الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 36، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبرز المقطع قيمة كتابة العلم كقيد يحفظه من الضياع مستنداً إلى حديث «العلم صيد والكتابة قيده» وأقوال السلف. ويوضح معنى البدائع لغةً واصطلاحاً مؤكداً على آداب طالب العلم في الحفظ والتدوين.
يشدد المتحدث على ضرورة تدوين الفوائد لأن الحفظ يضعف مع الزمن وكثرة المشاغل. ويضرب المثل بالإمام الشعبي الذي كان آية في الحفظ ولم يكتب شيئاً معتبراً إعادة الحديث مشقة عظيمة.
يسلط المقطع الضوء على حرص السلف على كتابة العلم حتى على الجدران والرحال ثم ترتيبه في مذكرات مقسمة حسب الموضوعات. ويبين أن هذا التنظيم يعين على استرجاع العلم عند الحاجة الشديدة ويحفظه من النسيان.
يختتم المتحدث الفيديو بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله. ثم يشكر المشاهدين على المتابعة ويدعوهم للاشتراك في القناة لدعم المحتوى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، داعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي في حلية طالبي العلم الكلام حول أدب من آداب الطالب في حياته العلمية. فما هو هذا الأدب؟ هذا الأدب... نعم، من يذكر؟ نعم، أحسنت: «حفظوا العلم كتابة». حفظوا العلم كتابة. ومر معنا قوله عليه الصلاة والسلام: «قيدوا العلم بالكتابة»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «اكتبوا لأبي شاه»، وقوله لعبد الله بن عمر: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»، إلا حق. وتكلمنا حول أهمية الكتابة في حفظ العلم، في حفظ العلم. ومن القائل يا إخوان: «العلم صيد، والكتابة قيده، قيد صيودك بالحبال الواثقة»؟ نعم، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، هكذا يروى عنه رحمه الله تعالى، وفي ذلك من الحكمة الشيء الكثير. ونحوه قول بعض الحكماء: «العلم صيد، والكتابة قيد، فإذا ضاع القيد ذهب الصيد»، ذهب الصيد. ثم ختم هذا المبحث بقوله رحمه الله تعالى: «قال: وعليه» أي: على ما سبق ذكره وبيانه، «قال: فقيد العلم بالكتاب». وسبق معنا أن هذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الطبراني والحاكم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: «لا سيما بدائع الفوائد»، بدائع الفوائد. وقوله: «بدائع» جمع «بديعة»، ومنه قوله عز وجل: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ [البقرة: 117]، أي: خالقها على غير مثال سابق. والبديع يا إخوان في اللغة تأتي وتطلق على ما بلغ الغاية في بابه، ما بلغ الغاية في بابه. والبديع في علوم البلاغة هو أحد علوم البلاغة الثلاثة: البديع، والبيان، والمعاني. والبديع في علوم البلاغة يهتم بتحسين أساليب الكلام وتزيينه وتزويقه، ومنه: بديع لفظي، وبديع معنوي. وهنا يقول فيما ينبغي أن يقيد بيئة الكتابة: قال: «لا سيما بدائع الفوائد في غير مضانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودررًا منثورة تراها وتسمعها تخشى فواتها». قال: «وهكذا فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض». كم يا إخوان الحفظ قد يخون صاحبه، قد يخون صاحبه. تحفظ الشيء وتعتمد على حفظك، ومع طول الزمن وتأخر المدة وكثرة المشاغل قد يضعف الحفظ ويعرض للشخص النسيان. قال رحمه الله تعالى: قال الشعبي: «ما اسمه الشعبي يا إخوان؟» الشعبي، ما اسمه يا أبا محمد؟ ما اسمه الشعبي؟ أحد أعلام التابعين: الشعبي، عامر. أحسنت: عامر بن شراحيل، أبو عمرو الشعبي، الكوفي، الهمداني. قيل يا إخوان في الشعبي هذا: إنه أدرك أكثر من خمسمائة صحابي، أكثر من خمسمائة صحابي. إمام جليل، حتى قال الإمام مكحول رحمه الله تعالى: «ما رأيت أفقه منه»، ما رأيت أفقه منه. وذكر الإمام سفيان بن عيينة: قال: «كان في الناس ثلاثة بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وذكر الأول فقال: «ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه»، يعني: سفيان بن سعيد الثوري في زمانه. والشعبي يا إخوان كان آية في الحفظ، حتى أنه كان يقول: «ما كتبت سوداء في بيضاء»، ما كتبت سوداء في بيضاء، «إلى يومي هذا»، إلى يومي هذا. أي أنه كان يحفظ مباشرة، ما يحتاج أن يكتب في الأوراق. يقول: «ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته»، إلا حفظته، «ولا أحببت»، ولا أحببت «أن يعيده علي». ومن القائل يا إخوان: «إعادة الحديث أشد من نقل الصخر»؟ من القائل؟ مر معنا مرارًا: «إعادة الحديث أشد من نقل الصخر». لما يحدث شخص يقول لك: أعد، أعد، قد يكون سارحًا أو يفكر بعيدًا. نعم يا أبا محمد، من القائل؟ إمام متفق على جلالته. نعم يا أبا عبد الله: الزهري. أحسنت. وذكر عن الشعبي هذا رحمه الله تعالى أنه قال: «ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه شخص لكان به عالمًا». يعني: الذي نسيته من العلم، يقول: لو حفظه شخص لصار بذلك العلم الذي نسيته عالمًا. ومع هذا يا إخوان، انظروا إلى الشعبي ماذا يقول هنا. قال رحمه الله تعالى: قال: قال الشعبي: «إذا سمعت شيئًا فاكتبه، ولو في الحائط»، ولو في الحائط. إذا سمعت شيئًا فاكتبه، ولو في الحائط. قال: «رواه خيثمة عندكم هكذا، أو أبو خيثمة». رواه خيثمة، فلعله يريد: أبو خيثمة في كتابه «العلم». وأشاهد من هذا يا إخوان أن الشخص يحرص على الكتابة، قال: «ولو على حائط». وهل معنى هذا أنه يوسخ جدران الناس فيكتب عليها، أو جدران المسجد أو السكن؟ لا، لكن المقصود من هذا أن الشخص يكتب. كان بعض السلف على الراحلة، فيسمع الفائدة أو يسمع الحديث فيكتبه على الرحل، العود الذي يجلس عليه، يكتبه على الرحل، ثم بعد ذلك ينقله إلى كتابه. قال: «وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع، قال: فرتبه في تذكرة أو كناش». يعني: قلنا ماذا؟ مجموعة أوراق يسميها البعض اليوم بالكشكول، يعني: مثلًا مذكرة. قال: «على الموضوعات: فوائد العقيدة، فوائد الفقه، فوائد المصطلح، وهكذا». قال: «فإنه يسعفك في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات». وبهذا أنهى هذا الأدب وهذا الموضوع الهام الذي ينبغي... ماذا؟ أن نحرص عليه. ففيه حفظ العلم، ففيه حفظ العلم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة، اشتركوا في القناة.