منهج يومي لطالب العلم

منهج يومي لطالب العلم

المحاضرة بعنوان منهج يومي لطالب العلم، والتي كانت ضمن الدورة العلمية المكثفة الرابعة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الجمعة 4 محرم 1448هـ الموافق 19 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة مجلس علمي حول رسالة «منهج يومي لطالبي العلم»

يُقدِّم المحاضر مجلساً علمياً بدار الحديث بالشحر لقراءة رسالة الشيخ ابن عثيمين «منهج يومي لطالبي العلم» التي وضعها بناءً على طلب طالب. يتناول القسم الأول «مع الله عز وجل» داعياً إلى مراقبة الله ومحبته لشكر نعمة الإسلام.

مراتب العبودية لله وحقوق النبي صلى الله عليه وسلم

يبيّن المقطع أهم مراتب العبودية لله تعالى كالمعرفة بلا إله إلا الله، وتعظيم الله في القلب، والإخلاص والتوكل عليه. ثم يوضح حقوق النبي صلى الله عليه وسلم من تقديم محبته، والاقتداء به في العبادة والأخلاق، ونصرة سنته، ويختم بأعمال اليوم التطوعية كقيام الليل والدعاء وختم سورة آل عمران.

أعمال يومية مستحبة وخطوات طلب العلم

يذكر المقطع آداباً يومية من صلاة الليل والوتر وأذكار الصباح والمساء وركعتي الضحى. ثم يوضح خطوات عملية لطلب العلم كحفظ القرآن والسنة، والالتزام بالتدبر والاستمرار، والبدء بالصغار من الكتب، وإتقان الأصول، ومناقشة المسائل مع العلماء أو الزملاء.

