شرح القواعد الأربع 6

الدرس في شرح القواعد الأربع 6، الدرس السادس ( القاعدة الرابعة ... وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ). ألقاها

مقدمة في شرك الأولين ومشركي زماننا

يتكلم الشيخ عن شرك الأولين ومشركي زماننا، موضحًا اتفاقهم في الإشراك في توحيد الألوهية. يُبين أن مشركي زماننا أغلظوا شركًا حيث أن شركهم دائم في الرخاء والشدة.

مقارنة بين شرك مشركي زماننا ومشركي العرب الأولين

المقطع يشرح أن مشركي زماننا يمارسون الشرك في الرخاء والشدة، بينما مشركو العرب الأولون كانوا يخلصون الدين لله في الشدة. الشيخ يرى أن مشركي زماننا أغلظ شركًا.

الفرق بين مشركي العرب ومشركي زماننا وتأثير الشرك على الأعمال

المقطع يشرح الفرق بين مشركي العرب ومشركي زماننا، ويبين أن الأعمال الصالحة لا تنفع مع وجود الشرك بالله. مشركو زماننا يشركون بالله في السراء والضراء.

خاتمة الكتاب والصلاة على النبي

المقطع يشير إلى نهاية كتاب معين حيث ختم المؤلف كتابه بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويذكر أن الله أعلى وأعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مرت معنا -بحمد الله عز وجل- القواعد الثلاث، وكما رأيتم أن الشيخ -رحمه الله تعالى- ربط القواعد بعضها ببعض، فهي -أي القواعد- كانت كل قاعدة مهيئة وموطئة للتي تليها. فلو تأملتم في القاعدة الأولى، الشيخ -رحمه الله تعالى- تكلم عن أن الكفار الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام. ثم انتقل إلى القاعدة الثانية، أنهم يقولون: «ما دعوناهم -أي ما عبدناهم وتوجهنا إليهم- إلا لطلب القربة والشفاعة ممن؟ من الله رب العالمين، من الله رب العالمين». ثم في القاعدة الثالثة، انتقل الشيخ إلى بيان أن هذا الشرك الذي وقع من هؤلاء المشركين ليس هو مقصورًا ولا محصورًا في الأصنام، أي أنهم لم يعبدوا الأصنام والأوثان فقط، بل عبدوا الأنبياء والملائكة والصالحين، وكذلك عبدوا الأحجار والأشجار وغيرها، وكلها يجمعها معنى الشرك؛ لأنه صرف العبادة لغير الله عز وجل. وقد بين الشيخ -رحمه الله تعالى- الأمثلة على ذلك، وبين أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل المشركين كافة، قاتل المشركين كافة، من كان يعبد نبيًا أو كان يعبد ملكًا أو كان يعبد حجرًا أو كان يعبد شمسًا أو قمرًا؛ لأن الكل لم يفردوا الله عز وجل بالعبادة، ولم يدعوا الشرك الذي نهاهم عنه ربهم عز وجل، وجاءت به الرسل، ولأجله أنزلت الكتب -أي بالتوحيد والتحذير من الشرك والبراءة منه-. والشيخ -رحمه الله تعالى- في هذه القاعدة -أي القاعدة الرابعة التي هي موضوع درسنا اليوم بإذن الله عز وجل- يتكلم كذلك على أمر مرتبط بالقواعد السابقة، حيث قال: «القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظوا شركًا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة». قال، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. الشيخ -رحمه الله تعالى- في هذه القاعدة التي هي -كما سمعتم- مرتبطة بالقاعدة التي قبلها، والتي قبلها مرتبطة بالتي قبلها، وهكذا. الشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: «إن مشركي زماننا أغلظوا شركًا من الأولين». من هم مشركو زماننا؟ مشركو زماننا الذين وقع منهم الشرك كما وقع من مشركي العرب، وذلك أن المشركين -كما قرر الشيخ -رحمه الله تعالى- يقرون بتوحيد الربوبية، أي المشركون الأول، ولكنهم أشركوا في توحيد الألوهية، فجعلوا مع الله عز وجل معبودات يعبدونهم مع الله عز وجل، ويعتقدون أن هؤلاء المعبودات تقربهم إلى الله عز وجل زلفى، وأنها تشفع لهم عند الله عز وجل، فصرفوا العبادة لغير الله عز وجل. هذه المعبودات التي عبدها المشركون الأول منها ما هو نبي مقرب، ومنها ما هو ملك مقرب أو نبي مرسل، وهكذا، أو رجل صالح ذو قربات وطاعات معروف بالصلاة، أو قد يكون ماذا؟ عبدوا أحجارًا أو أشجارًا أو شمسًا أو قمرًا، فالكل يجمعهم معنى الشرك. مشركو زماننا -والشيخ -رحمه الله تعالى- يتكلم على زمانه، أي في القرن الثاني عشر، وهذا الذي يتكلم عليه الشيخ -رحمه الله تعالى- موجود في زمانه، وقبل زمانه بمدد، وكذلك بعد زمانه إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا. وما يذكره الشيخ -رحمه الله تعالى- موجود في أماكن من البلاد الإسلامية، بل وفي غير الإسلامية من باب أولى، يوجد في كثير من البلاد الإسلامية ما كان موجودًا في العصور الأولى، في عصر الجاهلية وعصر الشرك بالله عز وجل، من صرف العبادة التي هي حق لله عز وجل لغير الله عز وجل. فتجد في الأزمان المتأخرة من الناس من يعبد الأولياء -زعموا- يعبدون الأولياء، تجد إذا مات رجل واعتقدوا فيه الصلاح بنوا على قبره مسجدًا ومشهدًا يطاف عليه، ويذبح له، وينذر له، ويستغاث به، وكذلك يدعى، ويطاف به، إلى غير ذلك من المعاني. وهل هذا إلا الشرك الذي كان عليه المشركون؟ الجواب: نعم، هو الشرك؛ لأنهم صرفوا العبادة لغير الله عز وجل، صرفوا العبادة لغير الله عز وجل. إذا دعوا توجهوا إلى ذلك الولي، إلى ذلك القبر، إذا نذروا أوفوا نذورهم لذلك الولي، إذا ذبحوا جعلوا تلك الذبائح لذلك الولي، وكذلك منهم من يطوف، ومنهم من يتمسح ويبكي ويخشع، ومنهم من إذا قيل له -وهو كاذب-: «احلف بالله عز وجل أنك ما فعلت كذا أو أنك فعلت كذا»، ما يحلف ولا يخاف، وإذا قيل له: «احلف بالولي الفلاني»، يقول: «لا، لا أحلف به؛ فإني أخافه»، أو يمتنع، لا يذكر العلة، يمتنع. كم من أناس علم عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا شيئًا -ويذكر هذا- أن في بعض البلاد الإسلامية في بعض الأزمان أنهم كانوا إذا أتوا في بعض المحاكم الإسلامية، إذا أتوا بالرجل من هؤلاء، يقول له: «احلف بالله أنك ما فعلت كذا»، فإذا حلف يقال له: «احلف برسول الله»، فإذا حلف يقال له: «احلف بالسيد فلان أو الولي فلان»، إن حلف قالوا: «صادق»، وإن لم يحلف علم أنه كاذب. وهؤلاء يحلفون بالله -وهو الأمر سهل- وهو كذب، يحلفون، قد يحلفون كذلك بالنبي، والأمر كذلك في سعة، أما عند الولي فلا، إلا بالولي، وهذا يدل على غاية التعظيم لذلك الولي فوق