التعليق على حلية طالب العلم 38

التعليق على حلية طالب العلم 38

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 38، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

إخلاص النية في طلب العلم ومراجعة المحفوظات

يبيّن المقطع الفرق الجوهري بين نية طلب العلم الشرعي التي تشترط الإخلاص لله، والعلوم الدنيوية التي تتسع للنوايا الدنيوية، محذراً من تلبيس الشيطان على النية. كما يؤكد ضرورة تعاهد المحفوظات بالمراجعة المستمرة مستدلاً بحديث تشبيه حافظ القرآن بصاحب الإبل المعقلة، وتنبيه الشيخ العثيمين أن عدم التعاهد سبب للنسيان.

خطر إهمال العلم ووجوب المداومة على المراجعة

يؤكد ابن عبد البر أن العلم يذهب بالإهمال ويضرب مثل القرآن الذي يسره الله للحفظ فإذا لم يُراجع ذهب، مبيناً أن النسيان ينقسم إلى طبيعي ومهمل. ويحذر النبي ﷺ من إهمال المحفوظ مشبهاً إياه بالإبل المتفلتة، مما يوجب المداومة على المراجعة لكل العلوم والمتون.

مكانة الحفظ والمذاكرة عند السلف والصالحين

يبرز المقطع مكانة الحفظ القوي والمذاكرة المستمرة في طلب العلم مستشهداً بأقوال الشعبي وابن عثيمين وسلوك الوادعي والسلف في صيانة الحافظة. ويختم بقول عمر بن الخطاب: «كان أعلمنا أحفظنا» وقاعدة «كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل مصيره».