خاتمة التعليق والدعاء بالخير

يختتم المعلق شرحه للرسالة بدعاء لله أن ينفع الجميع بما سمعوا، ويمنحهم علماً نافعاً وعملاً صالحاً. ويصلي على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا مجلس من المجالس العلمية في هذه الدورة العلمية التي تقام بدار الحديث بالشحر، حرسها الله وحرس القائمين عليها وطلابها وروادها ومحبيها، وأسأل المولى عز وجل أن يجعلها علماً ومناراً ينتفع به المسلمون. أيها الأحبة في الله، بما أن هذه الأيام أيام جد واجتهاد في طلب العلم، فناسب أن نتذاكر رسالة قيمة مختصرة، هذه الرسالة بعنوان «منهج يومي لطالبي العلم»، وهي عبارة عن رسالة للشيخ العلامة أبي عبد الله محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى. وكما ذكر الشيخ في أول رسالته أن سبب كتابتها هو أن طالباً وشخصاً عزيزاً طلب منه أن يضع له منهجاً يسير عليه في حياته، والمنهجية في حياة طالبي العلم هي من الأهمية بمكان، يجعل له منهجية في طلبه للعلم، وهكذا أيضاً يجعل لنفسه منهجية في عباداته، وهكذا في حياته اليومية. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، كتب كتابة وحرر تحريراً نافعاً، فكان مفيداً لذلكم الطالب وهكذا لغيره من طلاب العلم وعموم المسلمين، رسالة مختصرة لكنها قيمة في بابها، فنقرأ هذه الرسالة مع شيء يسير من التعليق إن احتاج الأمر إلى ذلك. قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد الصالح العثيمين إلى الابن فراغ حفظه الله تعالى. ومن باب الفائدة يا إخوان، الشيخ والطالب كلاهما قد مات، وهكذا إلى رحمة الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فقد سألتني بارك الله فيك أن أضع لك منهجاً تسير عليه في حياتك، قال: وإني لأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما فيه الهدى والرشاد والصواب والسداد، وأن يجعلنا هداة مهتدين صالحين مصلحين. فأقول، وشرع رحمه الله تعالى في بيان هذه المنهجية، ومن فقه الشيخ رحمه الله تعالى أن جعل هذه المنهجية على أقسام، فبدأ بالمنهجية مع الله تبارك وتعالى، كيف يكون طالب العلم والمسلم عموماً مع ربه تبارك وتعالى، ثم ذكر كيف يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر عمل المسلم اليومي في غير المفروضات، أي في النوافل والمستحبات، ثم ذكر رحمه الله تعالى طريقة طلب العلم. قال رحمه الله تعالى: أولاً: مع الله عز وجل. مع الله عز وجل، قال رحمه الله تعالى: أولاً: احرص على أن تكون دائماً مع الله عز وجل مستحضراً عظمته، متفكراً في آياته الكونية، مثل خلق السماوات والأرض وما أودع فيهما من بالغ حكمته وباهر قدرته وعظيم رحمته ومنته، قال: وآياته الشرعية التي بعث بها رسله ولا سيما خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ثانياً: أن يكون قلبك مملوءاً بمحبة الله تعالى لما يغذوك به من النعم ويدفع عنك من النقم، ولا سيما نعمة الإسلام، ولا سيما نعمة الإسلام والاستقامة عليه حتى يكون أحب شيء إليك، والقلوب يا إخوان جبلت وطبعت على محبة من أحسن إليها، كيف هي مع المحسن سبحانه وتعالى الذي قال وقوله حق: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، ونعمة الإسلام والتوحيد والإيمان هي تعتبر أجل هذه النعم، ولهذا قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله»، أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ثالثاً: أن يكون قلبك مملوءاً بتعظيم الله عز وجل حتى يكون في نفسك أعظم شيء، أعظم شيء، فليس هناك يا إخوان أعظم منه سبحانه وتعالى، ولهذا نحن في صلاتنا نستفتحها بالتكبير: الله أكبر، أي أن الله عز وجل أكبر من كل شيء وأجل من كل شيء، فلا ننشغل بغيره عنه. قال رحمه الله تعالى: قال: حتى يكون في نفسك أعظم شيء، وباجتماع محبة الله تعالى وتعظيمه في قلبك تستقيم على طاعته، قائماً بما أمر به لمحبتك إياه، تاركاً لما نهى عنه لتعظيمك له. قال: رابعاً: أن تكون مخلصاً له جل وعلا في عباداتك، متوكلا عليه في جميع أحوالك، لتحقق بذلك مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن «إياك نعبد» تطرد بها الرياء، و«إياك نستعين» يجلب بها التوكل على الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال: وتستحضر بقلبك أنك إنما تقوم بما أمر امتثالاً لأمره، وتترك ما نهى عنه امتثالاً لنهيه، فإنك بذلك تجد للعبادة طعماً لا تدركه مع الغفلة، وتجد في الأمور عوناً منه لا يحصل لك مع الاعتماد على نفسك، لا يحصل لك مع الاعتماد على نفسك. ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم «الوابل الصيب» قال رحمه الله تعالى: قال: فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق ألا يكلك الله إلى نفسك، توفيق يا إخوان أن لا يكلك الله إلى نفسك، قال: والخذلان أن يكلك الله إلى نفسك، ولهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، وإنما يا إخوان التوكل على الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ثانياً: مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أولاً: أن تقدم محبته على محبة كل مخلوق، وهديه وسنته على كل هدي وسنة. ثانياً: أن تتخذه إماماً لك في عباداتك وأخلاقك، بحيث تستحضر عند كل فعل للعبادة أنك متبع له، وكأنه أمامك تترسم خطاه وتنهج نهجه، هو القدوة يا إخوان، هو الأسوة الذي أمرنا الله عز وجل أن نتبعه ونتأسى به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: وكذلك في مخالقة الناس، مخالقة الناس يعني معاملتهم، قال: في مخالقة الناس أنك متخلق بأخلاقه التي قال عنها: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال: ومتى التزمت بهذا فستكون حريصاً غاية الحرص على العلم بشريعته وأخلاقه. ثالثاً: أن تكون داعياً لسنته، ناصرا لها، مدافعاً عنها، فإن الله تعالى سينصرك بقدر نصرك لشريعته، وكلما كنا يا إخوان ناصرين لسنته كلما نصرنا الله عز وجل وأعزنا. قال: ثالثاً: أي من منهج طالبي العلم اليومي. قال: ثالثاً: عملك اليومي غير المفروضات، أي في المستحبات والنوافل. قال: أولاً: إذا قمت من الليل فاذكر الله تعالى وادعُ الله بما شئت، فإن الدعاء في هذا الموطن حري بالإجابة، وقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، الآيات التي ختمت بها سورة آل عمران، قال: حتى تختم سورة آل عمران وهي عشر آيات. قال: ثانياً: صلِّ ما كتب لك في آخر الليل، واختم صلاتك بالوتر، واختم صلاتك بالوتر. قال: ثالثاً: حافظ على ما تيسر لك من أذكار الصباح، قل مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أجر عظيم يا إخوان يترتب على هذا العمل، كأنما أعتق عشر من الرقاب، إلى غيره من الفضل الذي أخبر عنه نبينا وحبيبنا صلوات ربنا وسلامه عليه وعلى آله. قال: رابعاً: صلِّ ركعتي الضحى، وقلها ركعتان ويجوز أربع ست ثمان. قال: خامساً: حافظ على أذكار المساء ما تيسر لك منها. قال: رابعاً: طريقة طلب العلم. أولاً: احرص على حفظ كتاب الله تعالى، واجعل لك كل يوم شيئاً معيناً تحافظ على قراءته، ولتكن قراءتك بتدبر وتفهم، وهذا يسمى ورداً يومياً، أهم شيء إخوان الاستمرار، فحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل، قال: وإذا عنت لك فائدة أثناء القراءة فقيدها. ثانياً: احرص على حفظ ما تيسر من صحيح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك حفظ «عمدة الأحكام» للإمام أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى. ثالثاً: احرص على التركيز والثبات، بحيث لا تأخذ العلم نتفاً، من هذا شيء ومن هذا شيء، لأن هذا يضيع وقتك ويشتت ذهنك، ولا سيما مع الدورات يا إخوان، وكثرة الدروس، ليلة في هذه الحلقة وليلة في تلك الحلقة وليلة في حلقة ثالثة، فيتشتت الذهن ويضيع الوقت، وبينما كان ممكن أن يلزم درساً فينتفع به انتفاعاً. رابعاً: ابدأ بصغار الكتب وتأملها جيداً ثم انتقل إلى ما فوقها، حتى تحصل على العلم شيئاً فشيئاً على وجه يرسخ في قلبك وتطمئن إليه نفسك. خامساً: احرص على معرفة أصول المسائل وقواعدها، وقيد كل شيء يمر بك من هذا القبيل، فقد قيل: «من حرم الأصول حرم الوصول»، حرم الوصول. وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين فائدة، بل هي قصة وقعت له مع شيخه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، يذكر أنهم كانوا في القراءة على الشيخ ابن سعدي، وكانت القراءة في ساحة المسجد في فناء المسجد، قال: وكان الهواء طلقاً نقياً، وأثناء القراءة قال: مرت مجموعة من الطيور، مجموعة من الطيور، قال الشيخ ابن عثيمين: قال: فجعلت أنظر إلى الطيور، أنظر إلى الطيور، قال: فانتبه لي الشيخ ابن سعدي، تبه لي، فقال: يا محمد، إن صيد العلم خير من صيد الطير، صيد العلم خير من صيد الطير، وكم يا إخوان في الدروس قد يلهو البعض بجوال، أو يلهو، يسرح بعيداً وفكر بعيد، فتفوته الفوائد وتفوته المعلومات. سادساً: وبه ختم رحمه الله تعالى، قال: ناقش المسائل مع شيخك أو من تثق به علماً وديناً من أقرانك، ولو بأن تقدر في ذهنك أن أحداً يناقشك فيها إذا لم تكن المناقشة مع من سمينا، يعني ما وجدت شيخاً تناقشه، زميلاً تناقشه، أقل شيء بينك وبين نفسك تفرض أن أمامك شخصاً، فتذكر الإشكال وتحاول أن تجيب عن هذا الإشكال. قال: هذا، وأسأل الله تعالى أن يعلمك ما ينفعك، وينفعك بما علمك، ويزيدك علماً، ويجعلك من عباده الصالحين وحزبه المفلحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه محمد الصالح العثيمين في الثالث من شهر رجب عام اثني عشر وأربعمائة وألف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا ينتهي التعليق على هذه الرسالة النافعة، أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا جميعاً بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.