الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 29، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع باب صفة درع النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الشمائل للترمذي، موضحاً أن الدرع لباس حربي واقٍ. ويذكر أن للنبي سبعة أدرع سماها ابن القيم، مؤكداً أن لبس الدرع لا ينافي التوكل على الله.
يعرض المقطع سند حديث رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن جده عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام، مبيناً أن الحديث حسن بمتابعات متعددة. ويشير إلى أن النبي لبس درعين يوم أحد وبشر طلحة بالجنة عند صعوده الصخرة.
يسرد المقطع استشهاد تسعة من الأنصار دفاعاً عن النبي، ثم تصدي طلحة بن عبيد الله للمشركين ومساعدته النبي على الصعود للصخرة. ويروي الزبير قول النبي: «أوجب طلحة»، مع تأكيد لبس النبي درعين يوم أحد.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى حديث الزبير بن العوام ويعلن الاكتفاء بما ذُكر. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى في كتابه القيم النافع المفيد «شمائل النبي صلى الله عليه وسلم»: «باب ما جاء في صفة درع رسول الله صلى الله عليه وسلم». باب ما جاء في صفة درع، ودرع هو بكسر الدال، والمقصود به لباس من ألبسة الحرب، وهو عبارة عن جبة تصنع من الحديد، تكون حلقا حلقا، ويلبسها المقاتل لكي يمنعه من النبال التي ترمى، وهكذا السيوف التي يضرب بها، وهكذا الرماح التي يطعن بها، ونحو ذلك من المقاصد والأغراض التي لأجلها تتخذ هذه الدروع. ولا زال الناس إلى يومنا هذا يستخدمون هذه الدروع التي تقيهم طلقات الرصاص، وتطورت صناعة هذه الدروع. والمؤلف رحمه الله تعالى عقد هذه الترجمة لكي يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ الدرع ولبسه في الحرب. وقوله هاهنا: «باب ما جاء في صفة درع رسول الله صلى الله عليه وسلم»، كما مر معنا درع هنا مفرد وقد أضيف، والمفرد إذا أضيف فإنه يفيد ماذا يا أبا طاهر؟ يفيد العموم. أحسنت، يفيد العموم، فهذا يعم جميع الدروع. وقد ذكر العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أكثر من درع. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم الماتع «زاد المعاد في هدي خير العباد» صلى الله عليه وسلم: «وكان له سبعة أدرع». كان له، أي للنبي صلى الله عليه وسلم، سبعة أدرع، وذكرها رحمه الله تعالى: ذكر «ذات الفضول»، أحد هذه الدروع يسمى بذات الفضول، قال: «وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير لعياله، وكان ثلاثين صاعا، وكان الدين إلى سنة، وكانت الدرع من حديد». هذه الدرع الأولى التي تسمى بذات الفضول. قال: «وذات الوشاح»، والثالثة: «ذات الحواشي»، والرابعة: «السعدية»، والخامسة: «فضة»، والسادسة: «البتراء»، والسابعة: «الخزنق». انظروا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ الدرع في الحرب، كان يتخذ الدرع ويلبسه في الحروب. بل كما سيأتي معنا في حديث الزبير بن العوام، وهكذا في حديث السائب بن يزيد، أنه في غزوة أحد ظاهر بين درعين، يعني لبس درعا على درع، وأن هذا لا ينافي التوكل، هذا اتخاذ الأسباب في الحماية والوقاية، هذا لا ينافي التوكل. فالتوكل يا إخوان حقيقته هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار مع العمل بالأسباب، فلا يعتمد على السبب ولا يترك استعمال هذه الأسباب. والقاعدة عند أهل العلم أن الاعتماد على السبب شرك، وترك الأسباب قد يكون فيه قدح في الشريعة. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الدرع، وكما سيأتي معنا يلبس المغفر على رأسه، وكان عليه الصلاة والسلام يحتمي ويتقي، وجلس في غار ثور ثلاثة أيام في رحلة الهجرة لكي يخف الطلب، وتهدى العيون، وكل ذلك من باب العمل بهذه الأسباب. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا يونس بن بكير». ويونس بن بكير قال فيه: صدوق يخطئ، غير أنه قد توبع، ولهذا يتقوى الحديث بهذه المتابعات. قال: «عن محمد بن إسحاق». ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، هو حسن الحديث إلا أنه كان يدلس. وهنا قد عنعن، لكن الإمام محمد بن إسحاق جاء في بعض الروايات التصريح بالتحديث عنه كما جاء ذلك في السيرة، وهكذا عند الإمام أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم، فيكون الإسناد حسنا، ولهذا حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: «عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه» أي عباد بن عبد الله بن الزبير، «عن جده عبد الله بن الزبير». وعبد الله بن الزبير صحابي صغير، وهو يعتبر أول مولود ولد للمهاجرين في المدينة. عبد الله بن الزبير بن العوام، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وأبوه الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أهل الشورى. الزبير كان من أهل الشورى، وغيرها من المناقب. قال: «عن الزبير بن العوام، قال: كان على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ذرعان». عليه