الخاتمة والدعاء بالتوفيق والقبول

يختتم المتحدث المقطع بالدعاء للجميع بالتوفيق والرضا، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. ويختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين خاتماً المجلس بالذكر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر له. وكنا قد تكلمنا في الدرس الماضي حول أدب من هذه الآداب لطالبي العلم في حياته العلمية، ألا وهو ما يتعلق بحفظ الرعاية، وأن يبدل الوسع في حفظ العلم، وذلك يكون بالعمل والاتباع، وهكذا أيضًا يكون بإخلاص النية لله تبارك وتعالى في طلبه للعلم، ويجتنب أن يطلبه لعرض من أعراض الدنيا. يحذر طالب العلم أن يغير الشيطان عليه نيته، فإن من أعظم الأمور هو المجاهدة في باب النية. وكان السلف رضي الله تعالى عنهم يعانون من هذا مشقة، أن الواحد منهم كان كثيرًا ما يجاهد نفسه على إصلاح النية، ولربما يبدأ النية صالحة، فما هي إلا لحظات ويحرفها الشيطان، فيحتاج الشخص إلى أن يصحح النية مرة أخرى. ويجتنب كذلك أيضًا أن ينوي بطلبه للعلم المباهاة، وهكذا أيضًا المفاخرة، أو أن ينال رئاسة، أو أن يجد أتباعًا، أو أن يكسب وجاهة، أو أن يتحصل على مال، أو غير ذلك. فإذا فسدت النية كان هذا العمل وبالًا على صاحبه. أما بالنسبة للعلوم الدنيوية: تعلم الطب، لماذا؟ قال: الأطباء يتحصلون على أموال كثيرة. يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، وليس من باب الرياء أو الشرك، فهذا من أمور الدنيا. أو تعلم الهندسة، لماذا؟ قال: من أجل أن أبني بيوتًا وأكسب أموالًا إلى غير ذلك. فعلوم الدنيا يا إخوان تختلف عن ماذا؟ عن علوم الدين، عن العلم الشرعي. العلم الشرعي لا بد أن يخلص فيه النية، بخلاف العلوم الدنيوية فيجوز أن يكون فيه من هذه النوايا المباحة. قال رحمه الله تعالى: «تعاهد المحفوظات». ومعنى تعاهد المحفوظات يعني المذاكرة والمراجعة لما حفظه. قال رحمه الله تعالى: «تعاهد علمك من وقت إلى آخر». قال: «فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان». الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى له تعقيب وتنبيه، قال: «لو عبر بقوله: فإن عدم التعاهد سبب لذهاب العلم، لكان أولى». قال: «لو عبر بقوله: فإن عدم التعاهد سبب لذهاب العلم، وليس عنوان الذهاب للعلم، لكان أولى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها)». قال: «فيدل ذلك على أن عدم التعاهد سببه النسيان، عدم التعاهد سببه النسيان، وليس عنوانًا لذهاب العلم؛ لأن عنوان الشيء يكون بعد الشيء، وأما السبب فسبب الشيء يكون قبله». فهذا تنبيه منه رحمه الله تعالى. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى: «عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة)»، يعني الإبل التي ربطها صاحبها بقيد وبحبل، «(إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)». رواه الشيخان ومالك في الموطة. وذكر الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى عن الإمام الحافظ ابن عبد البر المالكي رحمه الله تعالى كما في كتابه «التمهيد». ابن عبد البر يا إخوان من أكثر وأعظم من خدم مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، وذلك في كتابيه «التمهيد» و«الاستذكار»، وهما كتابان عظيمان. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى معلقًا على حديث ابن عمر السابق: «وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه ذهب عنه»، أي من كان، لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير. وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إذا لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟ لاحظوا يا إخوان: يقول الحديث حديث ابن عمر في تعاهد العلم، وأن من تعاهد العلم ثبت، ومن لم يتعاهده ذهب. قال: كان علمهم القرآن، فإذا كان القرآن الذي يسره الله عز وجل إذا راجعته ذكرته ثبت، وإذا لم تتعاهده وتراجعه يذهب، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟ قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى كلمة عظيمة يا إخوان: «وخير العلوم ما ضبط أصله، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، وذل على ما يرضاه». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. والنسيان يا إخوان هو آفة العلم، آفة العلم النسيان. الزهري رحمه الله تعالى وما أدراك ما الزهري، أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله الشهير بابن شهاب الزهري، يقول: «إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة». قال رحمه الله تعالى: «أكذا؟». إذن إذا حفظ الطالب يحتاج أن يراجع ذلكم المحفوظ، سواء كان المحفوظ قرآنًا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم من يحفظ ثم يهمل، ثم يهمل هذا المحفوظ. والنسيان يا إخوان نسيان المحفوظ من القرآن أو غيره كما ذكر بعض العلماء على نوعين: نسيان طبيعي، ونسيان سببه الإهمال والتفريط وعدم المذاكرة. فبعض الناس يحفظ لكن سرعان ما ينسى، بسرعة ينسى مع أنه حريص على المذاكرة، هذا يا إخوان لا يلام. من هو الذي يلام؟ الذي يحفظ ثم يهمل. حفظ سورة مر عليه أربع أشهر، ثلاثة أشهر ما راجعها، ماذا تنتظر؟ تخيل معك بعير، فتركت قيده أربع أشهر، أين سيصل البعير؟ قد يصل إلى عمان، قد يصل إلى عمان إذا سمح له أن يمر من المنافذ، قد يصل إلى أماكن بعيدة جدًا. فما ظنك بالقرآن وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها)؟ إذن يا إخوان لا بد من المراجعة والمذاكرة، سواء كان قرآنًا، أو كان متونًا من المتون العلمية، أو كان أحاديث نبوية، أو كان غيرها من العلوم والفنون. الدروس درست ماذا؟ كتابًا في المصطلح: نخبة الفكر، نزهة النظر، الباعث الحثيث، المنظومة البيقونية، إلى غيرها، يحتاج أن تذاكره بين حين وآخر لكي تثبت المعلومات ولا تذهب الفوائد والتعاريف التي حفظت. ولهذا العلماء كانوا ينبهون كثيرًا على ماذا؟ على الحفظ، وعلى المحافظة على ذلكم الحفظ. قال رحمه الله تعالى: «وقال بعضهم» -ومر معنا في ترجمة الشعبي رحمه الله تعالى قريبًا-: «نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان عالمًا». يعني لو حفظ شخص ما نسيه الشعبي لأصبح بذلكم العلم عالمًا. ومن هو الشعبي يا إخوان في الحفظ وقوة الحفظ؟ الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى مر معنا كذلك أيضًا شيئًا يتعلق بالحفظ، فمن يذكره؟ ما ذكره الإمام العثيمين رحمه الله تعالى؟ نعم، من يذكر فيما يتعلق بالقراءة والحفظ؟ نعم يا با عبد الرحمن، نعم أحسنت. الشيخ العثيمين قال: «قرأنا كثيرًا فلم، فلم يبق إلا ما حفظنا». ولهذا السلف رحمة الله عليهم كانوا يحبون المذاكرة. ذكروا عن بعضهم بعض الأئمة: صلى مع آخر صلاة العشاء، فبقي يتذاكران الحديث. تخيلوا يتذاكران الحديث، فما شعر إلا بماذا؟ إيش حصل؟ ماذا حصل؟ أعيد صلى يا العشاء، وجلس يتذاكران في الحديث، فبينما هم في المذاكرة نعم، الفجر دخل، المؤذن يؤذن لصلاة الفجر، ما شعروا بالساعات التي مضت والوقت الطويل الذي انقضى. لذه لذه يا إخوان في المذاكرة في المذاكرة. وكانت تعقد المجالس في المذاكرة. كان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى أحيانًا ينهي الدرس مبكرًا ويقول: «من يحفظ يا إخواننا؟» ويأتي ببعض المحفوظات، ويقوم الطلاب ويسمعون ويراجعون. وهكذا أيضًا فيما يتعلق بالتراجم والرجال، فتجده يمر على الحديث فيعلق على رجال إسناده، ومن خلال كثرة التكرار تثبت المعلومات في الأذهان. وكان السلف رحمة الله عليهم يحافظون على محفوظاتهم ويحافظون على حفظهم. ذكروا أن بعض السلف لربما كان يترك أكل بعض الفاكهة، نوع من أنواع الفاكهة، لماذا؟ قالوا: لأنها تضعف الحافظة. وكانوا يأكلون بعض الأشياء من باب أنها تزيد في الحافظة، كالزنجبيل مثلًا، وبعضهم يذكر اللبان الذكر، وغيرها. وهذا من الأمور التي ينبغي على طالبي العلم أن يحرص عليها. كان بعض السلف حفظه قوي جدًا، إذا خرج إلى السوق ماذا يفعل؟ بعض السلف كان حفظه قويًا جدًا، بسرعة يلتقط أي شيء، فكان ماذا يفعل؟ نعم يا حسن، هكذا، هكذا يمشي. أحسنت. كان يضع على أذنيه قطنًا أو غيره لكي لا يسمع كلام الناس. هذا يقول: الكيلو بخمسين، بسرعة يحفظ. هذا يتحدث مع صاحبه وهو مار، بسرعة يحفظ، فما يريد أن يؤثر على محفوظاته. في حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم، في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بهم الغداة يعني الفجر، ثم صعد المنبر فخطب حتى حان وقت صلاة الظهر، فنزل وصلى، ثم صعد إلى المنبر فخطب بهم حتى حضرت العصر، فنزل وصلى العصر، ثم صعد وخطب بهم حتى غربت الشمس. قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «فكان أعلمنا أحفظنا». كان أعلمنا أحفظنا، الذي حفظ كثيرًا هو الذي سيجمع علمًا كثيرًا، علمًا كثيرًا. قال رحمه الله تعالى: «وقال بعضهم: كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل مصيره، فإلى ذل مصيره». وأحال في الحاشية على شرح الإحياء، وكأنه يريد به شرح الإحياء للإمام زين الدين العراقي رحمه الله تعالى. وهذا يا إخوان كما ذكر العلماء أنه على سبيل الأغلب: كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل مصيره، فإلى ذل مصيره. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله عز وجل الآداب في درس لاحق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.