تعظيم الله عز وجل، وفوق إجلال الله عز وجل. وكذلك يخافون سطوة ذلك الولي فوق سطوة الله، أو فوق خوف الله عز وجل وخشيته، وهذا هو عين الشرك، وهذا هو عين الشرك. وهذا مثال، وأيضًا من الأمور التي رآها أناس كثيرون، وما زالت موجودة في كثير من البلاد، ما يحصل من الزيارات الشركية، زيارات شركية لقبور بعض الصالحين وبعض الأنبياء -زعموا- في بلادنا هذه، ولاسيما في هذه البلاد، نسمع في فترات، لاسيما في شهر رجب، يقولون: «زيارة إلى قبر النبي هود»، زيارة إلى قبر النبي هود، يزورون ماذا؟ يصنعون هؤلاء يزورونهم زيارة المقابر -الزيارة- إنسان إذا دخل قبرًا، الجواب: لا، وإنما يفعلون ويعملون ألوانًا وأنواعًا من الشرك، يفعلون ألوانًا وأنواعًا من الشرك. وهذا موجود في أيامنا هذه، في أيامنا هذه. ورجب قد مر بنا قريبًا، وقد سمعنا، وسمع غيرنا، وكذلك رأى غيرنا ما رآه من مشاهد الشرك بالله عز وجل. لا نذهب بعيدًا، نقول: قد، وقد في هذه البلاد، في هذه البلاد حصل وحصل أنواعًا، أو حصل وحصل أنواعًا وأنواعًا من الشرك: الذبح لغير الله عز وجل عند ذلك القبر، وعند غيره، النذر، الاستغاثة، الاستعانة، بل المرأة إذا كادت لا تنجب ذهبت إلى قبر النبي هود، أو إلى مشهد من مشاهد العيد، أو غيره ممن زعموا أنهم أولياء، وذهبت تقول: «يا فلان، أريد منك الولد، أريد منك ماذا؟ أن ترزقني الولد، أن ترزقني الولد». وآخر يريد أن يرزقه الله عز وجل، أن يرزقه ذلك الولي المدد والعوض، وآخر يريد أن يعود ولده إذا كان مفقودًا، وآخر، وآخر، وهكذا يسألون هؤلاء الموتى، الذين الله أعلماء بحالهم -أي ممن زعموا أنهم أولياء-. وأما زعمهم أن النبي هود -هنا- فهذه كذبة من كذبات الصوفية، وإنما هو قبر -الله أعلم- لمن، الله أعلم لمن. وهكذا في أوليائهم المزعومين، الله أعلم بحالهم، هل هم أولياء؟ هل هم أولياء لله عز وجل حقًا أم لا؟ ولو فرضنا -فرضًا- أنهم أنبياء -لا نقول أولياء فقط- أنبياء مرسلون، لا يجوز عبادتهم، فكيف بمن هو دونهم؟ فهذا -كما تسمعون وترون- أن هذا الأمر قد حصل، ولا يزال يحصل. والحاصل من هذا، والشاهد: أن مشركي زماننا مثل مشركي العرب في صرف العبادة لغير الله عز وجل، في صرف العبادة لغير الله عز وجل، فهم يقرون أن الله عز وجل خالق، رازق، مدبر -كما تقول مشركو العرب- أن الله عز وجل خالق، رازق، مدبر، ولكن المشركون أشركوا في العبادة، في توحيد الألوهية، وهؤلاء كذلك أشركوا في العبادة، في توحيد الألوهية، فكان شركهم مثل شركهم، وهذا لا شك فيه، ولا يجادل فيه إلا مجادل بالباطل. ولكن الشيخ -رحمه الله تعالى- نبه على أمر خفي، لا يعلمه كثير من الناس، ولا يعلمه إلا من حقق هذه المسائل وعلمها علمًا واضحًا جليًا -كما هو حال الشيخ -رحمه الله تعالى-. فالشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: «إن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين». قد يقول قائل: «نحن ما سلمنا لكم أن مشركي زماننا أنهم مشركون، وشيخكم محمد عبد الوهاب يقول شيئًا فوق ذلك، وهو ماذا؟ إن مشركي زماننا أشد شركًا من مشركي العرب». واضح هذا الأمر أم لا؟ فالشيخ -رحمه الله تعالى- علل ذلك بقوله: «قال؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة». المشركون الأول إذا نزل بهم البلاء، ونزلت بهم الشدة، الشدة، توجهوا إلى الله عز وجل وحده، لا ينظرون إلى معبوداتهم، ولا إلى معبوداتهم التي عبدوها مع الله عز وجل، بل يتوجهون إلى الله عز وجل وحده، وإذا كانوا في الرخاء عبدوا الله وعبدوا غيره، عبدوا الله وعبدوا غيره. فكان مشركو العرب في الزمن الأول يعبدون الله عز وجل في حال، ويشركون به في حال، في حال الرخاء يشركون بالله عز وجل، وفي حال الشدة يخلصون الدين لله عز وجل. أما مشركو زماننا -قال الشيخ -رحمه الله-: «ومشركو زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة، شركهم دائمًا في الرخاء والشدة»، أي: في الرخاء يعبدون الله ويعبدون غيره، وفي الشدة يعبدون الله ويعبدون غيره، بل مشركو زماننا ربما في الرخاء، وفي الشدة يتوجهون إلى غير الله عز وجل ما يتوجهون إلى الله، وهذا معلوم في كثير من الأمور والوقائع. تجد بعضهم إذا نزلت به النازلة، ونزل به الضر أو الكرب، توجه إلى من؟ لا يتوجه إلى الله عز وجل وحده، بل لا يتوجه إلى الله عز وجل أصلًا، وإنما يتوجه إلى الولي، يتوجه إلى الولي، أو إلى ذلك الضريح، فيعبده، يستغيث به: «يا فلان أغثنا، يا فلان نجينا، يا فلان ارحمنا، يا فلان، نحن بين يديك»، ونحن، ونحن، إلى غير ذلك من أنواع التضرع والتذلل والانكسار لذلك الولي، نجينا، نجينا، إلى غير ذلك من الاستغاثات بغير الله عز وجل. حالهم كأنهم عند الضراء لا يعلمون إلا الله، لا يعلمون ماذا؟ إلا ذلك الولي، لا يعلمون الله، ولا يعرفون ربهم عز وجل في الضراء، بخلاف مشركي العرب في حالة الضراء والشدة، بفطرهم، بفطرهم يرجعون إلى من؟ إلى الله عز وجل، يعلمون أن الله عز وجل هو النافع الضار، وهو المالك الآمر، الذي بيده الملك، وهو المدبر -سبحانه وتعالى-. فبعقولهم التي كانت عقولًا صحيحة، وفطرهم التي فطروا عليها يعلمون أن الضراء لا يرفعها إلا الله عز وجل، فيرجعون إلى الله. أما هؤلاء، أما هؤلاء، فإذا نزل بهم الضر اتجهوا، والتجأوا إلى غير الله عز وجل، لذا كما يقول بعض أهل العلم: «حال كثير منهم أنه إذا نزل به الضر، يقال لهم: لماذا لا ترجعون؟ أنتم لا تعرفون الله عز وجل في الضراء، وإنما تعرفون الولي الفلاني». فيقولون: «حسبنا أننا نعلم الولي الفلاني»، حسبنا أننا نعلم الولي الفلاني، أي: يكفينا، ولو لما عرفنا الله -ما عرفنا الله عز وجل في حال الضراء- يكفينا أننا عرفنا الولي الفلاني. وهذا -كما ترون- أشد كفرًا وشركًا من شرك المشركين الأول؛ لأن المشركين الأول -كما ذكر الشيخ -رحمه الله- في حال الرخاء يعبدون الله ويعبدون غيره، وأما في حال الضراء والشدة فيخلصون الدين لمن؟ لله عز وجل، وأما مشركو زماننا فهم في الضراء، وفي الضراء يشركون بالله عز وجل، يشركون بالله عز وجل. قد يقول قائل: «كيف تجعلون مشركي العرب أحسن حالًا منا؟ وهل هذه إلا تزكية لهم؟ وفي المقابل طعن في أهل الإسلام، وأنهم أشد شركًا من مشركي العرب؟» فالجواب: أو قبل هذا، وهل هذا إلا نوع من الظلم والجور من الشيخ -رحمه الله تعالى-؟ أي: هذا الكلام ليس في عدل، قد يقول قائل: «إن هذا الكلام ليس في عدل من الشيخ؛ إذ كيف يجعل مشركي العرب أحسن حالًا من مشركي هذه الأمة؟ هل هذا إلا الجور؟» فالجواب ما هو؟ الجواب: أن ما ذكره الشيخ -رحمه الله تعالى- هو عين العدل والإنصاف والعلم، هو عين العدل والإنصاف والعلم. وذلك أن الشيخ -رحمه الله تعالى- ذكر أمرًا خاصًا، وهو ماذا؟ وهو أن المشركين الأول أحسن حالًا من المشركين بهذه الأزمان، وقبل هذه الأزمان، بأمر ما؟ ما هو هذا الأمر؟ الأمر في أن المشركين، أن مشركي العرب كانوا إذا نزلت بهم السراء عبدوا الله وأشركوا به غيره، وأشركوا به ماذا؟ غيره، وإذا نزلت بهم الضراء أخلصوا الدين لله وحده، أخلصوا الدين لله عز وجل وحده. ومشركو زماننا إذا نزلت بهم السراء أو الضراء هم مشركون بالله عز وجل، فأي الفريقين أحسن حالًا؟ الجواب ما هو؟ الجواب: واضح، أن بهذا الاعتبار، بهذا الاعتبار مشركو العرب أحسن حالًا من مشركي زماننا. هذا جواب، وهذا جواب آخر: يقال: «إن مشركي العرب وإن كانوا لا يقرون بالبعث، وكانوا حريصين على قتل النبي وأذيته، وعلى أذية أوليائه، إلى غير ذلك». وأما مشركو زماننا فإنهم يحترمون النبي ويوقرونه، ويحترمون الأولياء ويعظمونهم، ويعرفون شرائع الإسلام ويحترمونها. فالجواب: نعم، وإن حصل منهم هذا، إلا أن هذه الأعمال لا تنفعهم -كما لم تنفع من قبلهم من الأعمال الصالحة-. فإن في العرب من المشركين من كان معروفًا بالجود والنجدة، وكذلك الخير، وإطعام المسكين، وإعانة الضعفاء، إلى غير ذلك، ولكن تلك الأعمال -من أعمال البر- لم تنفعهم؛ لماذا؟ لأنهم كانوا واقعين في الشرك بالله عز وجل، الذي لا يقبل الله عز وجل أي عمل مع وجوده. كذلك في حال مشركي زماننا: موجود فيهم الشرك بالله عز وجل، فلا ينفع أي عمل مع وجود ذلك الشرك -كما بين الشيخ -رحمه الله تعالى- في أول هذه الرسالة، حينما قال: «قال: ولا يكون، أو قال: ولا يتم توحيد، أو قال: نعم، قال في أول رسالة كلامًا: أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد». قال: «كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع إيش؟ إلا مع الطهارة». إذا رأينا رجلًا يصلي أحسن صلاة بخشوع، ورأينا الدموع تذرف من عينيه، ورأيناه يرقد سجودًا يدل على طمأنينة وخشوع، إلى غير ذلك من المعاني، والرجل نعلم أنه على غير طهارة، نعلم أنه على غير طهارة، وهو يعلم أنه على غير طهارة، ماذا نقول عن صلاته؟ إيش نقول؟ هذا يعبد، هذا ماذا؟ يعبد بالصلاة. وكذلك يقال في حال هؤلاء: يقال: «كيف تشكون بالله عز وجل، تستغيثون بغير الله، وتذبحون لهم، وتدعون، وتسجدون لهم، وتطوفون بهم، إلى غير ذلك من معاني العبودية، ثم تزعمون أنكم تصلون لله، وتزكون لله، إلى غير ذلك؟ هل تنفعكم تلك الأعمال؟» الجواب ماذا؟ لا تنفعهم تلك الأعمال، لا تنفعهم تلك الأعمال. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. هذه الآية جاءت في المشركين العرب، وهكذا يقال في كل من كفر بالله عز وجل. والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه. وهكذا يقال: فالأعمال بغير توحيد هباء منثور، الأعمال بغير توحيد هباء منثور، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا. فأعمالهم من صلاة وزكاة، إلى غير ذلك من المعاني، لا تنفعهم شيئًا؛ لماذا؟ لأنهم ما أتوا بأصل هذه العبادة، وهي ماذا؟ التوحيد، والخلوص من الشرك بالله عز وجل. فهم بهذا الاعتبار متوافقون ومتساوون مع مشركي العرب، هؤلاء عملوا أعمالًا، أو لم يعملوا أعمالًا، إذا عملوا أعمالًا لم تنفعهم أعمالهم؛ أي: من كان منهم في ذاك الزمن عنده بعض أعمال البر، ما تنفعه أعماله؛ لماذا؟ لأنهم مشركون بالله عز وجل. وهؤلاء كذلك، إذا كان عندهم بعض أعمال البر فكذلك أعمالهم لا تنفعهم؛ لماذا؟ لأنهم مشركون، لأنهم مشركون بالله عز وجل. بقي التفاضل من جهة أخرى، باعتبار ما ذكره الشيخ -رحمه الله تعالى-: هؤلاء -أي المشركون الأول- يعبدون الله في السراء والضراء، ويشركون به في السراء. وأما مشركو زماننا فيعبدون الله في السراء ويشركون به، ويعبدون الله في الضراء ويشركون به، بل ربما في الضراء توجهوا إلى غير الله عز وجل وحده، إلى غير الله عز وجل وحده، وهذا عين الشرك بالله عز وجل. قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: «والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾». الله عز وجل يحكي ويذكر عن هؤلاء المشركين أنهم إذا ركبوا في الفلك -أي في السفن- إذا ركبوا في الفلك -أي في السفن- دعوا الله مخلصين له الدين، والدعاء هاهنا دعاء مسألة، وهو متضمن لدعاء العبادة. والضابط في دعاء المسألة هو الطلب لجلب نفع أو لدفع ضر أو رفعه، هو طلب لجلب نفع أو لدفع ضر أو رفعه. ودعاء العبادة هو طلب مع خوف وطمع، أو بخوف وطمع، وبينه ما يتلازم، وبينه ما يتلازم. فدعاء، فكل دعاء عبادة يستلزم منه دعاء مسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. فكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، كما أن كل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة. قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾، قلنا: دعاء مسألة، وهو كذلك متضمن لدعاء العبادة، وهو متضمن لدعاء العبادة؛ لذا قال: «مخلصين له الدين». وهذا يدل على أنهم ماذا؟ أنهم أخلصوا الدين لله، وأخلصوا العبادة لله في هذه الحال، في حال ماذا؟ في حال الشدة، أخلصوا العبادة لله عز وجل. قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾، أي: فلما نجاهم إلى البر، واطمأنوا بالسلامة، وأنهم قد نجوا، قال: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، أي: رجعوا إلى الشرك الذي كانوا عليه، فهم يشركون بالله عز وجل في السراء، وأما في الضراء فإنهم يخلصون العبادة لله وحده. والله أعلى وأعلم. قال -رحمه الله تعالى-: «تمت، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم، وصلى الله وسلم على نبينا، وعلى آله وصحبه وسلم».

شاركنا على