الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 35، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع كيفيات جلوس النبي صلى الله عليه وسلم كالتقرفص والاحتباء والاستلقاء، مع بيان أقوال العلماء في الجمع بين فعله ونهيه عنه مراعاة لكشف العورة. ثم يشرع في باب تكئة النبي صلى الله عليه وسلم مستعرضاً حديث جابر بن سمرة في اتكائه على وسادة عن يساره مع تنبيه على حال راويه سماك بن حرب.
يتناول المقطع حديث عائشة رضي الله عنها عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً على وسادة فيها صور ممتهنة، ويوضح أن وسائد النبي كانت متواضعة من أدم محشوة بليف. كما يناقش أسانيد الحديث وتصحيح الألباني له، ويذكر زيادة "على يساره" واختلاف الرواة فيها، ثم يختم بحديث أبي بكرة عن أكبر الكبائر.
يشرح المقطع حديث النبي ﷺ «لا آكل متكئاً» مبيناً أن النهي للكراهة التنزيهية لا التحريم، مع اختلاف العلماء في تفسير الاتكاء بين الجلوس على الوطاء للإكثار من الأكل أو الميل على الجانب والاعتماد على اليد. ورجح ابن باز التفسير الثاني، كما ذُكرت أحاديث في جلسة النبي ﷺ على وسادة.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء بالتوفيق للجميع والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع الحمد لله رب العالمين والإقرار بعلم الله تعالى. وتكون هذه الفقرة ختاماً عاماً للمجلس العلمي.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب من أبواب شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا وأزواجنا وأبنائنا وعلمائنا وطلابنا أجمعين. فما هو هذا الباب؟ باب ما جاء في طيب لا بأسة. يوسف في جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم. في جلسة، أي: بيان هيئة جلوس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كيف كان جلوسه عليه الصلاة والسلام. وذكر رحمه الله تعالى حديثا قيل: إنتي مخرمة، أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد القرفص، وهو قاعد القرفص. وسبق معنا أن العلماء فسروا هذه القعدة والجلسة بتفسيرين: الأول ما هو؟ الأول: التفسير الأول. نعم، أحسنت. يعني: يجلس كجلسة التشهد، ويضع يديه على إبطيه، ويلصق بطنه بفخديه، ويلصق بطنه بفخديه. والتفسير الآخر: يا أبا صالح، الاحتباء. أحسنت. يحتبي بيديه، فيجلس على مقعدته، وينصب ساقيه، ويضع يديه على ساقيه، يضع يديه على ساقيه. وهذا الفعل جائز إذا أمن من انكشاف العورة. هذا الفعل جائز إذا أمن من انكشاف العورة. وكذلك أيضا ذكر حديث عباد بن تميم عن عمه. من هو عمه؟ عباد بن تميم عن عمه، فمن هو عمه يا أبا أسامة؟ من هو عمه؟ مثله: حديث عباد بن تميم عن عمه، عن عمه أنه شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». من عمه؟ يا أبا إبراهيم، يا أبا محمد، من عمه؟ عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه. وفيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى. مستلقٍ، والاستلقاء هو النوم على القفى، أي: نام على ظهره، على ظهره. قال: واضعا إحدى رجليه على الأخرى. احتملوا أمرين: أن تكون ممدودتين ويضع قدمه على الأخرى وهما ممدودتان، وهناك احتمال آخر: أنه ينصب إحداهما ويضع الأخرى عليها، ويضع الأخرى عليها. وهذه الهيئة جائزة أيضا إذا أمن انكشاف العورة، إذا أمن انكشاف العورة. وإلا، فغالبا إذا رفع رجله على الأخرى قد تنكشف العورة. ولهذا، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء عنه أنه كما في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم: «أن رسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره، مستلق على ظهره». جمع العلماء بين فعله وبين نهيه: أنه إذا أمن من انكشاف العورة جاز، وإذا كان معرضا لانكشاف العورة فيشمله النهي، يشمله النهي. وهذا الجمع ذهب إليه جماعة من أهل العلم، واختاره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وغيره. وذهب بعضهم إلى أن فعله يعتبر ناسخا لنهيه، لنهيه. وهذا أيضا اختاره جماعة من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب ما جاء في تكاءة رسول الله صلى الله عليه وسلم». باب ما جاء في تكاءة. والتكاءة: أي ما يتكى عليه الإنسان من وسادة أو مخدة أو غيرها في حال الجلوس، في حال الجلوس. فما يتكئ عليه. والعلماء يقولون: التكاءة أصلها وكاءة، فأبدلت الواو