درعان، ومر معنا أنه له سبعة أدرع، وهذان الدرعان اللذان لبسهما في غزوة أحد قيل هما ذات الفضول والدرع الآخر الذي يسمى بفضة. طيب، وهذان الدرعان كان النبي صلى الله عليه وسلم أصابهما، أي تحصل عليهما بعد غزوة بني قينقاع. بني قينقاع أول قبيلة تعلن التمرد على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بعد غزوة بدر الكبرى، ففعلوا ما فعلوا من التحرش بالمسلمات وأذية المؤمنين، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول أن يرحلوا، فكان هذان الدرعان مما أصابهما النبي صلى الله عليه وسلم من بني قينقاع. قال: «كان على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع». قال: «فأقعد طلحة تحته، وصعد، أو وصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة». ما معنى استوى؟ ما معنى استوى يا أبا خالد؟ قال: «حتى استوى على الصخرة». الاستواء في لغة العرب يأتي على معان: العلو على الصخرة، وهكذا ارتفع على الصخرة. قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أوجب طلحة، أوجب طلحة». يعني أوجب الجنة، أوجب الجنة. وكون طلحة رضي الله تعالى عنه أوجب الجنة فهذه بشارة له أنه من أهل الجنة. ونبي صلى الله عليه وسلم لبس في غزوة أحد درعين، لبس درعا على درع، جمعا بينهما، واحدا فوق الآخر، وهذا يا إخوان يدل على الاهتمام بالتوقي في الحروب، وهذا التوقي يا إخوان يساعد المقاتل على الإقدام والشجاعة والاندفاع إلى جهة العدو. قال: «فنهض إلى الصخرة فلم يستطع». لما أصيب المسلمون في غزوة أحد، وانكشف المسلمون، رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى جهة جبل أحد، وجعلوا يصعدون الشعب في جبل أحد، والمشركون ركزوا هجماتهم حيث كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهنا يا إخوان ظهرت البطولات من قبل الصحابة، المشركون يندفعون إلى جهة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من يردهم عنا وله الجنة». فيتأخر رجل من الأنصار فيقاتلهم حتى يقتل، فيقول عليه الصلاة والسلام: «من يردهم عنا وله الجنة»، فيرجع أحد الأنصار ويقاتل حتى يقتل، حتى قتل نحواً من تسعة من الأنصار واحدا بعد الآخر، فقال عليه الصلاة والسلام: «من يردهم وله الجنة»، فانبرى لهم طلحة بن عبيد الله فردهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ردهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولما أراد أن يصعد على الصخرة لم يستطع أن يصعد، لماذا لم يستطع أن يصعد؟ قيل لأن الصخرة كانت عالية مرتفعة، فأمر طلحة أن يجلس كي يصعد النبي صلى الله عليه وسلم عليه ثم يصعد إلى الصخرة. وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ثقيلا بسبب الدرعين من الحديد الذين لبسهما، فما استطاع أن يصعد. وقيل بسبب الإصابات والجروح التي تعرض لها، فضعف عليه الصلاة والسلام ولم يستطع أن يصعد على تلك الصخرة، وكلها معان محتملة. ولماذا أراد أن يصعد على الصخرة؟ قال بعض العلماء: لكي يظهر أمام أصحابه وأنه لا زال حيا، لا كما أشيع بينهم أنه قد مات. شاع يا إخوان حتى أن بعض المسلمين رمى السلاح، لماذا ترمي السلاح؟ قال: «قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقيل: «قم فقاتل على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهكذا إذا رآه المسلمون اندفعوا إليه وتجمعوا حوله. قال: «فلم يستطع، قال: فأقعد طلحة تحته»، أي أمر طلحة أن يقعد تحته، «وصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة». قال الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أوجب طلحة». وهذا يا إخوان فيه فضيلة طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه. وطلحة، وهكذا الزبير، ماذا قتل في عقب معركة الجمل؟ عقب معركة الجمل أصابهم سهام لا يدرى من أصحابها. وقد بشرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا محمد بن أبي عمر». ومحمد بن أبي عمر هو محمد بن يحيى، وهو صدوق. قال: «حدثنا سفيان بن عيينة، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد». والسائب بن يزيد هو صحابي صغير، مر معنا الكلام عنه في الأبواب الأولى فيما يتعلق بخاتم النبوة الذي كان بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن خالته أتت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يشتكي وجعا. والسائب بن يزيد يعتبر من آخر الصحابة موتا في المدينة، فقد مات رضي الله تعالى عنه في عام إحدى وتسعين من الهجرة. قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه يوم أحد درعان، قد ظاهر بينهما، قد ظاهر بينهما». وهذا الحديث أخرجه أيضا الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود وابن ماجه في سننهما، وهكذا غيرهم من أهل العلم. ومحمد بن أبي عمر قد توبع، ولهذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ومعنى هذا الحديث قد سبق في ماذا؟ في الحديث السابق، حديث الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.