الدرس في شرح الأصول الثلاثة 3، الدرس الثالث : ( الثانية : العمل به , الثالثة : الدعوة إليه ) ألقاها
يتناول هذا الفصل أهمية العمل بالعلم، حيث يُبين أن العلم النافع يجب أن يتبعه عمل صالح، وأن الدعوة النبوية قامت على هذين الأساسين. يُظهر أن العمل يمكن أن يكون واجبًا أو مستحبًا أو جائزًا ويجب تطبيقه في الحياة اليومية.
هذا الفصل يركز على الدعوة إلى الله عز وجل، ويشرح أنها تكون بالقول والفعل وتتضمن إرشاد الناس إلى معرفة الله وعبادته. يُبيّن أن للدعوة ثلاث مراتب: الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.
يشرح هذا الفصل كيفية تطبيق مراتب الدعوة الثلاث في الحياة، كما هو موضح في الآية الكريمة. يُظهر أهمية اتباع هذه المراتب في دعوة الناس إلى الله، لضمان فعالية الدعوة وقبولها.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على بعض المسائل المتعلقة بالمسألة الأولى التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى، وهي العلم، وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. ننتقل في المسألة الثانية من الأربع المسائل التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «الثانية العمل به» أي من المسائل التي يجب علينا تعلمها العلم، وتقدم الكلام على العلم. قال: «والعمل الثانية العمل به» أي العمل بمقتضى ذلك العلم. العلم لا يكون نافعًا ولا مستمرًا إلا إذا تبعه العمل. إذا عمل العبد بما علم، أما إذا تعلم علمًا مجردًا دون أن يعمل به، فهذا العلم يكون وبالًا عليه، ويكون سببًا لذهابه. كما قيل: «هتف العلم بالعمل، إن أجابه وإلا ارتحل». هتف العلم بالعمل، إن أجابه وإلا ارتحل. لذا كانت الدعوة النبوية التي أرسل الله عز وجل بها رسوله قائمة على هذين الأمرين: على العلم النافع والعمل الصالح. كما فسرها بعض المفسرين في قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، قال جماعة من المفسرين: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى» قالوا: الهدى العلم النافع، «ودين الحق» قالوا: العمل الصالح. وكما أن العلم لا ينفع من غير عمل، فكذلك العمل لا ينفع من غير علم. لأن من عمل بغير علم سيكون عاملًا بجهالة، متعبدًا لربه عز وجل بجهالة. لذا كان الناس في مقام العلم والعمل على أقسام. القسم الأول: أهل الإسلام والإيمان، من علم وعمل، هؤلاء هم أهل الإيمان، وهؤلاء هم الذين أثنى الله عز وجل عليهم في آيات كثيرة. القسم الثاني: من كان عنده علم ولكن لا عمل له، وهذا حال اليهود، عندهم علم وليس عندهم عمل. القسم الثالث: من كان عنده عمل وليس عنده علم، وهذا حال النصارى. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن اليهود يقال فيهم أنهم غاوون، لأنهم علموا فما عملوا. والنصارى يقال فيهم بأنهم ضالون، لأنهم عملوا بغير علم. وكلاهما ضلالة. القسم الرابع: لا علم ولا عمل، وهذا أشدهم وأبعدهم من الله عز وجل، وهذا حال المشركين ومن كان على شاكلتهم. فكما سمعتم، العلم لا بد له من عمل. لذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى المسألة الثانية: «العمل بذلك العلم». والعمل بالعلم قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون مشروعًا جائزًا. والعمل أيضًا يكون بالفعل أو بالترك. بمعنى أن الإنسان إذا سمع الأمر من الله عز وجل، فواجب عليه أن يعمل بالفعل. الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، هذا قام بتوحيد الله عز وجل، وبإخلاص العبادة لله عز وجل، هذا عمل. قام بإقامة الصلاة، هذا عمل. قام بأداء الزكاة، هذا عمل. والعمل كما سمعتم قد يكون تركا. الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، هذا ترك الشرك، وابتعد عن الشرك، ونهى عن الشرك، فهذا كذلك قام بعمل. ما هو هذا العمل؟ الترك والبعد عن الشرك وأهله والبراءة من الشرك وأهله، هذا عمل. الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، هذا ترك الزنا، ترك الزنا مع القدرة عليه، هذا يكون عملًا بذلك العلم. فالشاهد من هذا أن العمل قد يكون بالفعل، وقد يكون بالترك. وقد يكون بالفعل واجبًا، وكذا بالترك قد يكون واجبًا، مثل توحيد الله عز وجل، هذا واجب، بل لا إسلام لمن لم يعمل بهذا العلم، لمن لم يوحد الله عز وجل، ولم يترك عبادة غير الله عز وجل، هذا لا إسلام له، ليس بمسلم ولا مؤمن. فمثل هذا العمل يكون واجبًا، فرضا من تركه كفر. ومن الأعمال ما يكون فعلها واجبًا وتركها معصية، ولا يكون كفرًا، مثل الواجبات. فقوله رحمه الله تعالى: «العمل به يكون بحسب ذلك العمل». الوجوب يكون بحسب ذلك العمل. فالعمل بمقتضى معرفة الله ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم ومعرفة دينه، هذا فرض. قوله رحمه الله تعالى: «يجب علينا تعلم أربع مسائل، ومنها العمل به». قال: «الثاني العمل به». فيكون العمل منهما هو فرض عين، وواجب على العبد. وهو كما ذكرنا من ذلك معرفة الله عز وجل، ويدخل فيه معرفة وجوده وربوبيته وألوهيته وأسماء وصفاته، هذه واجبة. فرض من لم يأت بها كفر. ومن لم يعرف نبيه صلى الله عليه وسلم ويعمل بمقتضى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يكون كافرًا. قوله رحمه الله تعالى: «الثالثة الدعوة إليه» أي الدعوة إلى ذلك العلم الذي تعلمه. والدعوة قد تكون بالمقال، وقد تكون بالحال. قد تكون بالقول، وقد تكون بالفعل. والدعوة إلى الله عز وجل من أعلى مراتب الصالحين، ومن أعلى مراتب الدين، بل هي طريق النبيين والمصلحين في كل زمن ومكان. قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فأتباع الأنبياء يدعون إلى ما دعا إليه الأنبياء، دعوة إلى الله. لذا ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كلامًا مفيدًا، حاصله أنه قال: إن الدعوة إلى الله عز وجل من أشرف المقامات. قال: فإذا كان كذلك، فينبغي أن يكون الداعي على علم، وعليه أن يتزود بالعلم. والدعوة إلى الله عز وجل ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لها تعاريف، ومن أحسنها ما ذكره الإمام الطبري في تفسيره، فقال: «الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله بالقول والفعل». وهي إرشاد الإرشاد إلى الله عز وجل، والدلالة إلى الله عز وجل، وتكون بالقول، وكذا تكون بالفعل. بالقول واضح، بالتذكير بالنص، بالتبيين، بالتعليم، هذه كلها دعوة إلى الله عز وجل. وبالعمل بأن يتحلى الإنسان بعلمه. فالشاهد من هذا أن الفعل قد يكون واجبًا، وتركه يأثم فاعله أو صاحبه عليه. وقد يكون واجبًا ويغفر تاركه. وقد يكون مستحبًا، وتركه لا يأثم عليه، ويؤجر فاعله. والدعوة إلى الله عز وجل لها مراتب ثلاث، ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. الأولى: الدعوة إلى الله مع من يحب الخير ويسعى له، ولكنه لم يقف عليه، فمثل هذا يدعى بالحكمة. المرتبة الثانية: من يريد الحق ولكنه متلبس ببعض الباطل، فمثل هذا يوعظ، يذكر بالجنة والنار، يخوف من الله عز وجل. المرتبة الثالثة: من كان لا يريد الحق، ويرى أن عنده من العلم ما يكفيه، فمثل هذا يجادل بالتي هي أحسن. قال الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فهذه ثلاث مراتب في الدعوة إلى الله عز وجل. والحمد لله، وغدًا إن شاء الله نكمل. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. اشتركوا في القناة. ترجمة نانسي قنقر.