الدرس في كتاب المنثورات والملح 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يذكر النووي أحاديث تحث على الفرار من الدجال لكون فتنته أعظم الفتن، ويروي قصة المؤمن الذي ثبت على إيمانه رغم التعذيب الشديد فأصبح عبرة للناس.
تصف الأحاديث الدجال بأعور العين اليمنى ومثال الجنة والنار الكاذبين وزعمه الربوبية مع العجز، وتوضح أن فتنته ابتلاء لزيادة إيمان المؤمنين وإقامة الحجة على الكافرين، مع تحذير جميع الأنبياء منه.
من علامات الساعة قتال المسلمين لليهود حتى ينادي الحجر والشجر بقتلهم إلا الغرقد، والنصر مرهون بالتمسك بالدين، وتكثر الفتن حتى يتمنى المرء الموت مع النهي عن تمني الموت للضر والدعاء بالاستخارة.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويختم بالحمد لله رب العالمين مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب المنثورات والملح من رياض الصالحين، في سياق ذكره لأحاديث الدجال وأشراط الساعة وغيرها: قال رحمه الله تعالى: قال، وعن أم شريك رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيَنْفِرَنَّ، لَيَنْفِرَنَّ الناس من الدجال في الجبال، لَيَنْفِرَنَّ، لَيَنْفِرَنَّ الناس من الدجال في الجبال». رواه مسلم. وهذا فيه أنه ينبغي على المسلم الهروب والابتعاد عن مواطن الفتن. ونظير هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «من سمع بالدجال فلينأَ عنه». من سمع بالدجال ماذا يفعل؟ هل يذهب وينظر، يقول: كيف شكل الدجال هذا، وما الذي سيحصل معه؟ الجواب: لا، وإنما ينفر عنه ويبتعد عنه كثيرا. قال: وعن عمران بن حسين رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال». قال: رواه مسلم. قال: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر، يعني فتنة أكبر وأعظم من فتنة ذلكم الدجال. قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فيتلقاه المسالح، فيتلقاه المسالح، مسالح الدجال، والمقصود بهم الطلائع والخفراء الذين يكونون في المقدمة». قال: فيقولون له: إلى أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج. فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقول: ما بربنا خفاء. قال: فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم -أي الدجال- أن تقتلوا أحدا دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال. قال: فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس، إن هذا الدجال الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. لاحظوا أهمية العلم، ولا سيما في أيام الفتن. هذا الشاب المؤمن قال: أيها الناس، إن هذا الدجال. كيف عرفا ومن أين علما؟ قال: الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فيأمر الدجال به فيشبح. قال: فيقول: خذوه وشجوه. قال: فيوسع ظهره وبطنه ضربا. فيقول -أي الدجال-: أو ما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيؤمر به فيوشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، أي يجعله جزئين ونصفين. قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم. قال: فيستوي قائما. وهذا كله من الابتلاء والفتنة التي جعلها الله عز وجل في ذلكم الأعور الدجال. قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، إلا بصيرة. قال: ثم يقول: يا أيها الناس -أي ذلكم المؤمن يخاطب الناس-. قال: ثم يقول: يا أيها الناس، إنه لا يفعل بعد بأحد من الناس. قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل الله بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا. قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به. قال: فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين». رواه مسلم، وروى البخاري بعضه، وروى البخاري بعضه بمعناه. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ما سأل أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر مما سألته. قال: وإنه قال لي: «ما يضرك؟» -أي لما رأى أنه يكثر من السؤال عن الدجال-. قال: ما يضرك؟ قال: قلت: إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء، ونهر من الماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو أهون على الله من ذلك، هو أهون على الله من ذلك». متفق عليه. وقوله: «هو أهون على الله من ذلك»، أي من أن يجعل ما خلقه الله عز وجل على يديه مضلا للمؤمنين أو مشككا لما في قلوبهم من اليقين، بل إما جعله ربنا عز وجل ليزداد الذين آمنوا إيمانا، وهكذا تثبت الحجة على الكافرين وعلى المنافقين. قال: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر». متفق عليه. وما فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال أنه أعور؟ فائدة ذلك أن الدجال يظهر ويدعي ماذا يدعي؟ الربوبية، أنه ربهم. فكيف يصلح أن يكون ربا وهو أعور، وربنا تبارك وتعالى وتقدس ليس بأعور؟ وانظروا إلى عظم فتنة الدجال: ما من نبي، أي من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم، إلا وأنذر أمته هذا الأعور الدجال. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار». متفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنه يجيء معه بمثال الجنة والنار»، ماذا نستفيد من هذا يا أبي الفاروق؟ قال: «وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار»، معنى هذا أن الجنة والنار التي معه ماذا؟ أحسنت: غير حقيقية، وإنما كله تمويه ودجل، وإلى غير ذلك، وليست جنة أو نار حقيقية. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال بين ظهراني الناس، فقال: ومعنى «بين ظهراني الناس» أي بين الناس. فقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، عنبة طافية، اليمنى عورا، واليسرى بها يعني ماذا؟ ظفرة، أي لحمة كبيرة تغطي عليها». فهذه من صفات ذلكم الأعور الدجال. ولاحظوا: أحاديث كثيرة وردت في بيان فتنة الدجال، وما ذاك إلا لعظم فتنته، لعظم فتنته. وما الذي ينجي من فتنته الدجال؟ ما الذي ينجي من فتنته الدجال يا محمد؟ أحسنت: أوائل سورة الكهف، كما مر معنا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحفظ هذه السورة، ولا سيما الآيات الأولى، من الأهمية بمكان. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، قال: حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، قال: فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله، قال: إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود». متفق عليه. وهذا يعتبر من أشراط الساعة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة»، يدل على أن ذلك من أشراطها. وقتال المسلمين لليهود مما وردت به الأحاديث، وهو من أشراط الساعة. ومتى ينتصر المسلمون على اليهود؟ إذا رجعوا إلى دينهم. ولهذا انظروا إلى جبن اليهود وضعفهم وخورهم، وهكذا هم على مر الأزمان، لا يغررك تقلبهم في البلاد، ما يغرك هذه الهينمة، مواقف اليهود اليوم تحميها أكثر دول العالم، ما فعلوا هذه الهنجمة إلا وهم تحت الحماية الدولية، فأي رصاصة تطلق عليهم يقوم العالم عن بكرة أبيه للمدافع عنهم. قال: «حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم». لاحظ ما قال: يا عربي، أو يا يمني، أو يا مصري، أو يا عراقي، وإنما ينتصر المسلمون إذا قاتلوا تحت راية الإسلام. «يا مسلم، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله». قال: «إلا الغرقد»، والغرقد هو نوع من أنواع الشجر يكثر في تلك البلاد، ويهتم اليهود بزراعته، فهو من شجرهم. قال: «إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود، فإنه من شجر اليهود». قال: وعنه -أي عن أبي هريرة رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرق عليه -أي يتقلب على تراب-، قال: ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، قال: وليس به الدين ما به إلا البلاء». متفق عليه. وقوله: «ما به إلا البلاء»، أي الحامل له على أن يتمنى الموت هو البلاء، وكثرة المحن والفتن، أعاذنا الله منها ما ظهر منها وما بطن. وهذا يدل على كثرة الفتن واشتداد البلاء وازدياد الشرور في آخر الزمان. ولا يجوز للشخص أن يتمنى الموت بسبب ما نزل من البلاء: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا محالة فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي». يأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام حول ما يتعلق بأحاديث أشراط الساعة وغيرها في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.