وجل بماذا ينبغي أن ينشغل به أولاً، ثم ينتقل إلى ماذا، ثم ماذا ينتقل إليه بعد ذلك، إلى آخره. فهذا الحديث يعتبر حديثاً عظيماً. هنا فائدة بالنسبة لإسناد هذا الحديث أشار إليها غير واحد من أهل العلم، ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كما في كتابه فتح الباري: أن قوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن، حين بعثه إلى اليمن»، أكذا جاء في أكثر الطرق. وبهذا يكون الحديث من مسندي... من الحديث، يكون من مسندي... نعم، من صحابيه، الصحابي الذي روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن. أحسن، أحسن. سيكون الحديث من مسند ابن عباس رضي الله عنهما. أكذا جاء في أكثر الطرق، إلا ما جاء في صحيح مسلم. الإمام مسلم روى الحديث عن طريق ثلاثة من مشائخه: من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، وهكذا أيضاً من طريق إسحاق بن إبراهيم وهو إسحاق بن راهويه، وهكذا أيضاً من طريق أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني. وهؤلاء ثلاثتهم يروونه عن وكيع بن الجراح، إلى ابن عباس، ابن عباس قال: عن معاذ بن جبل، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. رأيتم الاختلاف هنا في رواية مسلم: يرويه عن مشائخه الثلاثة أن الحديث من مسند معاذ، وليس من مسند ابن عباس، رضي الله تعالى عنهم جميعاً، رضي الله تعالى عنهم جميعاً. وبناء على هذا، بناء على هذا، أشار الإمام ابن الملق أيضاً في شرحه على عمدة الأحكام. ما اسم شرحه يا أبا الفارق؟ شرح ابن الملق على عمدة الأحكام: الإعلام. وابن دقيق العيد ما اسم شرحه؟ إحكام الأحكام. والبسام ما اسم شرحه؟ تيسير العلام. والعثيمين ما اسم شرحه؟ نعم، ما اسم شرحه العثيمين عندك يا با حديثة؟ تنبيه الأفهام. لعله بين يديك. طيب، تنبيه الأفهام. وهذه يا إخوان مراجع عظيمة جداً. أشاهد من هذا أن ابن الملق رحمه الله تعالى أشار إلى اختلاف الروايات، وأن الحديث ورد من مسند ابن عباس، وورد أيضاً من مسند معاذ. ثم قال: ويجمع بينهما أن يكون سمع ابن عباس الحديث مرة من معاذ، من معاذ، فرواه متصلاً، يعني ابن عباس عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال. وأرسله تارة، يعني ابن عباس يقول: ماذا؟ بعث، أو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن. قال: وأرسله تارة. نعم، وأرسله قال: وأرسله تارة. قال: ومرسله حجة على المشهور. مراسيل الصحابة، على سبيل المثال: ابن، أو أبو هريرة يروي أحاديث في بداية الدعوة والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة، هل حضر ذلك؟ الجواب: لا. أسلم أبو هريرة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بكم سنة؟ بكم سنة يا أبا طاهر؟ بكم؟ أربع سنوات. أحسن، آخر أربع سنوات عاشها النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم فيها أبو هريرة. طيب، كيف يروي أحاديث أن أبا جهل خرج إلى الحرم ويقول لأصحابه: أيعفر محمد رأسه أو وجهه بالتراب بين أظهركم؟ قالوا: بلى، يعني يصلي عند البيت. قال: واللات والعزة، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه بالتراب. الحديث. فهذا يسمى مرسل صحابي: يحدث الصحابي بحديث ما حضره، ما شهده. هذا مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حكمها الاتصال، حكمها متصلة ومقبولة، ومقبولة. الغالب أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، أو سمعها من صحابي آخر، من صحابي آخر. قال: ومرسله حجة على المشهور. كيف وقد عرف من أرسل عنه وهو معاذ؟ عرف من أرسل عنه وهو معاذ. قال: ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ وحضر القصة، فرواه تارة بلا واسطة وتارة بها، إما لنسيانه الحضور وإما لمعنى آخر. أكذا ذكر رحمه الله تعالى، أكذا ذكر رحمه الله تعالى. وهنا يقول النبي صلى الله عليه... أو يقول ابن عباس: قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن. وسمي اليمن يماناً، قيل لأنه يقع على يمين الكعبة، على يمين الكعبة، فقيل له يماناً. قال: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب». ما المقصود بأهل الكتاب؟ نعم، أحسنت: اليهود والنصارى، اليهود والنصارى أهل كتاب. قال: «فإذا جئتهم». ومعنى ومعنى أهل كتاب: أي أنهم أهل علم، ما هم مجرد عبدت أصنام، وإنما أصحاب ديانات قديمة ومعهم كتب سماوية. فهذا يا إخوان توطئة وتمهيد لألوصية ولكي يستجمع همته في دعوته، فإن أهل الكتاب لديهم علم، ولأجل ذلك لا يخاطبون كما يخاطب الجهال من المشركين، كما يخاطب الجهال من المشركين. قال: «فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». وهذا يا إخوان فيه أن الداعي يهتم بالدعوة إلى التوحيد قبل كل شيء. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. هذه دعوة الأنبياء، ومنهم نبينا صلى الله عليه وسلم. قال: «فإنهم أطاعوك، أطاعوا لك بذلك». وبعض الناس ينشغل بأمور عن دعوة الناس إلى التوحيد. ناس يتمسحون بأضرحة، وناس يحلفون بغير الله، وناس يتبركون بأحجار وأشجار، وناس يذهبون عند السحرة والمشعوذين، وهو لا يهتم بنصحهم ونهيهم ودعوتهم بترك ذلك، ويعتبر أن هذه الأمور تفرق. قال: إذا قلنا لهم لا تتمسحوا بالقبر، آسى، يزعلوا ويغضبوا، ولا يأتوا معنا، ولا يخرجوا معنا. دعوة بعد ذلك: إذا قلنا لهم من يخرج معنا ثلاثة أيام أو أربعين يوماً أو غير ذلك. وهذا يا إخوان يخالف منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله عز وجل. فليكن أول... فإذا جئتهم فادعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. الرسول عليه الصلاة والسلام لما نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، نادى وصعد على جبل الصفا، فجعل يعم ويخص: يا بني فلان، ابن فلان. فلما اجتمعوا حوله قال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. وهنا انقسم الناس إلى عدو وصديق، ومبغض ومحب له عليه الصلاة والسلام. قال: «فإنهم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة». خمس صلوات تبدأ بالظهر، فالعصر، ثم المغرب، فالعشاء، ثم الفجر، كما مر معنا في صلاة جبريل، بأن نبي صلى الله عليه وسلم بيانه للمواقيت: أول يوم صلى به في أول الوقت، جاء في اليوم الثاني وصلى به في آخر الوقت، ثم قال: يا محمد، الوقت بينهما. وبعض العلماء يجعل البداية بالفجر: الفجر، ثم الظهر، العصر، المغرب، العشاء، والأمر في هذا واسع. قال: «فإنهم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة». هذه الصدقة يا إخوان هي الزكاة المفروضة. «صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». ذهب بعض العلماء: تأخذ من أغنيائهم، أي أغنياء هذا البلد، ثم لا يذهب بها بعيداً، ترد على فقرائهم، أي فقراء هذا البلد. هكذا ذكر من ذكر من أهل العلم. ولهذا قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قال: أخذ منه عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال، عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال. أكذا ذكر رحمه الله تعالى. وممن أهل العلم من ذهب إلى أن معنى قوله: تأخذ من أغنيائهم، أي أغنياء المسلمين، فترد على فقرائهم، أي فقراء المسلمين. ولهذا ذهبوا إلى جواز نقل الزكاة من بلد المال، من بلد المال. والخلاصة في هذه المسألة: أنه إذا كان بلد المال بحاجة فالأولى أن تصرف فيهم ولا تنقل إلى غيرهم، ولا تنقل إلى غيرهم. وإذا كان بلد المال عندهم كفاية وغنية، والفقراء والمحتاجون يعتبرون قلة، فهنا ينقل المال إلى بلد أهله يستحقونه أكثر، يستحقونه أكثر، من غير حرج في ذلك، من غير حرج في ذلك. نعم، أعرف، أعرف الوقت، بس عمد أنه آخر. طيب. قال: «تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». قال: «فإنهم أطاعوا لك بذلك». قال: «فإياك وكرائم أموالهم». أيش معنى كرائم أموالهم يا أبا محمد؟ أحسنت. يعني: أنت تريد أن تأخذ الزكاة، لا تكن عينك إلى أحسن شيء تأخذه. ولماذا نهي عن ذلك؟ لأن صاحب المال غالباً قلبه يتعلق بالحسن، وأنت تأتي تأخذه. طيب، خذ. وإياك وكرائم أموالهم. إذن لا يأخذ أحسن شيء، ولا يأخذ كذلكم أيضاً ماذا؟ يعني أضعف شيء، وكذلكم أيضاً أقل شيء، وإنما يتوسط في ذلك، وإنما يتوسط في ذلك. قال: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». ﴿فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ﴾. وهذا فيه ماذا؟ فيه الحذر من الظلم، وكذلكم أيضاً أن المظلوم الله عز وجل ينتصر له، فيستجيب دعوته ويأخذ له حقه، إذا لم يكن في الدنيا فإن ذلك يكون في الآخرة، في الآخرة. طيب، نكتفي بهذا. وإن شاء الله عز وجل الذي يحفظ هو حديث ابن عباس الذي بين أيدينا، حديث الباب، وهو يعتبر الحديث الأول يحفظ، إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدين شكراً للمشاهدين شكراً للمشاهدين شكراً للمشاهدين شكراً للمشاهدين ترجمة نانسي قنقر