الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 37، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع الفصل الخامس من كتاب حلية طالبي العلم مؤكداً على ضرورة كتابة العلم وحفظه كما قال ابن المبارك: العلم صيد والكتابة قيده. ويسرد قصة محمد بن سلام البيكندي الذي انكسر قلمه فنادى: قلم بدينار، مما يدل على حرص السلف على عدم تفويت العلم.
يحث المقطع على تدوين العلم باستخدام أقلام جيدة لضمان بقائه، ويؤكد أن طلب العلم يجب أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى لا للدنيا. يستدل بأقوال الخطيب البغدادي وحديث أول من تسعر بهم النار مبيناً أن قبول العمل مشروط بالإخلاص والمتابعة.
يؤكد المقطع على أهمية إخلاص النية في طلب العلم الشرعي محذراً من طلبه للمفاخرة أو الرياسة، مستشهداً بأقوال الإمام أحمد والإمام الشافعي في أن بركة العلم تتوقف على صدق النية. ويذكر مثال الإمام أحمد في العمل بالحديث قبل روايته وحرص العالم على نشر العلم لا نسبته لنفسه.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. ويشكر الحضور على الاستماع والمشاركة في المجلس العلمي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فصلة أيها الأحبة في الله مع القراءة والتعليق على كتاب "حلية طالبي العلم" للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر له. ونحن مع الفصل الخامس منه. الفصل الخامس منه، من يذكر يا إخوان عما يتحدث الفصل الخامس الذي وقفنا عنده؟ الفصل الخامس: نعم، العلم. ماذا في العلم؟ نعم، حفظ العلم كتابة. وهذا من الآداب التي تتعلق بالفصل الخامس، والفصل الخامس هو عن آداب الطالب في حياته العلمية، أشياء يحتاجها الطالب أثناء طلب العلم. وسبق معنا أن هذا من الأمور المهمة جداً التي لا يستغني عنها طالب العلم. وذكر رحمه الله تعالى من هذه الآداب فيما سبق معنا: أولاً، كبر الهمة في العلم، أن يكون الطالب ذا همة عالية، ذا همة عالية. وهكذا أيضاً ذكر رحمه الله تعالى أدباً آخر، ألا وهو النهمة في طلب العلم، لا يبخل على نفسه، وإنما يطلب المزيد. من هومان لا يشبعان: طالب علم من علم، وطالب دنيا من دنيا، من دنيا. وهل سمعنا يوماً من الأيام أن أحداً من أهل الدنيا اكتفى بما عنده من مال وعقار وغير ذلك؟ وإنما يطلب المزيد، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وهكذا أيضاً ذكر رحمه الله تعالى الرحلة في طلب العلم، الرحلة في طلب العلم، وحفز وشجع ورغب على الرحلة لتحصيل العلم وأخذ العلم عن العلماء وعن المعلمين، وعن المعلمين. ثم آخر ما ذكر حول حفظ العلم وكتابته: حفظ العلم وكتابته. وذكرنا ما نقل عن الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: "العلم صيد والكتابة قيده". ولا يمكن أن يحصل على العلم إلا بذلك، إلا بذلك. ونحو هذا قول الشافعي: "العلم صيد والكتابة قيده، احصُ أو قيد صيودك بالحبال الواثقة". فمن الحماقة أن تصيد غزالة، وصيد الغزلان من أصعب الصيد لسرعته. وكذلك أيضاً انتباهه قال: "فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم أي بعد صيدها تذرها في البارية طالقة". وذكرنا كذلك أيضاً ما نقل عن الحكيم العربي: "العلم صيد والكتابة قيد". فإذا ضاع القيد، ماذا؟ من يكمل: "العلم صيد والكتابة قيد، فإذا ضاع القيد ذهب الصيد، ذهب الصيد". أكذا قال رحمه الله تعالى. والكلام حول حفظ العلم وكتابته من الأمور المهمة جداً، كما قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: "أيها الطالب علماً ائتِ حماد بن زيد، فاطلبن العلم منه، ثم قيده بقيد لا كثور، أو نعم، لا كثور وكجهم وكعمر بن عبيد". إذن العلم صيد يا إخوان، والكتابة قيد، فإذا ضاع القيد ذهب الصيد. ولهذا لا ينبغي للطالب أن يجلس وليس معه قلم ودفتر أو كتاب، وإنما لابد أن يمشي ويجلس ومعه القيد. فمتى وجد الصيد ماذا فعل؟ قيده. لكن المصيبة إذا وجد الصيد وليس معك قيد، من سيعطيك قيد؟ ما سيعطيك أحد. ومر معنا قصة من محمد بن سلام البيكندي، شيخ البخاري رحمه الله تعالى، أنه كان في مجلس الإملاء، في مجلس الإملاء، فماذا حصل له يا أبا حذيفة؟ انكسر القلم، انكسر القلم. لاحظوا يا إخوان همم السلف العالية، عرفوا قيمة الصيد فلم يضيعوا القيد. انكسر عليه القلم، أمر منادياً ينادي: "قلم بدينار، قلم بدينار". كم الدينار؟ أربع جرام وربع الجرام من الذهب. يقول: "قلم بدينار"، يعني من يبيعني قلماً بدينار؟ قال: عندها تطايرت إليه الأقلام، كلهم يريد ماذا؟ أن يبيع له القلم. لكن تخيل لو قال لزميله: "عندك قلم زائد؟ أكتب"، كما نفعل نحن اليوم، فقد يعتذر، وقد يقول: "أنا أحتاج القلم"، وقد... وقد. لكن عرفوا قيمة العلم، أمر شخصاً ينادي: "قلم بدينار". قالوا: فتطايرت إليه الأقلام. إذن يا إخوان، الكتابة هي القيد. ويا إخوان، الشخص لما يكون معه كتاب يتابع أو دفتر يسجل، يشعر أن للدرس لذة، أن للدرس لذة. وإذا كان ينظر إلى المدرس والمدرس ينظر إليه وليس هناك تقييد ولا تسجيل، فيشعر أن الدرس ممل وأن وقته طويل، وقد يأتيه النعاس، قد ينام في أول الدرس ولا يستيقظ إلا في آخره على الإقامة. في يا إخوان، نهتم بهذا. واليوم تكتب وغداً تحتاج إلى ما كتبت. نراجع في بعض الأحيان بعض الدفاتر القديمة يا إخوان، وغداً بدأ المداد يسيل، لماذا؟ لأننا كنا في أول الطلب نكتب بأي قلم، أي قلم رخيص، أي شي تكتب، تبهوا. يا إخوان، حاول إن استطعت أن تكتب بقلم حبره جيد، ليس جيد يبقى محفوظاً ولو بعد أربعين سنة. هذه الأقلام اللي رخيصة قد بعد عشرين ثلاثين سنة تأتي وتجد أن المداد قد سال وافترش، فحينها قد يصعب عليك قراءة بعض الكلمات. لكن القلم الجيد يبقى في الغالب محفوظاً. المهم تكتب، قلم جيد، قلم رديء، احفظ الصيد الآن وبعدها ماذا يكون؟ ماذا تنتفع به؟ تنتفع به. قال رحمه الله تعالى: قال: "حفظ الرعاية، حفظ الرعاية". قال رحمه الله تعالى: "قال: ابذل الوسعى في حفظ العلم، حفظ رعاية". ثم بين ذلك ما هو المقصود بحفظ الرعاية، قال: "بالعمل والاتباع، بالعمل والاتباع". قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، والخطيب يا إخوان أبو بكر البغدادي له نصيب وحظ كبير فيما يتعلق بآداب طالبي العلم، وله وله كتابه "الجامع" في ما يتعلق بآداب الشيخ والسامع، وهكذا له الرحلة في طلب العلم وغيرها كتب كثيرة وعظيمة. قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، أي في كتابه الجامع: "يجب على طالبي الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه، وليحذر أن يجعله سبيلاً إلى نيل الأعراب وطريقاً إلى أخذ الأعواض". جمع عوض، والعوض قد يكون مالاً أو جاهاً أو منصبا أو رتبة أو وظيفة إلى غيره. قال: "فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه، لمن ابتغى ذلك بعلمه". وكم يا إخوان نكثر من التذكير بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم في أول من تسعر بهم النار ثلاثة، أولهم من عالم، عالم يا إخوان. وفي رواية: قارئ. العالم تعلم العلم ليس لوجه الله وإنما لكي يقال له عالم. القارئ قرأ القرآن، تعلم تحفة الأطفال وتعلم المقدمة الجزرية وحفظ الشاطبية وأخذ حفص عن عاصم وطريقة الأخرى، طريق شعبة، وانتقل إلى القراءات، أخرجت له التسجيلات والصوتيات بتلاوة القارئ فلان بن فلان. لكن بعد هذا التعب وهذا الجهد، مثله كمثل مسافر يملأ جرابه رملاً، مسافر يحمل على ظهره الرمل، فلا يستفيد إلا التعب والإعياء. وهكذا من يعمل بلا... بلا إخلاص، من يعمل بلا إخلاص. قال رحمه الله تعالى: وينبغي يا إخوان كذلكم أيضاً أن نتذكر أمراً عظيماً، ألا وهو أن العلم يعتبر من أفضل العبادات وأجل الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل. وكلنا يعلم أن العبادة لا تصح وأن العمل لا يقبل إلا إذا توفر فيه شرطان اثنان، فما هما؟ العبيد معنا، تفضل. حدثنا: أولاً العلم، ثانياً العمل بالعلم. أنا سأعيد السؤال: قلنا العبادة لا تصح والعمل لا يقبل إلا إذا وجد فيه شرطان اثنان، أحدهما ميزان باطن والآخر ميزان ظاهر. الآن فيها موازين، صح. طيب، الأول هو ماذا؟ الإخلاص لله عز وجل. تذكر دليلاً على هذا. ممتاز: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء". "إنما الأعمال بالنيات"، صحتها وفسادها يترتب على صحة النية وفسادها. "إنما الأعمال بالنيات"، وماذا؟ "وإنما لكل امرئ ما نوى"، أي الجزاء الذي يترتب على هذه النية أو على هذا العمل على حسب ماذا؟ على حسب النية. "وإنما لكل امرئ ما نوى". طيب، أحسنت. الشرط الثاني، الشرط الثاني هذا الإخلاص... الثاني الإخلاص والنية بمعنى واحد. الميزان ظاهر الآن، هذا الباطن، الميزان الظاهر، حاول بلغ ما عرفت. طيب، أحسنت. أنت من المقد... من أين أنت؟ سقطرى، ماشاء الله، حي الله أهل سقطرى. طيب، أحسنت. نعم، عندك؟ نعم، المتابعة لمن؟ أحسنت: للرسول صلى الله عليه وسلم. تذكر دليلاً على المتابعة. نعم، عندك، تذكر دليلاً. ما شاء الله، لا تخف. صراحة في طلبنا للعلم كنا نخاف من الأسئلة، فأنا لا ألوم من كان خائفاً من الأسئلة. نخاف يا إخوان، كان الشيخ مقبل رحمه الله يخرج، يخرج بعصاه يتكى عليها، ويدور بين الطلاب، يترك الكرسي والميكروفون، ويخرج في أثناء الدرس ويسأل، يقول: "عندك؟ أسألك"، ويسأله، وينتقل هناك وهنا وهنا، ونحن نرتجف من الأسئلة. لكن يا إخوان، ذاك الوادعي حق لنا أن نخاف، يعني خوفاً طبيعياً. طيب، نعم يا أبا حذيفة: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". ومن السنة: ومن السنة. نعم يا باتمين: "نعم، من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، أي مردود عليه. والإمام أحمد رحمه الله تعالى كان يقول: "ليس شيء يعدل العلم لمن صلحت نيته، لمن صلحت نيته". فقيل: يا إمام، وما صلحت نيته؟ يعني كيف تصلح نية طالب العلم؟ سؤال وجيه يا إخوان. قال: "أن ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه ثم يرفع الجهل عن غيره، يرفع الجهل عن غيره". فبهذا يا إخوان تصلح النوايا. لا يكن نية الطالب الحصول على المال. "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا إلا لم يجد رائحة الجنة"، حسنه جماعة من أهل العلم. "إلا فهو من طريق فليح بن سليمان"، فليح بن سليمان، ضعفه جماعة من أهل العلم لكن حسنه بعضهم. "لا يتعلم العلم الشرعي لكي... لكي يماري العلماء ويجاري السفهاء ويصرف وجوه الناس إليه". هنا يا إخوان ماذا يكون؟ خطراً على صاحبه، بدلاً من أنه يؤجر، بذلاً من أنه يثاب، بذلاً من أنه يمدح، هنا سيكون ماذا؟ ذلكم الذي تعلمه وبالا عليه. الإخلاص يا إخوان كما قيل: سر بين العبد وربه عز وجل لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيزيغه. هذا سر يا إخوان. ولهذا الإخلاص إذا وجد في العمل ولو كان يسيراً قليلاً، فإن الله عز وجل يجعل فيه البركة، يجعل فيه البركة. والإخلاص إذا فقد من العمل الكثير الكبير، فإنه يكون ممحوق البركة، وعندها قد لا ينتفع به صاحبه، قد لا ينتفع به صاحبه. قال رحمه الله تعالى: قال: "وليتقِ المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة، واتخاذ الأتباع، وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه، أكثرها من هذا الوجه". أي من جهة النية وفسادها، النية وفسادها. لماذا يا إخوان؟ لأن الناس تجل صاحب العلم وتعظم وتوقر صاحب العلم، فلربما دخل عليه شيء من هذه الجهة، من هذه أو من هذا الوجه. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: "وددت، وددت أنه لو نشر علمي، وقال: ولم ينسب إلي منه شيء، لم ينسب إلي منه شيء". أهم شيء ينتشر العلم ويتعلم المسلمون، وليس شرطاً وليس مهماً أن يذكر الشافعي، أن يذكر الشافعي. وهكذا جاء عن غيره من الأئمة والعلماء في ذلك، والعلماء في ذلك. ولاحظوا يا إخوان أن السلف رحمة الله عليهم كانوا يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به، بالعمل به. كان الإمام أحمد رحمه الله، قالوا: إذا أراد أن يحدث بالحديث يعمل به، شق عليه حديث أراد أن يحدث به، فأراد قبل أن يحدث أن يعمل به. ما هو هذا الحديث؟ نعم، أحسنت: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أبا طيبة، أعطى الحجام ربع دينار. احتجم وأعطى الحجام ربع دينار. الآن سيحدث، يريد أن يطبق هذا الحديث، ماذا سيفعل؟ سيحتجم وسيعطي الحجام كم؟ ربع دينار. هذا الربع دينار عند طالبي العلم قد تكون ماذا؟ عملة صعبة، أي لا يوجد، أي لا يوجد. طيب، نكتفي بهذا ونكمل من هذه الآداب في دروس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً.