الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 113، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع أن تقرب العبد بالفرائض ثم النوافل يورث محبة الله له، فيصير الله سمعه وبصره ويده ورجله مهدياً وموفقاً. وتغمر هذه المحبة القلب فضعف سائر المحاب الدنيوية، ويكثر العبد من ذكر الله فينال الطمأنينة عند الموت وبشارة الجنة.
يستعرض المقطع نماذج من شعر المحبين للمخلوقين لبيان شدة وجدهم، ثم يقيس عليها محبة العبد لربه بأنها أعظم وأكمل. فمن أحب الله بصدق صارت جوارحه موافقة لمراد الله، محققة معنى الحديث القدسي في محبة الله للعبد.
يشرح المقطع حديث «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» مبيناً أن الباء تدل على المصاحبة، وأن هذه المعية الخاصة ثابتة للأبرار والفجار لكنها للمتقين بحفظ ونصر. ويستدل بآيات المعية الخاصة في الغار ويذكر تخريج الحديث وتصحيحه.
يختتم المتحدث الدرس مؤكداً أن الفصل له تتمة ستستكمل في الدرس اللاحق إن شاء الله. ويختتم بالدعاء والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول الماتعة من «الداء والدواء»، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وابن القيم، رحمه الله تعالى، يتكلم حول المحبة، وهكذا مراتب المحبة. وحديثه هذا في سياق العلاج الذي يعالج به داء العشق. داء العشق: إذا عظمت محبة العبد لربه عز وجل، فعندها تضعف بقية المحاب الأخرى، بقية المحاب الأخرى أمام محبة الله عز وجل. ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً، يحبونهم كحب الله، يحبونهم كحب الله. هؤلاء هم أهل الشرك، يساوون محبة الخالق بالمخلوق، وهكذا تعظيمهم للخالق بالمخلوق. لكن أهل التوحيد والإيمان، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. وهذه مرتبة عظيمة جداً، ألا وهي مرتبة المحبة. مرتبة المحبة، وذكر رحمه الله تعالى، ذكر مراتب هذه المحبة، وماذا أطال وتوسع في بيان بعضها، كما هو الحال حين أن تكلم عن مرتبة الشوق، مرتبة الشوق، فأطال رحمه الله تعالى، وذكر حديث أبي هريرة القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل» - يعني: بيض السنن، بيض المستحبات بعد الفرائض - «قال: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قلنا: ما توجيه هذا؟ ما معناه يا أبا خالد؟ «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به»: الهداية. أحسن الله عز وجل يهديه ويوفقه، فلا يستعمل هذه الجوارح إلا فيما يحبه الله تبارك وتعالى، فيما يحبه الله تبارك وتعالى. قال: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». هكذا يقول ربنا تبارك وتعالى في هذا الحديث القدسي. ثم قال أيضاً: «قال: وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردد عن قبض عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته». العبد يكره أن يموت، والله عز وجل يكره ما يصيب هذا العبد. قال: «ولابد له منه، ولابد له منه». والمؤمن كما سبق يا إخوان، يخاف من الموت، لكن إذا نزلت الملائكة لقبض روحه، هنا تحصل الطمأنينة والأمن، وهكذا البشارات العظيمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾. أنت خائف، الملائكة تقول لك: لا تخف. قبر وظلمته، سيجعله الله روضاً من رياض الجنة. ستفتح لك نافذة من الجنة، يأتيك من روحها وريحانها، وريحانها. وقالوا لك: «نم نومة العروس، نومة العروس». ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾. طيب، عندي أولاد، عندي زوجة، وإخوة وأخوات، عندي والدان شيخان كبيران. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾. ألا تخافوا ولا تحزنوا. ﴿لَا تَحْزَنْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. سيحفظك فيهم، سيحفظك فيهم: ﴿احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ﴾. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. لماذا تخاف، وهذه الجنة أمامك، وهي مصيرك، وهي مثواك؟ ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وأيضاً، ماذا يا إخوان في الآخرة؟ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ﴾. الآيات التي يطمئن عندها المؤمن، فيحب لقاء الله عز وجل، فيحب الله لقاءه، كما مر معنا. قال: قال رحمه الله تعالى: «وسياتي ابن القيم، ويتكلم عن حديث أبي هريرة السابق، شارحاً له ومبيناً له». قال رحمه الله تعالى: «قال: وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما تقرب به إليه المتقربون، ثم بعدها النوافل، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوباً لله، فإذا صار محبوباً لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبقَ فيه سعة لغير محبوبه ألبتة». لاحظوا يا إخوان، هذا علاج لمن تعلقت قلوبهم بالنسوان، أو تعلقت قلوبهم بالمردان، أو تعلقت قلوبهم بالأغاني والأفلام والمسلسلات، والمسكرات والمخدرات وغيرها. إذا ملأت محبة الله عز وجل القلب، ضعفت هذه المحاب الأخرى، يصبح العبد ليس مشغولا إلا بالله، وفكره في الله عز وجل. وهكذا يا إخوان، من أحب شيئاً أكثر من ذكره، أكثر من ذكره. فمن أحب الله عز وجل أصبح يذكر الله كثيراً، وهذا الذي أمر الله تعالى به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وأصيلاً، بكرة وأصيلاً. وهكذا في قوله عز وجل: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، وأجراً، وأجراً عظيماً. قال رحمه الله تعالى: «قال: فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله ومثله الأعلى، مالكاً لزمام قلبه. زمام القلب، والزمام أصله الحبل الذي يربط به الحيوان فيقاد به، يسحب به. وهكذا القلوب تسحب إلى الله عز وجل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾». أكذا يقول الله تعالى. قال: «مستولياً على روحه، استيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته، التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له». قال رحمه الله تعالى: «قال: ولا ريب أن هذا المحب، إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به. والبطش: ما يكون باليد، ويكون مع القوة، ويكون مع القوة. قال: وإن مشى مشى به. قال: فهو في قلبه، ومعه، وأنيسه، وصاحبه. قال: فالباء هاهنا باء المصاحبة، الذي يسمع به. الباء: باء المصاحبة. قال: وهي مصاحبة لا نظير لها، أي لا مثيل لها. قال: ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها. قال: فالمسألة حالية لا علمية محضة. أي: ليس الخبر كالمعاينة. ليس الذي يعيش هذه المحبة كمن يخبر عنها، أو يتحدث عنها، أو يتحدث عنها». قال: «وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق، التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين: خيالك في عيني، وذكرك في فمي، ومثواك في قلبي، فأين تغيب؟ فأين تغيب؟ إذا كان خيالك في عيني، تخيل دائماً أنه أمامه، وذكرك في فمي، دائماً يتحدث عنه. قال: ومثواك في قلبي، مرجعك إلى قلبي. قال: فأين تغيب؟ إذن لن يغيب». وهذا البيت كما ذكر لي أبي الحكم، ابن غلبون الإشبيلي، كما ذكر ذلك ياقوت الحموي في كتابه... ماذا؟ «معجم الأدباء». وذكر هذا كذلك أيضاً ابن القيم في «روضة المحبين»، ذكر هذا البيت، غير أنه لم ينسبه لقائل، لم ينسبه لقائل. قال: «وقال الآخر، أي: ممن وقع في محبة غيره من المخلوقين: قال وقال الآخر: ومن عجب أني أحن إليهم، ومن عجب أني أحن إليهم، وأسأل عنهم من لقيت، وهم معي». انظر إلى شدة المحبة، شيء عجيب يا إخوان. يقول: «ومن عجب أني أحن إليهم»، أشتاق إليهم، «وأسأل عنهم من لقيت»، كيف فلان؟ هل رأيت فلاناً؟ قال: «وهم معي»، أي وهم ماذا؟ في قلبه، وماذا؟ وذكرهم دائماً على لسانه. قال: «وتطلبهم عيني، وهم في سوادها». عينه دائماً تحب أن تنظر إليهم. قال: «عجيب، وهم يسكنون في سواد العين». قال: «وتطلبهم عيني، وهم في سوادها، ويشتاقهم قلبي، وهم بين أضلعي، وهم بين أضلعي». أي: أقرّ ما يكون إلى القلب، إلى القلب. وهذا، أو هذان البيتان، البيتان، البيتان، منسوبان لرجل يقال له: غانم بن الوليد المخزومي، كما ذكر ذلك الإمام أبو طاهر، أبو طاهر السلفي، رحمه الله تعالى، كما في «معجم السفر». وهكذا أيضاً أورده ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» في ترجمة غانم بن الوليد المخزومي. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا ألطف من قول الآخر: إن قلت غبت، فقلبي لا يصدقني، إن قلت غبت، فقلبي لا يصدقني، إذ أنت فيه مكان السري، لم تغب. أو قلت ما غبت، قال: الطرف كذا. قال: الطرف ذا كذب، فقد تحيرت بين الصدق والكذب». يقول: إن قلت أنا، إن قلت للمحبوب: غبت، قال: قال فقلبي لا يصدقني، لماذا؟ لأن المحبوب يسكن في القلب، فكيف يغيب؟ قال: أو قلت: ما غبت، أي: موجود. قال: الطرف، أي: البصر. قال: الطرف ذا كذب، أي: أينه؟ ليس موجوداً أمامي، وإنما هو موجود في القلب. قال: فقد تحيرت بين الصدق والكذب. وهذا، هذان البيتان أيضاً، ذكرهما الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، كما في كتابه «هداية الحيارى». وهكذا أيضاً ذكرهما الإمام صبت بن العجمي في كتاب «كنوز الذهب في تاريخ حلب»، في تاريخ حلب. قال رحمه الله تعالى: «ومعنى هذا: ابن القيم يقول: لاحظوا، تأملوا هذا في محبة مخلوق لمخلوق مثله، يكون هذا الوجد، وهذا المكان الذي يشغله في قلبي من أحبه، مع أنه، مع أنه ماذا؟ لم يخلق لهذا، وأيضاً لم يفطر على هذا. فكيف إذا كانت المحبة للمحبوب الأعلى الأعظم، وهو الله تبارك وتعالى؟ كيف سيكون الأمر؟ لا شك أنه أعظم وأكبر». قال رحمه الله تعالى: «قال: فليس شيء أدنى، أي: أقرب إلى المحب من محبوبه». وهكذا، إذا كانت المحبة لله عز وجل، يشعر بقرب من الله تبارك وتعالى. قال: «وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينسى محبوبه، كما قال أي القائل: كما قال: أريد لأنسى ذكرها، فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيلي، ليلى بكل سبيلي». وهذا البيت منسوب لرجل وشاعر معروف في الغزل، وهو الذي يقال له: كثير عزة، كما ذكر ذلك المبرد في «الكامل». وهكذا ذكره الإمام ابن عبد ربه في «العقد»، أو «العقد الفريد». قال: «وقال آخر: يعني قد ينسى نفسه، لكنه لا ينسى محبوبه. قال وقال آخر: يراد من القلب نسيانكم، يراد أن يطلب من القلب نسيانكم، وتأبى الطباع على الناقل، وتأبى الطباع على الناقل». وهذا من شعر أبي الطيب المتنبي، من شعر أبي الطيب المتنبي. قال رحمه الله تعالى: «قال: وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر. قال: فإن هذه الآلات، آلات الإدراك وآلات الفعل. قال: فالسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة، ويجلبان إليه الحب والبغض، بالسمع والبصر. يا إخوان، القلب يريد الشيء أو يكرهه، وهكذا بالسمع والبصر يحب الشيء أو يبغضه. قال: فيستعمل اليد والرجل. قال: فإذا كان سمع العبد بالله، وبصره بالله، كان محفوظاً في آلات إدراكه، وكان محفوظاً في حبه وبغضه، فحفظ في بطشه ومشيه. أي: أنه لا يحب إلا الخير، ولا يريد إلا فعل الخير، ولهذا استعمل يده في هذا الخير، ويمشي برجله إلى الخير. قال: وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان، يعني: لماذا لم يذكر اللسان مع هذه الأربع؟ قال: فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة، وبغير اختياره تارة، وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة، وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منها، فكيف بحركة اللسان التي لا تقع إلا بقصد واختيار من العبد، وقد يستغني العبد عنها، وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها. قال: وأيضاً، فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح، فإنه ترجمانه ورسوله. قال: وتأمل كيف حقق تعالى، أي: ربنا عز وجل. قال: وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به، عند سمعه وبصره وبطشه ومشيه، بقوله: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي به». قال: تحقيقاً لكونه مع عبده، وكون عبده به في إدراكاته، بسمعه وبصره، وحركاته، بيده ورجله. قال: وتأمل كيف قال: «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش»، ولم يقل: «فلي يسمع، ولي يبصر، ولي يبطش». والباء: ما سبق للمصاحبة، أي: أن الله عز وجل يعينه ويهديه ويوفقه في أن يستعملها فيما يحبه سبحانه وتعالى من الأعمال». قال رحمه الله تعالى: «قال: وربما يظن، أظن أن اللام