تاء، فقيل لها: تكاء، فقيل لها: تكاء. والمراد منها هاهنا هي: ما أعد، ما أعد للاتكاء من الوسائد، وهكذا نحوها، وهكذا نحوها. فخرج ما إذا اتكأ على إنسان، ولا سيما عند المشي، لأن الاتكاء على الإنسان هذا عارض، أي: لسبب. وهكذا في نفس الوقت هو يعتبر قليلا، هو يعتبر قليلا. ولهذا ترجم هنا باتكاء، هنا ترجم باتكاء دون الاتكاء عليها. وفيما يلي في الباب الذي بعده سيترجم بما جاء في اتكاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عباس بن محمد الدوري البغدادي، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة على يساره، على يساره. وهذا الحديث رجاله ثقات إلا سماك بن حرب. سماك بن حرب، هذا قالوا فيه: صدوق، قالوا فيه: صدوق. والحديث له شواهد، وهكذا متابعات يصح بها. فله شاهد من حديث عائشة، أصله في الصحيحين. قالت أمنا عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة فيها صور، فيها صور، يعني: صور ممتهنة، صور ممتهنة. وهكذا جاء في الباب من حديث أنس وسلمان وغيرهما. وهكذا أيضا يشهد له الحديث الذي بعده، وقد صححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في صحيح وضعيف الترمذي. وقوله: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة. وسائد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت غاية في التواضع، لم تكن كوسائد الملوك والزعماء والعظماء الفاخرة، كانت وسائد متواضعة. كانت وسادته من آه، ماذا؟ من أدم، يعني: من جلد، وحشوها ليف، حشوها ليف. هذه كانت وسادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كانت من جلد، وحشوها، وحشوها كان ليفا، كان ليفا. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء عنه أنه كان يتكئ إما معتمدا على وسادة، أو غير معتمد على وسادة، أو غير معتمد على وسادة. أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها تقول كما في صحيح مسلم: «كان وساد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتكى عليه من أدم، حشوه ليفا، حشوه ليفا». وهنا جابر بن سمرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة على يساره، يعني: على جنبه الأيسر، على جنبه الأيسر. وقد يحتاج الشخص أن يتكئ على جنبه الآخر وهو الأيمن. وهذا الاتكاء الذي قد يحتاج إليه الإنسان فهو ماذا؟ هو يشعر الإنسان بشيء من الراحة، يريح، يريح الجسم، يريح الجسم. فكان عليه الصلاة والسلام يتكئ على وسادة. وقوله: على يساره. سيأتي معنا أن الترمذي في آخر الباب يشير إلى إعلال هذه الزيادة، زيادة: على يساره، وأن إسحاق بن منصور هو الذي تفرد بها، هو الذي تفرد بها. وهكذا أشار إلى ذلك الإمام الخلال رحمه الله تعالى. يقول الخلال: قال: حدث به يحيى بن معين، فجعل يعجب منه ابن معين، يعجب من زيادة الاتكاء على اليسار، يعجب منه، وقال: ما سامعت قط: على يساره، إلا في حديث إسحاق هذا، إلا في حديث إسحاق هذا. قال الخلال: وحدثنا به وكيع عن إسرائيل، ولم يذكر يساره، أو القائل كأنه ابن معين. قال: وحدثنا به وكيع عن إسرائيل، ولم يذكر: على يساره. انتهى كلام الخلال رحمه الله. لكن الذي يظهر أن هذه الزيادة ثابتة، فقد تابع تابع إسحاق بن منصور عليها الإمام عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى، كما في مسند الإمام أحمد وغيره، كما في مسند الإمام أحمد وغيره. والاتكاء، الاتكاء عرفه العلماء بأن يميل على أحد جانبيه، يميل على أحد جانبيه. ومن ذلك أن يتكأ على مرفقه، يتكأ على المرفق، ويضع جنبه على الأرض، ويضع جنبه على الأرض. فهذا يعتبر كذلكم أيضا اتكاء، هذا يعتبر اتكاء. كان النبي صلى الله عليه وسلم لربما صنعه. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا الجريري، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. أبوه: أبو بكرة الثقفي، فما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي بكرة الثقفي، يا أبا خالد، ما اسمه؟ أبو بكرة الثقفي، ما اسمه؟ أبي بكرة الثقفي، يا أبا مريم، ما اسمه؟ أبو بكرة الثقفي، يا أبا فواز، أبو بكرة الثقفي، ما اسمه؟ فأبو حنيفة، نعم، ما اسمه؟ من يقول: أنا اسمه أبي بكرة الثقفي؟ تكرر معنا مرارا. يا عبد الله، آه، اختيارات، الاختيارات ستكشف الإجابة. طيب، لا بأس. طلب اختيارات: عبد الله، الحارث، نفيع. ثلاثة اختيارات: عبد الله، الحارث، نفيع. نعم، الحارث، آه، عبد الله، آه، نفيع. كنا زدنا في الاختيارات. طيب، يا أبا سعد، صوّب الإجابات: نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله تعالى عنه. نفيع بن الحارث الثقفي. قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان متكئا. جلس بعد أن كان متكئا. قال بعض العلماء: فيه دليل على جواز التعليم في حال الاتكاء، يعلم ويذاكر مع الآخرين وهو متكئ. وكونه جلس بعد أن كان متكئا، قالوا: ليعظم شأن شهادة الزور، وهكذا يلفت انتباه الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعا. قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان متكئا. قال: «وشهادة الزور، أو قول الزور». وهذا شك من الراوي. وجاء في البخاري وغيره الجمع بينهما: شهادة الزور، وقول الزور. قال: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها حتى، حتى قلنا: ليته سكت. وهذا منهم ماذا؟ شفق على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث في الصحيحين، والشاهد منه: قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان متكئا، أي: بعد أن كان متكئا، جلس واعتدل في جلسته صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا شريك، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة. أبو جحيفة صحابي جليل، مر معنا قريبا، وأنه وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فلا آكل متكئا، فلا آكل متكئا». والحديث، يا إخوان، في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال: قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن الأقمر، قال: سمعت أبا جحيفة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا آكل متكئا، لا آكل متكئا». وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا آكل متكئا»، آذى يا إخوان، فيه أدب، وفيه تواضع من النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يكره الاتكاء أثناء تناول الطعام، الاتكاء أثناء تناول الطعام. هذا مكروه، والكراهة هنا كراهة تنزيه، وليست كراهة تحريم. وهذه الكراهة، يا إخوان، للأضرار الصحية التي تصيب من يأكل متكئا، من يأكل متكئا. وكراهة الأكل متكئا كما في هذا الحديث، فيه النصيحة للأمة ألا يأكل متكئين، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام هو الأسوة وهو القدوة في ذلك. الإمام الخطابي رحمه الله تعالى، أبو سليمان الخطابي، فسر الاتكاء هاهنا، قال: هو الجالس معتمدا على وقاء تحته، يجعل وسادة تحته أو فراش، ويجلس عليها ويأكل هكذا. فسرها أبو سليمان الخطابي. قال: وأراد أنه لا يقعد على الوطاء والوسائد كفعل من يريد الإكثار من الطعام، بل يقعد مستوفزا، يقعد مستوفزا، لا مستوطئا، لا مستوطئا. قال: ويأكل بلغة، لا يأكل كثيرا، يأكل شيئا بقدر الحاجة، شيئا يسيرا. هكذا فسره الإمام أبو سليمان الخطابي. وفسره بعضهم بأن الاتكاء المنهي عنه عند الأكل هو الاتكاء المعروف، الذي أن يميل إلى جانب، إما إلى اليمين، أو إلى اليسار. شيخ ابن باز رحمة الله تعالى عليه، لما ذكر له تفسير أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى، قال: كلام الخطاب غير صحيح، قال: كلام الخطاب غير صحيح، وليس عليه دليل. وبين رحمه الله تعالى أن الاتكاء هاهنا هو أن يميل على جانب، أن يميل على جانب، إما على اليسار، وإما على اليمين. ويدخل في هذا أن يأكل وهو معتمد على يده، يضع يده على الأرض معتمدا عليها، ويأكل، ويأكل. وهذا يدخل في الاتكاء المنهي عنه عند الأكل، عند الأكل. وأنه كما سبق: هو للكراهة، كراهة التنزيه، وليس للتحريم. الرسول لم ينهى، وإنما قال: «لا آكل متكئا»، وهو القدوة والأسوة. واختتم هذا الباب فقال: حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة، ولم يذكر: على يساره، لم يذكر: على يساره. قال أبو عيسى، وهو الترمذي: «لم يذكر وكيع: على يساره، وهكذا روى غير واحد عن إسرائيل نحو رواية وكيع، ولا نعلم أحدا روى فيه: على يساره، إلا ما رواه إسحاق بن منصور عن إسرائيل». وسبق، وسبق معنا أن عبد الرزاق الصنعاني أيضا تابع إسحاق بن منصور، فروي عن إسرائيل زيادة: على يساره. ولهذا صححها من صححها من أهل العلميين. طيب، بهذا نكون قد انتهينا. وسأتي معنا كلام حول جلسة النبي صلى الله عليه وسلم عند الأكل، يأتي معنا في أبواب أخرى إن شاء الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.