أولى بهذا الموضع، يعني: كنت سمعه الذي يسمع له، اللام بدلاً من الباء، فلي يسمع، ولي يبصر، ولي يبطش. قال: وربما يظن الظان أن اللام أولى بهذا الموضع، إذ هي أدل على الغاية، ووقوع هذا أو هذه الأمور لله. قال: وذلك أخص من وقوعها به. قال: وهذا من الوهم والغلط، إذ ليست الباء هاهنا لمجرد الاستعانة، الاستعانة كما في قوله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، هذه للاستعانة. قال: هنا ليست للاستعانة فقط. قال: فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم. وإنما الباء هاهنا للمصاحبة، أي: إنما يسمعوا ويبصروا ويبطشوا ويمشوا، وأنا صاحبه ومعه، ومعه. كقوله في الحديث الآخر: «أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه، وتحركت بي شفتاه». وهذا الحديث، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وهكذا أيضاً ابن حبان، والطبراني في «الأوسط»، والبيهقي في «شعب الإيمان». وهكذا أيضاً هو عند البخاري، لكنه خارج الصحيح، في كتابه «خلق أفعال العباد». البخاري، رحمه الله تعالى، أورده في صحيحه معلقاً، لكنه معلقاً. فما هو المعلق؟ فما هو المعلق عندك يا أبا خالد؟ ما هو المعلق؟ نعم: أن يسقط المصنف شيخه فما فوق. نعم: أن يسقط المصنف الراوي، صاحب الكتاب، كالبخاري أو مسلم أو غيرهما، أن يحدث شيخه، ويحدث عن شيخ شيخه أو أكثر. يقول مثلاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه كذا وكذا. هذا معلق، أي: بدون إسناد متصل. البخاري أورده في صحيحه معلقاً، كما في كتاب التوحيد من صحيح البخاري. قال رحمه الله تعالى: «قال: باب قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: وفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي. وقال أبو هريرة، وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «أنا مع عبدي حيثما ذكرني، وتحركت بي شفتاه». وهذا الحديث قد صححه العلامة الألباني، رحمه الله، كما في «صحيح الترغيب والترهيب»، وهكذا غيرها من كتبه الأخرى. فالحديث صحيح. قال: «وهذه هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». وهذا في الصحيحين، من حديث أبي بكر، من حديث أبي بكر. وهذه الآية والحديث، كلاهما في حادثة، أي حادثة يا خان؟ يوسف، في أي حادثة؟ إذ يقول لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وقول أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا. قال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما». ثالثهما. في أي حادثة من حوادث السيرة النبوية؟ يوسف. طيب، أحسنت. آه، عنده، آه، عندك، وإلا فعندك يا أبا عبد الله؟ الغار. نعم، في أي رحلة؟ في أي رحلة كانوا في الغار؟ هم أين يقصدون؟ آه، المدينة. أحسنت. في رحلة الهجرة، في رحلة الهجرة. لاحظوا: خرج إلى غار ثور، الذي يقع جنوباً إلى جهة اليمن، بينما المدينة شمالاً إلى جهة الشام. ثم جلس في الغار ثلاثة أيام، لكي يهدأ الطلب، وتخف العين التي تبحث عنهم. ومن شدة بحث المشركين، بحثوا في جميع الاتجاهات، حتى في الاتجاه المعاكس للمدينة، وصعدوا إلى الغار، وبقوا على فتحة الغار، يتشاورون: هل محمد وصاحبه داخل الغار أم لا؟ يقول أبو بكر في تلك الساعة: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا. لكن هنا يا إخوان، يأتي: التوكل على الله عز وجل، وكذلك التوكل على الله سبحانه، وحسن الظن بالله عز وجل. قال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما». أي: معهما بحفظه، وهكذا بنصره وتأييده. أي: أن الله عز وجل لن يمكنهم منا، لن يمكنهم منا. قال: وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾. وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وقوله تعالى لموسى وهارون، أي: حين أن خاف من فرعون: ﴿إِنَّا نَخَافُ﴾، يعني: ماذا؟ من فرعون، أن يتعرض لهم بسوء. فقال الله عز وجل مطمئناً لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. والفصل لا زال له تتمة، نكمل إن شاء الله عز وجل ذلك مع ما بعده في الدرس اللاحق، إن شاء الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم. ترجمة: نانسي قنقر